العنوان بعد ارتفاع معدلات الطلاق.. الجزائريون يستلهمون التجربة الماليزية
الكاتب سمية سعادة
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يناير-2019
مشاهدات 80
نشر في العدد 2127
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 01-يناير-2019
النساء هن الأكثر إقبالاً على الدورات.. والمعارضون لها يرون أن الزواج لا يسيَّر بالمهارات
البعض يرون أنها محشوة بمعلومات نظرية يصعب تطبيقها
ارتفاع معدلات الطلاق ليس بسبب غياب الثقافة الزوجية إنما بابتعادنا عن الدين وتوجيهاته
تواجه الجزائر أزمة حقيقية على مستوى المنظومة الأسرية، تتمثل في ارتفاع معدلات الطلاق إلى نسبة لم تعرفها من قبل، حيث رصد الديوان الوطني للإحصائيات نحو 68 ألف حالة طلاق في عام 2017م، بزيادة نسبية تقدر بـ5.3% مقارنة بعام 2016م، وهو ما ينذر بتداعي أركان المجتمع الجزائري، الذي أصبح مهدداً في ظل هذه الظاهرة باتساع دائرة الاضطرابات النفسية والآفات الاجتماعية التي من الصعب السيطرة عليها أو محاصرتها أو توقع نتائجها.
خطر على المختصين في التنمية البشرية وعلم الاجتماع وعلم النفس في الجزائر أن يستعينوا بالتجربة الماليزية في تحسين العلاقات الزوجية وتقريب وجهات النظر بين الزوجين وكيفية التعامل مع الخلافات والمشكلات قبل أن تشتد وتتأزم؛ الأمر الذي يساهم في خفض نسبة الطلاق، وذلك من خلال دورات للتأهيل الزوجي التي بدأت محتشمة وغير مرحب بها من طرف الكثير من الفئات، غير أنها بعد سنوات قليلة صار لها مريدون وراغبون في الاستفادة من الأساليب الصحيحة للحفاظ على كيان الأسرة من أي هزات أو أزمات.
فقبل أكثر من ثلاث سنوات، دعت نعيمة صالحي، رئيسة حزب العدل والبيان المحسوب على التيار الإسلامي، إلى تنظيم دورات لتأهيل المقبلين على الزواج؛ وهو ما أثار الكثير من اللغط والجدل، وانقسم الجزائريون بشأن الدعوة بين مرحب ومتحفظ، بل ورافض للفكرة من أساسها، لكن مع بداية العام الماضي، بدأ المجتمع يتقبل هذه الدورات ويتجاوب معها، خاصة أن جمعية العلماء المسلمين -التي تحظى باحترام كبير وسمعة طيبة بين الأوساط الشعبية- كانت من بين الأطراف التي دعت وبادرت إلى تنظيم مثل هذه الدورات؛ وهو ما أضفى عليها طابعاً شرعياً، وأخرجها من دائرة الاقتراحات الارتجالية إلى الفعل الذي يرتكز على أدوات نفسية واجتماعية.
ومما رسخ قدم هذه الدورات في الجزائر، ومنحها الضوء الأخضر للاستمرار، الدعوة التي أطلقها عدد من الحقوقيين والمشايخ والبرلمانيين الذين اقترحوا ضرورة إدراج شهادة التأهيل الأسري ضمن ملفات الزواج للتقليل من ظاهرة الخلع والطلاق مما يجعلها إجبارية، مثلها مثل بقية الوثائق المطلوبة.
الذكاء العاطفي
من جانبها، قالت الاستشارية الأسرية عتيقة نابتي: لا يمكن ضبط تاريخ محدد لانطلاق دورات التأهيل الزوجي في الجزائر، لأن الأمر متعلق أساساً بدورات التنمية البشرية في مراكز منتشرة هنا وهناك، ودون ضبط قانوني أو علمي من جهة، ودون أن تخضع لإحصاءات حقيقية في هذا المجال، وكشفت عن الأهداف المرسومة لهذه الدورات، قائلة: إنها تتركز على التخفيف من نسبة الطلاق، والحفاظ على الأسرة ومساعدة الزوجين على تخطي صعوبات الحياة الأسرية خاصة في بدايتها، وذلك من خلال فهم الفروق الفردية وأسس الاختيار وتجاوز المشكلات الزوجية بشيء من المرونة والذكاء العاطفي.
وقالت الاستشارية الأسرية في حديثها لـ”المجتمع”: إنها لا يمكن أن تجزم بفعالية هذه الدورات في خفض حالات الطلاق؛ لأنه لا توجد متابعة فعلية، لكن حسب تقصي حقيقة الحياة الزوجية لدى بعض من خضعوا لمثل هذه الدورات، وجدنا أنهم أحسن حالاً مقارنة بهؤلاء الذين لم يحضروها.
وتؤكد عتيقة، من خلال عملها في هذا المجال، أن النساء هن الأكثر إقبالاً من الرجال على هذه الدورات، بل إنه نادراً ما يحضر شاب مُقبل على الزواج دورة تأهيل زواجي، لافتة إلى أن مدى انتفاع الأشخاص المقبلين على الزواج من هذه الدورات يتوقف على مهارة المدرب وإحاطته بالموضوع، خاصة فيما يتعلق بتعديل السلوك الذي ينبغي أن يشمل علم النفس وعلم الاجتماع والقانون وفقه الأسرة ومقاصد الشريعة، بالإضافة إلى مهارات ذاتية يتعلمها من خلال التنمية الذاتية والتنمية البشرية.
الشرعية والمصداقية
حول هذا الموضوع، استطلعت «المجتمع» آراء بعض المواطنين الجزائريين؛ حيث قالت نادية شريف (صحفية): إن دورات تأهيل الأزواج من الدورات المهمة التي ينبغي التركيز عليها، وأخذها بعين الاعتبار خاصة مع الارتفاع الجنوني لمعدلات الطلاق والخلع، ولنا في دولة ماليزيا قدوة حسنة، حيث اعتمدتها منذ سنوات واستطاعت من خلال تنظيمها تحجيم نسب الطلاق وخفضها من 32% إلى 8%، لكن يبقى فقط الحرص على إعطائها الشرعية والمصداقية من خلال اختيار المختصين الأكفاء والمحاور البناءة، وحتى إلزامية دخولها وإعطاء رخص للمؤهلين فعلاً لفتح بيت الزوجية.
لكن سفيان كعواش (صاحب مطعم) يختلف مع ما ذهبت إليه نادية؛ حيث يرى أنها ليست ذات جدوى، فضلاً عن تجاهل وعدم إيلاء المقبلين على الزواج أهمية لهذه الدورات سواء قناعة منهم أنها بدون فائدة، أو تجنباً لمصاريف إضافية، مشبهاً إياها بدورات التنمية البشرية، مثل: “كيف تصبح مليونيراً”، “صناعة القادة” وغيرها من الدورات، معتقداً أنها محشوة بتوجيهات وتوصيات نظرية فقط، يعجز المتلقي عن تطبيقها على أرض الواقع لمثاليتها من جهة، وبعدها عن الظروف والواقع المعيش من جهة أخرى.
ويعتقد محدثنا أن اقتراح المشايخ والحقوقيين إدراج شهادة التأهيل في ملفات الزواج ما هو إلا ترف من شأنه أن يزيد الطين بلة، ويضيف أعباء وعراقيل أخرى إلى شروط الزواج الجاهلية التي سببت هذه النسب المهولة من العزوبة والعنوسة، وهي -أي الدورات- لن تساهم في خفض نسب الطلاق والخلع للأسباب سالفة الذكر، وإنما الذي يفعل ذلك هو إعادة دور المؤسسة الأولى، وهي الأسرة في حال الخلافات الزوجية؛ (فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء: 35)، ثم المؤسسة المسجدية في حال فشل الأسرة في رأب الصدع لما لها من مكانة في نفوس الجميع؛ فالإمام وكبار وعقلاء المنطقة يملكون سلطة معنوية كبيرة جداً وبإمكانهم الصلح بين الزوجين وخفض نسبة الطلاق والخلع.
ويشير سفيان إلى سبب آخر من أسباب الطلاق في الجزائر، وهو تعديل قانون الأسرة الذي يعتقد أنه فاقم من الأزمة، زيادة على تساهل وتسيب القضاء والقضاة، وعدم حرصهم على جلسات الصلح في المحاكم التي كانت فاعلة بشكل كبير فيما مضى.
لا يسيَّر بالمهارات
وتعتقد نعيمة ملزي (موظفة في القطاع الحكومي) أن الحياة الأسرية بصفة عامة تخضع لمرونة مطلقة، ويستحيل أن نسيرها بوصفة أو بمجموعة من المهارات التي تلقن في يوم أو أسبوع أو حتى في شهر، بحكم أن السلوك البشري انفعالي، يخضع للتجاوب في ظل ظروف وسياقات متعددة تفرضها العشرة، والحياة الاجتماعية إجمالاً تشهد في العادة ركوداً وفتوراً، ومن الضرورة بمكان الاستعداد لمختلف المواقف التي قد تطرأ في مسيرة الحياة.
وأرجعت نعيمة أسباب الطلاق وارتفاع نسبته إلى ظروف الحياة الصعبة التي ساهمت في رفع معدلات الهجرة غير الشرعية، والتسرب المدرسي، بالإضافة إلى الانحلال الأخلاقي والجهل، مضيفة: ارتفاع معدلات الطلاق في الجزائر ليس بسبب غياب الثقافة الزوجية، إنما بسبب ابتعادنا عن الدين وتوجيهات رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
وأشارة نعيمة إلى أن الزواج «عِشْرة عُمْر» لا يخضع لقواعد التقنية العلمية على شكل «1+1=2»، مضيفة: قد تكون هذه الدورات نافعة بشكل نسبي، ولكنها ليست ضرورية للحد الذي نعتمد عليها بشكل نهائي لتخلصنا من تزايد حالات الطلاق، وفي إسلامنا الملجأ.
وقد تنبهت جمعية «حورية» لترقية المرأة الجزائرية إلى الآثار السيئة لتفشي ظاهرة الطلاق في الجزائر بشكل غير مسبوق، فعملت على تقليص هذه الظاهرة، وهو ما دعاها إلى إطلاق حملة وطنية إلكترونية تحت شعار «نحو أسرة ناجحة» من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وميدانية من خلال ندوات النقاش مع الباحثين والمختصين، وجلسات نقاش وحوار مع مختلف أفراد المجتمع، خاصة الشباب، وذلك من خلال الجولات الميدانية لفروع الجمعية، حيث اتفق الجميع على أهمية التأهيل للحياة الأسرية كعامل مهم لتقليص نسبة فشل العلاقة الزوجية.
وفي هذا السياق، قالت الأستاذة عتيقة حريشان، رئيسة الجمعية، لـ»المجتمع»: من أهم مخرجات هذه الحملة إطلاق مشروع «التأهيل الزوجي للطالب الجامعي»، وذلك بالشراكة مع جامعة برج بوعريرج كأول تجربة، وهو يهدف إلى تقديم برنامج متكامل من الدورات والورش ابتداء من اختيار شريك الحياة، ووصولاً إلى تربية الأولاد، الهدف منه إعطاء مفاهيم صحيحة عن الأسرة والعلاقة الزوجية وكيفية فهم الطرف الآخر من أجل بناء أسرة متينة قائمة على الود والاحترام، وهذا من شأنه أن يساهم في التقليل من اللجوء للقضاء لفك الرابطة الزوجية، وتعتبر هذه التجربة الأولى من نوعها على مستوى الجامعة الجزائرية، وتأمل الجمعية أن تعمم على مستوى الوطن.