; بعد الرفاه.. أربكان يؤسس «السعادة» | مجلة المجتمع

العنوان بعد الرفاه.. أربكان يؤسس «السعادة»

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997

مشاهدات 74

نشر في العدد 1254

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 17-يونيو-1997

يثبت العلمانيون في تركيا وعلى رأسهم المؤسسة العسكرية وجود فجوة كبيرة تفصلهم عن أوروبا الغربية التي يحاولون منذ أكثر من سبعين عامًا التعلق لها ودخول مؤسساتها، فعلمانية تركيا لا تطبق نتيجة صناديق الاقتراع ولذلك أفرزت منذ وفاة مؤسسها مصطفى كمال ثلاثة انقلابات عسكرية وهي الآن تلوح بالرابع.

ما الذي يريده إنكشارية تركيا بالضبط؟ إذا كانت تركيا الحديثة تعتبر نفسها أقرب إلى أوروبا منها إلى الشرق الأوسط فإن الرفض الأوروبي لوجود بلد الأغلبية العظمى من سكانه من المسلمين ويحمل تاريخًا من العداء والغزو لأوروبا أمر واضح وصريح، وفي لغة الجغرافيا تعتبر تركيا بلدًا أسيوية مهما ناضل علمانيوها في سبيل دخول الاتحاد الأوروبي وسلخ جلدها الشرقي المسلم. فأكثر من ٩٥ % من أراضي تركيا تقع في آسيا  والرفض الأوروبي للجسم التركي الغريب فيها صرح به وزير خارجية بلجيكا قبل سنوات حين قال: إن أوروبا لا يمكن أن تقبل بوجود بلد مسلم في السوق الأوروبية المشتركة، فتركيا إذن مسلمة مهما تعلمنت، وشرقية مهما تغربت وحسابات الغرب تبنى على حقائق تاريخية وعلى احتمالات مبنية على تلك الحقائق التي تشير إلى إحباط الشعوب من مؤسسات حكم تدعي العلمانية والديمقراطية ولا تطبق شيئًا منهما، ولذلك تتعلق هذه الشعوب بالبديل الذي يحقق طموحاتها ويتمسك بتاريخها الحضاري والأخلاقي، وإذا كان الشعب المقصود مسلمًا فهو يتشوق قطعًا إلى أصوله الإسلامية.

حزب الرفاه ليس جديدًا على الساحة السياسية في تركيا حيث كان حاضرًا باسم حزب ملِّي نظام، عام ١٩٦٩م بزعامة نجم الدين إريقان -لفظ أربكان خطأ وهو بالقاف وليس بالكاف وبالألف المكسورة والكلمة تعني الرجل الوزير أو الناظر- ولم يعمر الحزب طويلًا حيث تم حله عام ۱۹۷۰م عندما قام الجيش بانقلابه الثاني، وعند عودة الحياة الديمقراطية إلى تركيا عام ١٩٧٤م عاد ملي نظام، إلى الحياة السياسية باسم علي سلامة، أو حزب السلامة الوطني بقيادة سليمان عارف إمرة، حيث كان القانون يمنع رئيس الحزب المنحل (إربقان) من تأسيس حزب جديد خلال فترة زمنية معينة، لكن إربقان عاد رئيسًا للحزب بعد انتخابات داخلية، ودخل الحكومة التركية عام ١٩٧٤م بعد فوز السلامة بحوالي ٥٠ مقعدًا في البرلمان وأصبح نائبًا لرئيس الوزراء عام ١٩٧٤م ثم دخل إربقان مرة أخرى حكومة بولند أجاويد في عام ١٩٧٨ م حتى جاء انقلاب ايفرين عام ١٩٨٠م وسجن إربقان مع أجاويد ورئيس الجمهورية -في ذلك الوقت وحاليًا- سليمان ديميريل.

وعندما ينس العسكر من تحسين ظروف بلادهم الاقتصادية والاجتماعية وبعد أن ورطوا تركيا في حرب مع الأكراد بدأت عام ١٩٨٤م ولم تنته بعد، سمحوا بعودة الحياة الديمقراطية في أواسط الثمانينيات فأسس إربقان حزب الرفاه ليعود لا أقوى من حزبية القديمين فحسب بل وأكبر حزب في العالم، ففي حزب الرفاه الآن أربعة ملايين ونصف المليون عضو أي أنه أكبر من الأحزاب العلمانية التركية كلها مجتمعة، والدلالة على قوة الرفاه وجماهيريته يكفي أن تعلم بأن أكثر من ألفي تركي يدخلون الرفاه كل يوم.

الجيش وهو الحاكم الفعلي في تركيا يضغط الآن وبدعم من أحزاب المعارضة العلمانية لتفكيك حكومة الائتلاف التكتيكي بين الرفاه وما يسمى بحزب الطريق القويم (!) علمًا بأنه لا الجيش ولا الأحزاب الأخرى يملكون برنامجًا لحل أزمات تركيا المتفاقمة سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو أزمة الحرب المستمرة منذ أكثر من ١٣ عامًا بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني الانفصالي، وهي الحرب التي ذهب ضحيتها حتى الآن أكثر من ٢٥ ألف قتيل من الجانبين وكلفت الخزينة التركية أكثر من ٦٠ مليار دولار مما فاقم من مشكلة التضخم والبطالة في تركيا، إلا أن الجيش وحتى يحافظ على ماء وجهه -على افتراض أن فيه ماء- يحاول ممارسة كل وسائل الضغط والترهيب ومنها الخطوة التي قام بها أخيرًا المدعي العام الجمهوري في رفع دعوى قضائية لإغلاق الرفاه بحجة أنه يحاول تغيير النظام العلماني الديمقراطي في البلاد، لكن أنصار إربقان لا يخفون حقيقة أن الباشبقان رئيس الوزراء قد استعد منذ فترة طويلة لاحتمال حل الرفاه وأنه لذلك يحتفظ في أدراجه بمسودة الحزب الجديد الذي كما يقولون سيحمل هذه المرة اسم حزب السعادة.

 ويبقى التلويح بانقلاب عسكري رابع الورقة الأخيرة بيد انكشارية تركيا وهي غير مستبعدة إذا ما فشلت الأحزاب الأخرى في تكوين ائتلاف منافس سواء ضمن المعطيات الحالية أو إذا ما أجريت انتخابات والتي لا شك ستعزز من وجود الرفاه داخل البرلمان، فاستطلاعات الرأي والتي أكدتها نتائج الانتخابات البلدية التكميلية التي حصل أجريت قبل بضعة أشهر تشير إلى تمتع الرفاه بتأييد أكثر من ٣٥ % من الناخبين الأتراك، علمًا بأنه على ۲۲% فقط في انتخابات عام ١٩٩٥م البرلمانية، فكل الأحزاب في تركيا تضع يدها على قلبها من نتائج أي انتخابات قادمة إلا الرفاه فإنه يتمناها!.

  وحتى تضعف المؤسسة العسكرية موقف إربقان أمام جماهيره تحاول إحراجه في مواقف وسياسات لا يرضاها سواء داخلية أو خارجية كالحملة العسكرية الواسعة التي يشنها الجيش شمال العراق والاتفاق العسكري الشائن بينه وبين العدو الصهيوني، لقد حاول جندرمة تركيا سلخ تركيا عن محيطها وتاريخها وتغزلوا بأوروبا وفرشوا أرضهم لدبابات وطائرات حلف الأطلسي الذي دخلوه  بالكرتة، ومع ذلك ظلت أوروبا تركلهم بأقدامها شرقًا.

لا بد أن يحترم العسكر اختيار الشعب لحكامهم إن كانوا يزعمون احترامهم للعملية الديمقراطية مهما أفرزت من قوى سياسية في البرلمان، وليتعلم هذا الجيش من درس الجزائر، فرؤوس الأتراك تشبه إلى حد ما رؤوس الجزائريين من حيث سماكتها وميلها للعنف، وإذا كان إربقان قد أثبت أنه سياسي محنك وبراغماتي من الطراز الأول إلى الحد الذي يواجه فيه انتقادات لاذعة من حزبه ومن بعض القوى الإسلامية التي تراقب الموقف في تركيا من بعيد دون دراية كافية بما يجري في أنقرة، فإن الخوف أن يسيطر التيار الصقوري على دفة حزب الرفاه فتدخل تركيا في دوامة دموية لا تنتهي.

إن أي تهور من جانب الجيش في اتجاه مصادرة حق الشعب في أن يكون له دور في حكم بلاده عمل أهوج سيكون الجنرالات أول من يدفع ثمنه غاليًّا، وما مصير جنرالات شاه إيران عنهم ببعيد.

في قصر دلة بهجة باسطنبول ساعة توقفت عقاربها عند التاسعة وهو الوقت الذي توفي فيه مؤسس الدولة العلمانية مصطفى كمال في جناح الحريم في القصر في عام ١٩٣٨م وكان الزمن توقف بعد وفاة ذلك الرجل أو هذا ما يريد أن يوحي العلمانيون به للعالم، لكن الحقيقة الناصعة هي أن تركيا قادرة على إنجاب محمد فاتح آخر لا بأن يكون مصطفى كمال المشكوك في أصله حارسًا على بابه!.

الرابط المختصر :