; بلا حدود .. أقدم ديكتاتور في العالم | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود .. أقدم ديكتاتور في العالم

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1994

مشاهدات 77

نشر في العدد 1108

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 19-يوليو-1994

«الزعيم الكبير الأعلى»، «القائد المشرق ذو الروح الحديدية الدائم الانتصار»، «الضوء الذي ينير الشعب»، «منارة البلاد»، «الشمس الحمراء الشارقة على الشعوب المضطهدة»، «نجمة القطب المشرقة على الإنسانية»، «الرجل الذي يملك زمام العالم نابغة الخلق»، «البطل الذي لا يقهر».

هذه الألقاب لم أجدها في أحد كتب الأساطير، وإنما هي بعض الألقاب التي خلعها على نفسه ديكتاتور كوريا الشمالية الذي رحل في الأسبوع الماضي «كيم إيل سونج». ورغم علامات الاستفهام التي تحيط برحيل سونج المفاجئ، والذي جاء في ظل تفاقم الأزمة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وإبداء كيم موافقته على الالتقاء بغريمه الجنوبي والذي كان مقررًا في الأسبوع القادم، إلا أن رحيل سونج قد سلط الأضواء على زعيم أقدم ديكتاتورية في العصر الحاضر.

ورغم ندرة المعلومات المتوفرة عن الوضع في كوريا الشمالية التي وضعها كيم إيل سونج داخل سياج حديدي منذ وصل إلى سلطة الحكم فيها عام 1948م، إلا أن المعلومات التي توافرت عن أسلوب حكم «نجم البشرية القطبي»، تكاد تكون ضربًا من ضروب الخيال لمن يقرأها أو يسمع بها، غير أنها في النهاية تكشف جانبًا من جوانب البؤس والمهانة الإنسانية لاثنين وعشرين مليون كوري هم عدد سكان كوريا الشمالية.

ففي شهر ديسمبر من العام 1992م، هرب المترجم الخاص لكيم إيل سونج «كويانج هوان»، فور تعيينه ملحقًا في سفارة كوريا في برازافيل، وروى في حوارات صحفية مختلفة تفاصيل رهيبة عن ديكتاتور كوريا «القائد الأكبر»، وابنه «القائد الحبيب»، وجدت روايات مشابهة لها في عشرات التقارير التي نشرت خلال الأشهر القليلة الماضية إبان تفاقم الأزمة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة. ولتكن رواية مترجم سونج -بكل ما فيها من مزاعم- بيانًا لنظام الحكم في أقدم ديكتاتورية ستالينية في العصر الحديث.

يقول كويانج هوان: لقد قام القائد الأكبر بمنح ابنه القائد الحبيب لقب ماريشال أثناء احتفاله بعيد ميلاده الثمانين، وقد قام القائد الحبيب من فوره بإعلان ترقية 600 ضابط من ضباط جيش كوريا الشمالية البالغ تعداده مليون ومائتا ألف رجل -وهو أكبر جيش دولة في العالم مقارنة بعدد السكان «22 مليونًا»- إلى رتبة جنرال، وفي المقابل أعدم عشرة من كبار الضباط المشكوك في ولائهم.

كما أصدر القائد الحبيب «الابن» أوامره في أبريل 1992م أثناء الاحتفال بعيد ميلاد القائد الأكبر بأن يقوم الشعب باصطياد عشرات الآلاف من البلابل ليتم صنع فراش وغطاء من ريشها يهدى للقائد الأكبر. أما الفلاحون -الذين لا يحق لهم سوى أكل لحم الكلاب- فعليهم الاهتمام بتربية الآلاف من الطيور، وعلى قوات الجيش أن تقوم باصطياد 800 سلحفاة حتى يقوم القائد الأكبر بتقديمها إلى ضيوفه الذين سيحضرون الاحتفالات؛ لأن القائد الأكبر يعتقد أن دماءها تحسن الدورة الدموية. هذا خلاف العروض العسكرية التي تقام في كل قرية ومدينة، وبذلك يكون الشعب الكوري الشمالي بكامله قد شارك في الاحتفال بميلاد «شمس الإنسانية».

أما عن حياة البذخ التي كان يعيشها الديكتاتور الأكبر، رغم أن كثيرًا من فئات شعبه لا تأكل الأرز سوى مرة واحدة في العام، فإنه كان يملك مائة قصر ضخم منتشرة عبر البلاد، بينها مقره الرئيسي الذي يبعد عن العاصمة بيونج يانج ثلاثين كيلو مترًا، ويقوم على حراسته 12 ألف رجل، وعلى خدمته ثلاثة آلاف صبية، وتحت تصرفه 600 سيارة مرسيدس، ويقوم على خدمته الصحية 600 طبيب متخصص. ويتم تجربة كافة الأدوية على فريق خاص من الرجال قبل أن يقوم كيم بتناول أي منها، كما يتم رش المحيطين به بمواد خاصة وفحصهم من آن لآخر لتلافي العدوى، أما السفراء فعليهم تقديم شهادات تلقيح قبل تقديم أوراق اعتمادهم.

أما عدد التماثيل التي كانت قد نصبت في أنحاء كوريا في عام 1985م أي قبل 9 سنوات فقد بلغت 35 ألف تمثال، كما أقام القائد الأكبر قوس نصر في العاصمة يبلغ ارتفاعه 160 مترًا، كما أقام برجًا من الرخام يبلغ ارتفاعه 170 مترًا يضيء ليل العاصمة في شعلة كبرى ترمز إلى «شمس الإنسانية». أما التمثال الذي يجب على كل مواطن زيارته فهو التمثال البرونزي الضخم المغطى بالذهب، الذي قام بالتبرع به المواطنون الكوريون الذين لا يجدون ما يأكلون، وذلك تعبيرًا عن حبهم «لشمس الإنسانية».

أما عيد ميلاده الثاني والثمانين الذي أقامه في أبريل الماضي 1994م، فقد حفل بالأساطير، ودعا إليه أشهر الراقصين والراقصات من أكثر من 40 بلدًا في العالم للمساهمة في هذه المناسبة.

وقد وصف الكاتب البريطاني الشهير روبرت فيسك تفاصيل هذه الأساطير في تقرير نشرته الديلي تلجراف في أبريل الماضي، كما وصف جانبًا هامًا من جوانب البؤس التي يعيشها شعب كوريا الشمالية؛ حيث ملأت شوارع العاصمة بيونج يانج لافتات تقول: إن شعب كوريا الشمالية قادر على الصمود، ولو وصل به الأمر إلى تناول وجبة طعام واحدة. ونقلت الصنداي تايمز في سبتمبر 1993م عن امرأة يابانية تمكنت من زيارة أقاربها في كوريا الشمالية قالت: «لقد علمت أن الأقارب لم يتناولوا اللحوم منذ أكثر من عام».

أما عدد المعتقلين السياسيين فإنه يبلغ 150 ألف معتقل سياسي، يتوزعون في 12 معسكرًا للعمل الشاق، وهناك شعار يردده الكوريون هو: «إن التفكير خطر، وإن الكلام يؤدي إلى الموت».

ستة وأربعون عامًا عاشتها كوريا الشمالية تحت قبضة هذا الديكتاتور الذي استمر أطول فترة في نظام يقوم على تأليه الفرد تحت القهر والاستبداد، ستة وأربعون عامًا تغير خلالها عشرة رؤساء للولايات المتحدة، وعشرات الرؤساء في أنحاء مختلفة من العالم، بينما «شمس الإنسانية» قابع على قلب شعبه يذيقه كؤوس الذل وألوان الهوان. لكن رحيل كيم إيل سونج يبدو أنه ليس النهاية لمأساة الشعب الكوري، فقد ترك وراءه خليفته القائد الحبيب ابنه كيم كونج إيل «52 عامًا»، حيث توجته وسائل الإعلام الكورية قائلة: «إنه رئيس ثورتنا والخليفة العظيم لقضيتنا الثورية»، ونقلت إليه كافة الألقاب والصفات غير المألوفة في حياة البشر ومنها «قلب الحزب الممجد».

غير أن القائد المشرق ذا الروح الحديدية قد كتب الذل على شعبه حيًا وميتًا، فقد ذكرت «بيونج يانج» أنها سوف تقيم ضريحًا رخاميًا ضخمًا يحفظ فيه جسد نجمة القطب المشرقة، في محاليل خاصة تحفظه من التلف داخل غطاء زجاجي، حتى تظل الجماهير تتردد عليه للزيارة خلال الأعوام القادمة.

إن مدرسة كيم إيل سونج كانت تضم العديد من الطواغيت الذين يكادون يسيرون على نهجه شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، رحل بعضهم مثل أنور خوجه ديكتاتور ألبانيا، وبقي بعضهم مثل كاسترو دیکتاتور كوبا، وصدام حسين ديكتاتور العراق الذي يعتبر أنجب تلاميذ ديكتاتور كوريا.

غير أن الموت لن يبقي أحدًا من هؤلاء ولن يذر، ولكن مع كل ذلك يبقى سؤال ملح يبحث عن إجابة.. أين إرادة الشعوب في تلك الدول؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل