; بعد دعوة ميتران لتدويل أزمة الجزائر أزمة سياسية بين فرنسا والجزائر | مجلة المجتمع

العنوان بعد دعوة ميتران لتدويل أزمة الجزائر أزمة سياسية بين فرنسا والجزائر

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1995

مشاهدات 67

نشر في العدد 1138

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 14-فبراير-1995

أثار الموقف الرسمي الجزائري إزاء ندوة روما ونتائجها ردود أفعال داخلية وخارجية، وحاولت بعض الجهات المؤثرة في الساحة الجزائرية "الضغط" على النظام هناك من أجل مراجعة موقفه المتصلب القائم على المضي دون هوادة في الحل الأمني، بالرغم من دعوة الأطراف المشاركة في ندوة روما إلى الحوار والسعي إلى إرجاع الأمن والسلام في ربوع هذا البلد المغاربي.

وآخر هذه المحاولات "الضاغطة" جاءت من الرئيس الفرنسي ميتران الذي دعا المجموعة الأوروبية للقيام بمبادرة من أجل إرساء حوار في الجزائر انطلاقًا مما توصل إليه ممثلو الهيئات الحزبية المشاركة في ندوة روما.

أبعاد داخلية انتخابية

وتعددت القراءات في الأوساط الإعلامية والسياسية ومن طرف الخبراء المتابعين للشئون الجزائرية حول موقف ميتران.

فالبعض ربطه بالعوامل الداخلية الفرنسية، حيث تعيش فرنسا أجواء الحملة الانتخابية الرئاسية والبلدية، والرأي العام الفرنسي مهتم بتطورات الوضع في الجزائر ومشغول بهاجس انتقال المعركة بين النظام والمعارضة المسلحة هناك إلى الأرض الفرنسية تحت وطأة التهويل والتخويف المتواصل من ضرب المصالح الفرنسية، وقد تفنن بعض المسئولين في الحكومة اليمينية بباريس ومعظم وسائل الإعلام في اللعب بهذه الورقة من أجل كسب أصوات الناخبين بالنسبة للطرف الأول، ومن أجل تشويه صورة الإسلاميين والإسلام بالنسبة للطرف الثاني، وقد تم استغلال حادث الطائرة لتحقيق هذه الأغراض.

والنتيجة أن الأوضاع الجزائرية المتفجرة تحولت إلى ورقة انتخابية هامة في يد حكومة بالادور ووزير داخليته باسكوا صاحب الطرح المتشدد ضد الإسلاميين، بما في ذلك الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي قبلت في ندوة روما بمبدأ التداول على السلطة والحوار.

لكن المشكلة أنه ظهر تباين في المواقف بعد هذه الندوة بين باسكوا ووزير الخارجية جوبيه، فهذا الأخير دعا إلى الحوار في الجزائر والاستفادة من ندوة روما مع تحفظ كبير على الجبهة الإسلامية، كما أن وزير الدفاع فرانسوا ليوتار كتب في صحيفة "لوفيغارو" بتاريخ 1/2 بعنوان: "كيف يمكن مساعدة الجزائريين؟"، وجاء في هذا المقال أنه "لا يحق لأحد أن يقدم دروسًا لأصدقائنا الجزائريين"، وأضاف: "أعتقد أن ندوات روما تحت رعاية سانت إيجيديو غنية بالأمل من أجل إخراج الجزائريين أخيرًا من الصدام الدامي الذي يمزقها"، واعتبر النص الذي تم توقيعه في هذه الندوة الأخيرة بروما "بمثابة ميثاق حقيقي لجزائر ديمقراطية ومتصالحة".

وحول الدور الفرنسي ذكر وزير الدفاع أن "فرنسا من واجبها العمل على إقامة السلام، وهو واجب أخلاقي قبل كل شيء، ولكنه أيضًا مصلحة وطنية، لأن الأمن في بلادنا مرتبط في عدة وجوه بمستقبل جارتنا وشريكتنا الجنوبية في المتوسط"، ودعا إلى أن تتدخل فرنسا أكثر من أجل "مساندة الديمقراطيين في وجه المتطرفين من كل جهة"، وهذا يعني بالإضافة إلى الموقف التقليدي من الإسلاميين الذين تبنوا منهج القوة، بأن التوجه الذي يظهر فيه نوع من التحول هو محاولة الحكومة الضغط على ما أسمتهم المتطرفين في صفوف السلطة الجزائرية، وهم مجموعة من الجنرالات الفرنكفونيين المصرين على اعتماد الحل الأمني إلى آخر المطاف وبدون تراجع.

