العنوان الانتخابات الرئاسية والنفوذ اليهودي في فرنسا (1-2)
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995
مشاهدات 73
نشر في العدد 1146
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 18-أبريل-1995
في مزايدة واضحة على قضايا العرب والمسلمين وانحياز
واضح للدولة الصهيونية، أعلن «إدوار بالادور» -رئيس الوزراء الفرنسي المرشح
للرئاسة- أن القدس هي روح إسرائيل، وأن اليهودية هي الدين الوحيد الذي أراد الله
من خلاله أن يتجسد الإيمان به على الأرض «ولا شيء يشبه ذلك في أي دين آخر»،
واستطرد «بالادور» الذي كان يتحدث إلى مجلة «اكتوياليتيه جويف» الفرنسية اليهودية
[التي] نشرته في الخامس من أبريل الجاري قائلًا: «إن القدس تخص اليهود أكثر مما
تخص بقية الأديان، وإن فرنسا سوف تنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس بعد تسوية وضع
المدينة المقدسة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأضاف بالادور قائلًا: «علينا دين
للشعب اليهودي لأننا تركناه يستشهد في الحرب العالمية الثانية».
ولم تكن هذه هي التصريحات الأولى التي يدلي بها
«بالادور» بشكل يبرز ارتماءه الواضح في أحضان اللوبي اليهودي في فرنسا؛ طمعًا في
دعمه له بعد اهتزاز موقفه في الانتخابات الرئاسية إثر تورط حكومته في بعض الفضائح
قُبيل الانتخابات بفترة وجيزة، وكان «بالادور» قد أدلى بحوارات صحفية وإذاعية
عديدة للصحف والإذاعات اليهودية في فرنسا يؤكد فيها على أن «إسرائيل» لن تجد أفضل
منه رئيسًا لفرنسا، ففي حوار نشرته صحيفة «تربيون جويفي» اليهودية الفرنسية في
الثالث والعشرين من مارس الماضي قال «بالادور»: «لم تكن العلاقات بين فرنسا وإسرائيل
أفضل مما هي عليه الآن خلال الخمسة والعشرين عامًا الماضية» وأضاف «بالادور»: لقد
أعربت بوضوح في عدة مناسبات عن صداقتي لـ«إسرائيل»، كما أعطت الحكومة التي أقودها
بعدًا جديدًا للعلاقات بين فرنسا و«إسرائيل» في مجالات كثيرة، ومضى يقول: هذه
أيضًا هي أول مرة تعطى فيها مثل هذه الحماية الكبيرة للأماكن الدينية والمدارس
اليهودية.
ورغم أن اليهود في فرنسا لا يزيدون عن 700 ألف نسمة
وهو ما يوازي أقل من 2٪ من عدد الناخبين ولا يعتبرون قوة تصويت ضاغطة في
الانتخابات الفرنسية، فإن المراقبين يشيرون إلى قدرة اللوبي اليهودي في فرنسا على
زعزعة الأوضاع واستمالة الرأي العام بقوة نفوذهم في المجتمع الفرنسي، ويؤكد هؤلاء
على أن اللوبي اليهودي قد لعب دورًا كبيرًا في إسقاط الرئيس الفرنسي الأسبق
«ديجول» في انتخابات 1969م، وكذلك تصعيد الرئيس الفرنسي الحالي «فرانسوا ميتران»
وإسقاط الرئيس السابق «فاليري جيسكار ديستان» الذي يعتبر من أكثر حلفاء «إسرائيل»
الذين وصلوا إلى قصر الإليزيه ودعموا سياستها منذ إعلان قيامها على [أنقاض] فلسطين
في عام 1948م.
فلم يكن «ميتران» قد أتم عامه الأول في قصر
الإليزيه حتى قام بزيارته الأولى إلى الكيان الصهيوني في عام 1982م، ونقل «جاك
[أتالي]» أحد مستشاري «ميتران» المقربين في مذكراته التي نشرها في باريس عام
1993م، تحت عنوان «فاربتيم» قول «ميتران» في أعقاب هذه الزيارة: «إنني أول رئيس
دولة فرنسي أقوم بزيارة الأراضي المقدسة منذ عهد القديس لويس عام 1251م» وهو تاريخ
آخر حملة صليبية فرنسية على القدس، وأضاف «أتالي» الذي يعتبر من أبرز المفكرين
الصهاينة في أوروبا، والذي عمل مستشارًا ل«ميتران» لمدة خمس سنوات، لقد قام ميتران
بزيارة «إسرائيل» ست مرات قبل زيارته الرسمية الأولى لها عام 1982م، كما أن أحد
أبناء ميتران أمضى عامًا في أحد الكيبوتزات الإسرائيلية.
أما «فاروق مردم بيك» صاحب كتاب «فرنسا والصراع
العربي الإسرائيلي» الذي نشره بالفرنسية في بداية عام 1993م، فيقول: [إنّ] مواقف
ميتران في دعم الكيان الصهيوني واضحة للغاية، فحينما حصل الاعتداء الإسرائيلي على
المفاعل النووي العراقي في عام 1981م، رفض «ميتران» إدانة إسرائيل حتى لفظيًا رغم
أن فرنسا هي التي بنت هذا المفاعل، ورغم مقتل أحد الفرنسيين فيه، وبعد ذلك بشهر
واحد وفي نفس العام (1981م)، قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بشن غارات على
«بيروت»، وطلب وزير الخارجية الفرنسي -وقتها- «كلود شيسون» أن يكون لفرنسا موقف
إلا أن «ميتران» رفض بشدة توجيه أي إدانة لـ«إسرائيل» وقال مقولته التي كررها
مرارًا: «إنني لا يمكن أن [أسمح] بعقوبات تقع على شعب إسرائيل».
وفي ديسمبر عام 1981م، أعلنت إسرائيل، عن ضم
مرتفعات الجولان السورية إليها، ولم يغير «ميتران» موقفه أو يجري أية تعديلات على
زيارته التي كان يعد للقيام بها إلى «إسرائيل» بل إن «مردم بك» يؤكد في كتابه على
أن «ميتران» حينما زار «إسرائيل» قُبيل الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في عام
1982م، قام رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية بعرض خرائط [مواقع] الفلسطينيين
في لبنان على «ميتران» مما يعني علم «ميتران» المسبق بخطة الاجتياح الإسرائيلي
التي لم يدنها، بل إنه لم يحرك ساكنًا حتى حينما وصل الإسرائيليون إلى بيروت وحاصروها
عام 1982م.
أما حينما قام ميتران بزيارته الثانية إلى
«إسرائيل» في ديسمبر 1992م، فقد سبقها بتقديم بعض الهدايا الرمزية إلى الكيان
الصهيوني، حيث وصف المقاطعة العربية للكيان الصهيوني بأنها «لاأخلاقية وغير
مقبولة»، وأكد أثناء افتتاحه للبيت الفرنسي الإسرائيلي في باريس أن باريس ستقدم
مشروعًا إلى الدول الأوروبية لمعاقبة [أية] شركة أوروبية تلتزم بقرارات المقاطعة
العربية، ولذلك فقد وصفت المصادر الإسرائيلية «ميتران» بأنه «ضيف كريم لا تحتاج
علاقاته الودية مع إسرائيل واهتماماته بأمنها وسلامها وصلاته الخاصة بالشعب
اليهودي ومبادئه الدينية برهانًا».
أما «شيمون بيريز» -وزير الخارجية الإسرائيلي- فقد
وصف زيارة «ميتران» بأنها ستسمح بالعودة إلى الصداقة الكبيرة التي كانت تربط بين
فرنسا و«إسرائيل»، والتي تقوم حاليًا على العلاقات الاقتصادية وكانت في الماضي
ترتكز على التعاون العسكري.
وإشارة «بيريز» للتعاون العسكري إشارة قوية فقد
لعبت فرنسا دورًا كبيرًا في مساعدة «إسرائيل» على إنتاج القنابل النووية، حيث قامت
بتزويد مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي بمعمل فصل البلوتونيوم عن [اليورانيوم]،
مما يسمح لإسرائيل بإنتاج قنابل نووية بشكل لانهائي، كما أن كافة العاملين في هذا
المفاعل حصلوا على تدريباتهم في المختبرات الفرنسية، وحينما فاحت رائحة الدعم
الفرنسي النووي للكيان الصهيوني طلبت مصر من فرنسا أن تقوم بتسليح مصر نوويًا
عوضًا عن قيامها بتسليح إسرائيل إلا أن فرنسا أعلنت رفضها للطلب المصري.
هذا الدور الكبير الذي قام به «ميتران» جعل
«بالادور» يوقن بأن الطريق إلى الإليزيه يمر عبر تل أبيب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل