; هل ستكون إفريقيا الهدف التالي بعد العراق؟ خلافات السودان وتشاد تصدير للأزمة أم حرب بالوكالة | مجلة المجتمع

العنوان هل ستكون إفريقيا الهدف التالي بعد العراق؟ خلافات السودان وتشاد تصدير للأزمة أم حرب بالوكالة

الكاتب محمد البشير أحمد موسى

تاريخ النشر السبت 07-يناير-2006

مشاهدات 67

نشر في العدد 1684

نشر في الصفحة 30

السبت 07-يناير-2006

  • إن وقعت الحرب - لا قدر الله – فستفتح المنطقة على مصراعيها لمزيد من تدفق القوى الغربية وتجار الأسلحة والمنظمات التنصيرية

  • أمريكا لا تبالي كثيرًا بما يجري.. ويكفيها تأمين سيطرتها على منابع النفط ومناجم الذهب والمصالح الفرنسية هي التي تحول دون اشتعال التوتر بين الجارتين

أرست فرنسا منذ أن وطئت قدماها أراضي ما يعرف بممالك وسط إفريقيا الإسلامية قاعدة «الانحياز إلى القبيلة المنتصرة منطق القوة!» وخاصة بعد سيطرتها الكاملة على ما يعرف اليوم بدولة تشاد عام 1900م، وبدأت بتحويل هذا المجتمع المسلم من مجتمع منفتح على جيرانه من الممالك الإسلامية في القارة «مملكة كانم الإسلامية، ومملكة بقرمي الإسلامية، ومملكة وادي الإسلامية».

لقد قامت فرنسا بتقسيم قبائلها «الممالك الإسلامية» تقسيمًا عشوائيًا في عدد من الدول التي تم إنشاؤها ما بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، وصاحبت القاعدة السابقة القاعدة المشهورة «فرق تسد» فسادت حينًا من الزمن إلى أن تم جلاؤها شكليًا في عام 1960م وعندها بدأت سلسلة الحروب «عام 1963م» الأهلية في تشاد والتي لم تنتهِ إلى يومنا هذا.

ولعبت أطراف عدة في إشعال فتيل هذه الحروب التي قضت على الأخضر واليابس، وراح ضحيتها آلاف الأسر التشادية، ولعل أشرسها حرب الستة أشهر ما بين الرئيسين السابقين «قوكوني عويدي وحسين هيري» والتي راح ضحيتها أكثر من عشرة آلاف شخص ما بين عسكري ومدني، وذلك في الفترة ما بين مارس إلى سبتمبر عام 1980م، وأعقب ذلك الحرب التشادية - الليبية، هذه الحروب التي استمرت قرابة الأربعين عامًا قضت على آلاف القادة العسكريين وآلاف من الشعب المسلم المغلوب على أمره، فلم تر تشاد طفيف أملًا في أمن وسلام وتطور إلا في سنين معدودة من تاريخها الحديث وهي لا تساوي شيئًا مع سنين الحروب التي أدارها الشعب التشادي وما زال يديرها بالوكالة عن الآخرين سواء المستعمر القديم، أو الجديد، أو لأجل مصالح الدول المجاورة.

تلاشي الأمل: ولقد كانت اتفاقية السلام الأخيرة مع حركة العدالة والديمقراطية الشمالية التشادية - والتي تقاتل منذ عام 1999م - وأبرمت في يوم «الخميس 13 رجب 1426هـ الموافق 18 أغسطس 2005م» خطوة في إيجاد الاستقرار والأمن في هذا البلد، ولكنه أمل تلاشى كغيره من الاتفاقات السابقة، ومما ورد في بنود هذه الاتفاقية:

-  وقف الأعمال العربية والحرب الدعائية. 

- دمج المتمردين السابقين في الجيش خلال ثلاثة أشهر. 

- ضم بعض أعضاء الحركة في الحكومة وفي المناصب العليا في الدولة.

- جعل الاتفاق مفتوحًا لفترة ثلاثة أشهر لأي حركة سياسية عسكرية متحالفة مع الحركة بالانضمام إلى الاتفاق. 

فالوصاية الخارجية تلعب دورًا كبيرًا في تغيير موازين القوى في تشاد، مما يجعل أحد الطرفين يتراجع سريعًا عما تم الاتفاق عليه، وهذا ما جعل هذا الاتفاق في مهب الريح نتيجة للأحداث الداخلية الأخيرة من خلافات داخلية عشائرية بين أفراد الحكومة نفسها وما صاحبها من انشقاق وتمرد في صفوف الحرس الجمهوري، وأفراده كلهم من عشيرة الرئيس، بالإضافة إلى أفراد آخرين من القوات المسلحة، والمحاولات المتكررة لانقلابات فاشلة بدءًا بانقلاب 16 مايو 2004 م وانتهاءً بموجة القرار الجماعي منذ أكتوبر2005م من الجيش والانضمام إلى الحركات المسلحة في الشمال والشرق والغرب، أو تكوين حركات مسلحة جديدة، ولكونها كذلك لم تضم باقي الفصائل المعارضة. 

وتعد هذه العوامل الداخلية بالإضافة إلى عامل رئيس وهو أزمة دارفور الحالية ونتائجها الوخيمة على المنطقة بأسرها، فكان لا بد من وصول العلاقات إلى هذا المستوى حتى وصلت إلى مستوى أكبر من هذا إبان البدايات الأولية لأحداث دارفور، ولكن لحكمة أهل الرأي في القيادتين التشادية والسودانية استطاعت أن تخفف تلك الوتيرة، إلا أن هذه المرة كاد أن يبلغ السيل الزبى ويطفح الكيل، لولا التراجع الأخير في تلك اللهجات المتشددة من الطرفين؛ لأن هناك مصالح فرنسية في كلا الدولتين، وهذه المصالح الفرنسية هي التي تحول دون أن يزداد التوتر بين الجارتين، بالإضافة إلى عوامل محلية رئيسة لا تساعد في اندلاع الحرب بينهما. 

إن الأحداث الجارية في تشاد نتيجة لعوامل عدة كما قلنا سابقًا، على رأسها الفساد الإداري في الحكومة، حيث صنفت في ذيل القائمة باعتبارها أكثر دولة فسادًا في العالم.

السودان وعلاقته بالأحداث: للسودان علاقة وثيقة بالأحداث بحكم أن القبائل الموجودة في الدولتين وخاصة في إقليمي كردفان ودارفور هي نفس القبائل التي في تشاد، فأحداث دارفور جعلت الحكومة السودانية في بادئ الأمر تتقارب مع الحكومة التشادية أكثر من تقاربها مع المعارضة التشادية التي تقيم على أراضيها، مع أنها استنفرت المعارضة التشادية وجمعتها في السودان وسعت إلى توحيدها، إلا أن تهديدات «أنجمينا» لها بأن هذا الاتجاه لا يصب في مصلحة البلدين، وأنها قد تستخدم بعض الأوراق التي تضر السودان، تراجعت الحكومة السودانية قليلًا عن تلك المبادرات في ذلك الوقت، واحتفظت بالمعارضة على أراضيها. 

وهذا ما جعل المعارض السوداني الدكتور خليل إبراهيم يتهم الحكومة التشادية بالتواطؤ مع الحكومة السودانية للقضاء على جبهته على حساب الجبهة الثانية «التشادية» للمعارضة الدارفورية فصيل مناوي أركوري، بل إن الدكتور خليل ذهب إلى أكثر من ذلك حين قال: «إن الحكومة التشادية عدوة لحركته، ولذا فإنها لا ترغب في وسطاء تشاديين في المفاوضات التي تجرى في أبوجا»، وسعت حركة الدكتور خليل كذلك إلى محاولة للتقارب مع المعارضة التشادية الشمالية «حركة العدالة»، ومحاولة دعمها والتنسيق معها، حيث ترى أن تحرير تشاد من الحكومة الحالية خطوة أولية في سبيل تحرير دارفور، مما جعل شريكه الآخر في أزمة دارفور في موقف معادٍ لحركته، مما أدى إلى التقاتل فيما بينهما لتضارب المصالح. 

فالتوجه السوداني الأخير وخاصة التصريحات الصادرة من بعض المسؤولين تضر أكثر مما تنفع. 

وفي المقابل فالحكومة التشادية قد تسعى إلى الأطراف الدولية المناوئة للحكومة السودانية في سبيل الحفاظ على كرسيها، فهي من أجل الحفاظ على هذا الكرسي سعت إلى التقارب مع الكيان الصهيوني، وكذلك لإرضاء أمريكا وطلب الحماية منها، وسعت أيضًا لذلك مدونة للأحوال الشخصية المخالفة للإسلام والقيم التي تربى عليها الشعب التشادي، وتخوفًا من ردود الفعل العكسية والقوية من المجتمع المسلم تراجعت في تطبيقها إلى حين حتى لا تكون سببًا في إطاحة حکومته.