وبدون شك فإن هذا التحول في الموقف يرتاح إليه الرأي العام الفرنسي المتخوف من مضاعفات الوضع الجزائري على الأمن في فرنسا، وبالتالي ستكسب الحكومة اليمينية أصواتًا كثيرة لو نجحت في توجيه الأوضاع الجزائرية نحو الحل التفاوضي.

ومن هذا المنطلق يصبح اقتراح الرئيس الفرنسي ذا أبعاد انتخابية لقطع الطريق أمام اليمين في استغلال الورقة الجزائرية وتعميق تناقضاته الداخلية وإعطاء دفع لليسار والحزب الاشتراكي الذي ينتمي إليه ميتران، فإنه قام بمبادرته مستفيدًا من موضعه كرئيس دولة يمتلك القرار الأول في تحديد الاستراتيجية الخارجية وبصفته رئيس المجموعة الأوروبية.

فلا غرابة أن يقف وزير الخارجية الفرنسي في بروكسل ويصرح بأن المبادرة الفرنسية ليست قابلة للتطبيق حاليًا، وتحتاج إلى أشهر عديدة حتى تنضج وتتشاور حولها الأطراف الأوروبية، وأنها في الأخير مبادرة أوروبية قبل أن تكون فرنسية.

منافسة الدور الأمريكي

لكن إذا كان البعد الداخلي حاضرًا في مبادرة ميتران، فإن البعد الخارجي كان له التأثير الأكبر حسب البعض الآخر من المعلقين والخبراء، فالتنافس الأمريكي - الفرنسي على المنطقة المغاربية قد اشتد كلما بدأت مؤشرات لحل العقدة الجزائرية، ولا شك أن وقوف الأمريكان وراء ندوة روما وإنجاحها والدفع نحو تبني الميثاق الذي تم التوقيع عليه في هذه الندوة الأخيرة بإيطاليا، كل هذه العوامل أثارت الطرف الفرنسي الذي يعتبر نفسه "ولي أمر" أفريقيا والمنطقة المغاربية والجزائر على وجه الخصوص، والتصلب في الموقف الفرنسي لم يزد الوضع إلا تعقيدًا من خلال تقديم مساعدات جمة إلى النظام الجزائري القائم، بما في ذلك الأدوات والمعدات الإلكترونية المتطورة لمحاصرة المعارضة المسلحة في الجبال، والخبرات الأمنية والعسكرية، والتسهيلات في القروض وتسديد الديون، ودعم الفرنكفونيين والعلمانيين خاصة في الأوساط البربرية، وغير ذلك من أنواع الدعم المادي والمعنوي بهدف منع وصول الإسلاميين للحكم بكل الوسائل.

والآن وبعد نجاح ندوة روما تحت رعاية الأمريكان، وجدت فرنسا نفسها مهمشة، حتى إيطاليا ذلك البلد الأوروبي الصغير تجاوزت فرنسا، وعلى أرضها ساهمت في وضع وفاق بين أطراف المعارضة الرئيسية، الشيء الذي عجزت عنه باريس بالرغم من امتلاكها كل الأوراق لإقامة مثل هذا الوفاق، ولربما اقتنعت فرنسا بأن الوقت ليس في صالحها كلما أمعنت في مساندة النظام الجزائري الهش، والشيء الذي يفسر اقتراح ميتران بقيام أوروبا بمبادرة من أجل مصالحها في الجزائر.

ومهما كان التعديل في الموقف الفرنسي فإن باريس تجد نفسها بين المطرقة والسندان، بين أن تساير التطورات الهامة على الساحة الجزائرية في اتجاه ضرورة تشريك الإسلاميين في اللعبة السياسية كشرط أساسي لاستقرار المنطقة، وبين أن تحافظ على خطها القديم المحكوم بالعقد التاريخية الاستعمارية وبالعقلية الوصائية على شعوب المنطقة، وتفرض ثقافتها الفرنكفونية ونهجها السياسي باستغلال الورقة البربرية من أجل تكريس بؤر الانشقاق داخل المجتمع الجزائري عملًا بسياسة فرق تسد.

ومع إصرار السلطة الجزائرية على الحل الأمني تتسع دائرة تدويل القضية الجزائرية، فتتحول إلى مجال تنافس أمريكي - أوروبي، وتضيق دائرة تقرير المصير لفائدة الشعب الجزائري.

 

الرابط المختصر :