العنوان ديكتاتور على وشك الرحيل
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1228
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
بدأ الرئيس الكرواتي فرانيو تودجمان متعبًا وهزيلًا لدى وصوله إلى مطار زغرب في الثالث والعشرين من نوفمبر الماضي، بعد رحلة فحوصات طبية إلى الولايات المتحدة، أشارت نتائجها إلى أن الرئيس الكرواتي مصاب بسرطان المعدة، وقد أثار هذا الخبر ردود فعل واسعة حول النهاية المرتقبة لتودجمان البالغ من العمر ٧٤ عامًا، والذي يحكم كرواتيا بالحديد والنار منذ توليه السلطة عام ١٩٩٠م.
فالأنظمة الديكتاتورية عادة ما تحول حياة الشعوب إلى كابوس مرعب؛ حيث تسلب من الناس إرادتهم وتفكيرهم وأدميتهم، وتجعلهم يدورون في إطار الحكم المطلق وهيمنة الرجل الواحد، وهذا ما لمسته بنفسي على وجوه الناس في كرواتيا، فالكأبة كانت تخيم على الجميع، والناس يمشون في الشوارع كأنهم بقايا آدمية، ولفت نظري أن معظم النساء يمشين في الشوارع بمرافقة الكلاب بشكل ملفت للنظر عن معظم الدول الغربية الأخرى، وحينما استفسرت عن هذه الظاهرة، علمت أنها نتيجة إفرازات اجتماعية ونفسية خطيرة، تسبب فيها القهر السياسي والأنانية التي اصطبغ بها المجتمع، وأن خطورتها ليست في اقتناء الكلاب فحسب، وإنما في الحياة معها حياة بديلة عن الحياة الزوجية والأسرية، حتى أن إحدى الصحف الكرواتية نشرت أن ثلاثين ألف فتاة وامرأة في العاصمة زغرب وحدها يعشن مع الكلاب حياة كاملة دون أي تفكير في زوج أو حتى عشيق، وهذه مرحلة تمثل الدرك الأسفل من الانحطاط الآدمي، ونتاج مباشر للاستبداد السياسي والتفكك الاجتماعي والأنانية العقيمة والانهزام النفسي الذي صبغت به الديكتاتورية الحاكمة حياة الناس.
فبعد خمسة وأربعين عامًا من الديكتاتورية الشيوعية التي فرضها تيتو على يوغوسلافيا جاء تودجمان ليواصل نفس أسلوب الحكم الديكتاتوري المطلق وراء مظهر خادع من الديمقراطية البرلمانية، وتودجمان شيوعي عريق تدرج في مسئوليات الحزب الشيوعي وفي الرتب العسكرية في الجيش، حتى وصل إلى رتبة جنرال في رئاسة الأركان، تسلم بعدها مسؤولية «مركز الأبحاث التاريخية التابع للحزب الشيوعي في كرواتيا»، إلا أنه لتعصبه الكرواتي، أبعد عن الجيش في عام ١٩٦٨م، لكنه ظل كادرًا مميزًا داخل الحزب الشيوعي اليوغوسلافي، وبعد وفاة تيتو في 4 مايو ۱۹۸۰م، سعى تودجمان إلى تحقيق حلم كرواتيا الكبرى، وإثارة النزعات العرقية لدى الكروات، وتمكن بالفعل في عام ١٩٩٠م من الفوز في الانتخابات والسعي لتحقيق حلم كرواتيا الكبرى، وكانت أقرب فريسة له هي جمهورية البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة، ولذلك فإن معلومات صحفية أكدت قيامه في عام ١٩٩٠م بالتوقيع على اتفاق سري مع ديكتاتور صربيا سلوبودان ميلوسوفيتش يقضي بتقسيم البوسنة والهرسك بين صربيا وكرواتيا، لكن الصراع الذي نشب بين صرب كرواتيا وبين الكروات وأدى إلى الحرب الأولى بين الصرب والكروات عام ۱۹۹۱م حال دون تنفيذ الاتفاق، إلا أن نشوب الحرب بعد ذلك بين المسلمين والصرب في إبريل ۱۹۹۲م والتي امتدت إلى أكثر من أربعين شهرًا جعلت تودجمان يسعى أكثر من مرة إلى إعادة ترتيب الأوراق بينه وبين ميلوسوفيتش لاقتسام البوسنة، ولم يخف تودجمان عداءه الدائم وكراهيته للمسلمين- رغم اضطراره