الأزمة والأطراف الدولية

ونقصد بها الاتحاد الإفريقي وفرنسا وأمريكا والمنظمات التنصيرية، فالموقف الفرنسي كما ذكرنا واضح جدًا، فهي مع القبيلة أو الطرف المنتصر والأقوى، خاصة أن لها مصالح استراتيجية في السودان، لذا دعمت بكل ما أوتيت من قوة حركة «إدريس دبي» ضد الرئيس السابق حسين هبري وأوصلته إلى سدة الحكم، وهي الآن كذلك تدرك جيدًا ماذا تريد من الأزمة الحالية، وإن قیدت ببعض القيود التي تفرضها عليها صاحبة النظام العالمي الجديد أمريكا، فمصالحها تبعًا لمصالح أمريكا، لذا كان مضمون التصريح الصادر من وزارة الخارجية الفرنسية والذي جاء فيه: «إن فرنسا تذكر بأنها ترفض أي محاولة للاستيلاء على السلطة بالطرق غير الديمقراطية، لا سيما باستخدام القوة» نفس مضامين التصاريح السابقة، تقول ما لا تفعل، فمعظم المعارضة السياسية تقيم على أراضيها، وتجد المعارضة العسكرية دعمًا معنويًا من أولئك المقيمين فيها، ومع أنها تربطها بتشاد معاهدة تعاون عسكري في حالة تعرض حكومة «أنجمينا» لأي تمرد داخلي أو خارجي، فإنها تساعدها وفقًا لنصوص الاتفاقية، إلا أن فرنسا لا تطبق هذه النصوص إلا إذا كانت مصالحها هي المعرضة للخطر، كما حدث في ساحل العاج.

أما الطرف الآخر وهو أمريكا واللاعب الأقوى في الساحة الإفريقية، فإنها بعد المحاولات الانقلابية الفاشلة وحالات التمرد والسخط العام، بدأت في تجهيز وإعداد كوادرها الذي سيتسلمون زمام الأمور في تشاد، لذا فإنها لا تبالي كثيرًا بما يحدث خارج أنجمينا، لأن الذي سيأتي إلى أنجمينا كائنًا من كان سيطبق سياستها وبمعاونة عملائها في الداخل! فأمريكا هي التي تهيمن على أنابيب النفط ومناجم الذهب، ولا تسمح لأي طرف أن يعتدي على مصالحها في تشاد.

المنظمات التنصيرية: أما المنظمات التنصيرية، فإن مصالحها تزداد يومًا وراء يوم في وسط إفريقيا بسبب الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، فهي لم ولن تفوت مثل هذه الفرص، وستذكيها عبر دوائرها المختلفة، وقد نجحت في سبيل ذلك نجاحًا آنيًا بتنصير بعض الأفراد من القبائل التي تقيم في هذه المنطقة، وتسعى في زيادة هؤلاء حتى تكون لهم شوكة في المنطقة، كما يقول القس ومسؤول الكرسي البابوي في وسط إفريقيا «هنري كودري».

أما الاتحاد الإفريقي فإنه يسعى الآن في محاولات لتقريب وجهات النظر وحل الخلاف، كما يقول عضو في الوفد الذي يقوم بالصلح بين الجانبين والتحقق من الاتهامات المتبادلة: «إن الاتحاد الإفريقي يتابع باهتمام بالغ تطورات الأحداث، ويعمل على احتوائها في أقرب فرصة ممكنة، وفي حالة تقدم الثوار إلى العاصمة أنجمينا وإسقاط الحكومة، فإن لها حينذاك مواقف حسب مصالح القوى الغربية، كما هو الحال في موريتانيا، بدلًا من أن يتخذ مواقف لصالح شعوب القارة، فهي ما زالت ترضخ للضغوط الخارجية كغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية».

اغتيال المعارضين

وكما يقول الكاتب والمحلل الفرنسي «بيار كونيسا» في مقالة له على صفحات صحيفة توماند دبلوماتيك الفرنسية: «عند قيام سلطة جديدة «في تشاد» تستمد شرعيتها من انتصارها العسكري تعد البلاد بـ«المصالحة الوطنية»، ومن أجل هذا يضحي التشاديون بطيب خاطر، ثم يتبدد تدريجيًا وهم الإجماع مع تنامي النزعة التسلطية عند رئيس الدولة الذي يرفض التخلي عن المكاسب التي يجنيها من السلطة، أو التي تضمن سيطرته أو سيطرة إثنيته، ويصير اغتيال المعارضين من مبادئ اللعبة السياسية».. انتهى كلام الكاتب.

وهكذا فإن المنطقة مقبلة على حروب متعددة غير الحروب الحالية، كما يقول مايكل كلير مؤلف كتاب «حروب مصادر الثروة»، في رده على سؤال عن الهدف الأمريكي التالي الغني بالنفط بعد العراق: «أرى أن إفريقيا ستكون هي الهدف وستندلع الحرب هناك، إذًا فهل التوتر الحالي من تشاد والسودان عبارة عن تصدير للأزمات الداخلية في كلتا الدولتين -لا قدر الله - أم ستشهد المنطقة لأول مرة في تاريخها حربًا بين تشاد والسودان؟ وتفتح المنطقة لكل القوى الغربية وتجار الأسلحة والمنظمات التنصيرية للتدفق مرة أخرى عليها؟

(*) كاتب تشادي

الرابط المختصر :