العنوان لعنات الفرنسيين التي أصابت باسكوا
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1995
مشاهدات 74
نشر في العدد 1149
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 09-مايو-1995
مرة أخرى تؤكد فرنسا على كراهيتها بل عدائها
وتحديها للإسلام ومشاعر المسلمين، ففي خطوة لاقت استنكار بعض المفكرين الفرنسيين
أصدر وزير الداخلية الفرنسي «شارل باسكوا» مؤخرًا قرارًا يقضي بمصادرة الطبعة
الفرنسية من كتاب «الحلال والحرام» في الإسلام للعلامة الدكتور يوسف القرضاوي، ذلك
الكتاب الذي كتبه د. القرضاوي في عام (1958م) وترجم إلى عشرات اللغات، ووزع في
أنحاء الدنيا، وقد ترجم الكتاب إلى الفرنسية ويوزع في فرنسا منذ عام (1992م)، ولعل
رواجه بين المسلمين الفرنسيين والشباب منهم خاصة كان- حسب رأي المراقبين- من
الأسباب الرئيسية وراء مصادرته، وإذا كان القرار يحمل من الغرابة ما يحمل، فإن
الأكثر غرابة هو ما جاء في حيثيات المصادرة التي أشارت إلى: أن الكتاب يحمل روحًا
عدائية للغرب، وأنه يهدد القيم التي تقوم عليها الجمهورية، والغرابة هنا في أن قيم
الجمهورية التي يدعي «باسكوا» بأن الكتاب يهددها تنص على حرية التعبير والنشر وحرية
الاعتقاد والتدين، لكن يبدو أن هذه القيم متاحة فقط من قبل باسكوا- الذي ينهج
نهجًا عدائيًّا واضحًا ضد المسلمين داخل فرنسا وخارجها.
لمن يتطاولون على الإسلام والمسلمين وعلى رأسهم سلمان
رشدي الذي استقبلته فرنسا رسميًّا مرتين في تحد واضح لمشاعر المسلمين ودينهم،
وكانت المرة الأولى في (فبراير 1993م)، حيث قال وزير التربية والثقافة الفرنسي
«جاك لانج»: "إن سلمان رشدي هو موضع ترحيب في فرنسا"، وقد انتقد «لانج»
أثناء استقباله لرشدي في باريس وقتها المسلمين المنتقدين لما يطرحه رشدي، وقال
«لانج»: "إن أفكار سلمان رشدي تدخل في إطار حرية التعبير الذي تقدره
فرنسا".
أما المرة الثانية: فقد كانت في (مارس 1995م)، حيث
استقبل سلمان رشدي على أعلى المستويات في فرنسا، وقد قال وزير الخارجية الفرنسي آلان
جوبيه عقب لقائه مع رشدي في باريس- في 20 مارس الماضي-: "إن فرنسا سوف تطالب
وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بمناقشة كيفية الضغط على إيران لإلغاء فتوى إهدار
دمه".
وأضاف جوبيه: "سنثير هذه القضية مرة أخرى
أثناء اجتماع مقبل لوزراء الخارجية، ونحن مستعدون لاتخاذ مبادرات جديدة في هذا
الاتجاه".
وفي سلوك دعائي بحت التقى رشدي كذلك مع المرشحين
الثلاثة الكبار للرئاسة الفرنسية جاك شيراك، وإدوار بالادور، وليونيل جوسبان، ولعل
هؤلاء الثلاثة أرادوا من خلال لقائهم المعلن برشدي أن يؤكدوا للناخب الفرنسي أنهم
لا يقلون عن رشدي كراهية للإسلام والمسلمين.
والاستفزاز الفرنسي لمشاعر المسلمين أخذ في السنوات
الأخيرة منحى عدائيًّا واضحًا تمثل في فصل الطالبات المسلمات المحجبات من المدارس
ومنعهن من مواصلة الدراسة في المدارس الحكومية رغم صدور عدة أحكام قضائية لصالح
الطالبات.
كذلك منع وصول الخدمات الأساسية عن المساجد مثلما
فعل عمدة مدينة شارفيو- شافانيو في (سبتمبر 1991م)، وترحيل بعض الدعاة المسلمين
المقيمين دون ثبوت أية اتهامات ضدهم ومنع كثير من العلماء المسلمين بما فيهم علماء
رسميون من الأزهر من دخول فرنسا لإعطاء محاضرات للمسلمين هناك وتوقيع اتفاقات
أمنية، وممارسة ضغوط قوية على المسلمين في فرنسا وخارجها باتفاق مع حكومات خارجية.
من هنا فإن القضية ليست قضية مصادرة كتاب، وإنما هي
حرب موجهة ضد المسلمين تمثل صورة من صور الحروب الصليبية التي قامت بها فرنسا ضد
العالم الإسلامي قبل ثمانية قرون، فوزير الداخلية الفرنسي شارل باسكوا الذي أصدر
قراره بمنع الكتاب وقف في الرابع والعشرين من (نوفمبر 1993م) أمام البرلمان
الفرنسي وتعهد بمكافحة الأصولية، وقال «باسكوا»: "إن الأصولية الإسلامية لا
تتوافق مع المبادئ الأساسية للدولة العلمانية الفرنسية"، وأضاف: "إن
المسألة هي مسألة دمج الإسلام بأنظمة مجتمعنا".
وأعلن «باسكوا» رفضه مطالبة المسلمين بفتح مدارس
خاصة لتعليم القرآن، وقال: "إن عملية التعليم يجب أن تندرج في إطار عملية
الاندماج التي يريد بلدنا إنجازها". وقال مهاجمًا الحجاب: "إننا يجب أن
نكون يقظين لنضمن ألا يتحدى الحجاب الإسلامي مبدأ العلمانية الذي يحكم
مدارسنا".
ولم يتوقف «باسكوا» من يومها عن مهاجمة الإسلام
وإهانة المسلمين كلما أتيحت له فرصة لذلك، وقام بعدة زيارات خاصة لدول شمال
إفريقيا بهدف وضع خطط مشتركة لمحاصرة المد الإسلامي والقضاء عليه.
ويرتبط «باسكوا» بعلاقات وثيقة وحميمة مع كل الكتاب
والمسؤولين الفرنسيين المعروفين بعدائهم للمسلمين، وعلى رأسهم جان كلود بارو- رئيس
مكتب الهجرة الدولي في باريس، الذي له كتابات عديدة من بينها كتاب نشر مؤخرًا
يهاجم فيه الإسلام بشدة، وتشير بعض أصابع الاتهام إلى «بارو» باعتباره أحد الذين
يرسمون سياسة باسكوا في مهاجمته للمسلمين.
وقد دفعت هذه السياسة مجلة ليفينمان دي جودي
الفرنسية الأسبوعية أن تنتقد في عددها الصادر في آخر ديسمبر الماضي سياسات شارل
باسكوا تجاه المسلمين، وأضافت المجلة بأن باسكوا لا يبالي بالجالية المسلمة منذ
توليه منصبه، بل يبرم اتفاقات مع حكومات دول شمال إفريقيا للسيطرة على هذه
الجاليات، في الوقت الذي يعتبر فيه معظم مسلمي فرنسا مواطنين فرنسيين.
هذه الشواهد تؤكد على أن القضية ليست مصادرة كتاب، وإنما
هي حرب منظمة يقوم الإعلام فيها بعمليات التزييف والتضليل والتشويه للإسلام
والمسلمين وتتحرك فيها إما بحقد له جذور قديمة أو بتوجيه من مسؤولين كبار مثل
باسكوا، ولعل الطرح الراقي الذي طرحه العلامة القرضاوي في المؤتمر الذي عقد في
باريس في أكتوبر الماضي حول نظرة الإسلام الراقية للعلاقة بالغرب مما جعل الحضور
الفرنسيين من غير المسلمين ينبهرون بهذه المفاهيم ويصبون لعناتهم على «شارل
باسكوا» «وجون كلود بارو»..
من المؤكد أن هذه اللعنات التي أصابت «باسكوا» من بني جلدته لها دور في قراره.