للتحالف معهم. كما نشرت الصحف البريطانية في عام ۱۹۹٥م خريطة وضعها تودجمان أثناء حفل عشاء أقيم له في لندن، حدد فيها تصوره عن تقسيم البوسنة بين الصرب والكروات دون أي وجود لدولة بوسنية مسلمة، وحينما نشرت معه صحيفة لوفيجارو، الفرنسية حوارًا في أكتوبر 1995م لم ينف رسمه للخريطة، وقال: «إن هذا ما يريده الغرب للبوسنة» وحول رؤيته لحل مشكلة البوسنة، قال تودجمان: إن أوروبا والغرب يرفضان فكرة إنشاء دولة مسلمة مهما كانت صغيرة في البوسنة، وذلك لقطع الطريق أمام العرب لمساندة أي نشاط مسلم أصولي في أوروبا، وبفضل الجهود الغربية كانت فكرة إنشاء اتحاد فيدرالي كرواتي مسلم، ولأسباب إستراتيجية وافقت كرواتيا على ذلك، ولم يقف تودجمان في وضوحه عند هذا الحد، وإنما أضاف قائلًا: «لقد وافقنا على مهمة أسندتها لنا أوروبا وهي: دمج مسلمي البوسنة في الحضارة الأوروبية»، حتى لا يكونوا في المستقبل أداة في يد التطرف وسط القارة الأوروبية، هذه هي مهمة تودجمان المعلنة، وإضافة إليها فإن دعم جمهورية هرسك البوسنة التي تضم كروات البوسنة محور أساسي في دوره في تفتيت جمهورية البوسنة من داخله.
هذه النفسية الديكتاتورية المتغطرسة تتعامل بنفس هذه الطريقة مع الكروات أنفسهم، فلم يسمح تودجمان طوال السنوات الست الماضية لأحد أن يرفع رأسه، رغم مظاهر الديمقراطية التي كان يؤكد هو والمقربون منه زيفها كل يوم، فحينما نجحت بعض أحزاب المعارضة في تجميع نفسها في اتحاد يواجه حزبه في الانتخابات المحلية التي عقدت في كرواتيا في ديسمبر الماضي ١٩٩٥م، وفازت المعارضة في الانتخابات في العاصمة زغرب رفض تودجمان النتائج، ورد على هذا الفوز قائلًا: «إنه لن يسمح بوجود سلطة محلية في زغرب تتحدى سياسة الدولة»، أما معارضيه فكانت التصفية الجسدية هي إحدى الوسائل التي يتعامل بها معهم، وحينما سعت المعارضة في البرلمان للتصويت ضد حكومته في عام ١٩٩٤م تم تهديد الأعضاء المعارضين جميعًا بأسلوب فج، فرضخوا، والعجيب أن وسائل الإعلام الكرواتية لازالت الدولة تسيطر على غالبيتها، وتتحدث كل يوم عن الزعيم الملهم والقائد الأوحد، على غرار ما كانت تتحدث عن تيتو، وعلى غرار ما كانت تفعل وسائل الإعلام في كل الأنظمة الديكتاتورية، ولذلك حينما قررت الحكومة إغلاق إحدى الإذاعات شبه المستقلة خرج سكان زغرب في اجتماع حاشد ونادر في الميدان الرئيسي في العاصمة أثناء وجود تودجمان في مستشفى «والتر ريد» العسكري في واشنطن؛ ليعلنوا احتجاجهم على إغلاق الإذاعة التي بدأت تمنح الناس بعض نسائم الحرية، ولم يعلق تودجمان على هذه المظاهرة التي تعتبر غريبة في ظل نظام ديكتاتوري؛ لأن المرض بدأ يفتك به، وبدأ الجميع يتحدث عن كرواتيا بعد تودجمان، خاصة وأن خليفته المرتقب الديكتاتور الصغير جويكو سوزاك وزير الدفاع مصاب هو الآخر بسرطان الرئة، ويعالج منذ العام الماضي في الولايات المتحدة.
ولذلك فإن مستقبل البلاد يبدو كئيبًا في ظل المعارضة المفككة والصراع الشديد بين أجنحة الحزب الحاكم والحركات الكرواتية المتطرفة التي تدعو للانفصال، وإلى أن يفتك السرطان بديكتاتور كرواتيا ونائبه، فإن العالم مدعو لمراقبة الانهيار البطيء لواحدة من الأنظمة الديكتاتورية المتغطرسة. فأي مستقبل ينتظره الكروات بعد تودجمان؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل