العنوان مائة عام على ميلاد الإمام الشهيد حسن البنا ١٣٢٤- ١٣٦٨هـ -١٩٠٦ – ١٩٤٩م (١من ٦) .. بطاقة حياة
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 14-أكتوبر-2006
مشاهدات 182
نشر في العدد 1723
نشر في الصفحة 28
السبت 14-أكتوبر-2006
*تربى في أسرة احتضنت جميع مذهب الفقه، فقد وجه والده أبناءه الأربعة لدراسة المذاهب الفقهية الأربعة.
*في المدرسة الإعدادية أسس «جمعية الأخلاق الأدبية» والتحق بجمعية منع المحرمات، وفي مدرسة المعلمين أسس «جمعية حصافية الخيرية»، للدعوة لأخلاق ومقاومة المنكرات ومحاربة الإرساليات التنصيرية.
*صدمته عواصف التغريب الفكري والانحلال الخلقي، فأخذ يفكر في مصير الأمة التي أراد الأعداء دفعها لهذا المصير، فأعلن عن الخيوط الأولى لأمله وخطته في امتحان مادة «الإنشاء» في السنة النهائية بدار العلوم.
•هو حسن أحمد عبد الرحمن البنا (١٣٢٤- ١٣٦٨هـ -١٩٠٦ – ١٩٤٩م).
•ولد ونشأ في أسرة ريفية بسيطة تحترف الزراعة بقرية «شمشيرة»، مركز «فوة» بالقرب من «رشيد» بدلتا النيل، محافظة كفر الشيخ حاليًا.
•وكان والده أحمد قد سلك بناء على رغبة والدته طريق التعليم الديني، بدلًا من فلاحة الأرض، فحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بجامع إبراهيم باشا بالإسكندرية، فدرس فيه منهاج التعليم الأزهري، ثم امتهن لتحصيل العيش مهنة إصلاح الساعات في محل الحاج محمد سلطان، الذي كان عالمًا صالحًا، وعضوًا بجمعية العروة الوثقى التي كان جمال الدين الأفغاني (١٢٥٤- ١٣١٤هـ- ۱٨٣٨ – ۱۸۹۷م) رئيسًا لها، والشيخ محمد عبده (١٢٦٥ – ١٣٢٣هـ-١٨٤٩ – ١٩٠٥م) نائب رئيسها، ولذلك كان محل إصلاح الساعات -هذا حيث عمل الوالد- ملتقى عدد كبير من العلمــاء والوجهاء الذين عايشهم وسمع منهم، وتأثر بهم والد حسن البنا.
•وبعد فراغ والده أحمد من تحصيل العلم بجامع إبراهيم باشا، وبعد إتقان الصنعة إصلاح الساعات عاد إلى قريته «شمشيرة» فتزوج، ثم انتقل بزوجه ووالده عبد الرحمن إلى مدينة المحمودية بمحافظة البحيرة، مشتغلًا بصنعة إصلاح الساعات، ومواصلًا الاشتغال بالعلم، وخاصة علم الحديث النبوي الشريف، كما عمل مأذونًا شرعيًا، ومارس الخطابة في مساجد المحمودية.
•وفي عام انتقال الوالد أحمد إلى مدينة المحمودية، ولد له ابنه البكر حسن في يوم الأحد ٢٥ شعبان سنة ١٣٢٤ هـ- ١٤ أكتوبر سنة ١٩٠٦م.
•ولأن والده أحمد قد احتضن كل مسانيد الحديث النبوي الشريف، وجميع مذاهب الفقه الإسلامي، فلقد وجه ابنه حسن لدراسة الفقه على المذهب الحنفي، ووجه أخاه الثاني عبد الرحمن للدراسة على المذهب المالكي، وأخاه الثالث محمد للدراسة على المذهب الحنبلي، وأخاه الرابع جمال للدراسة على المذهب الشافعي، فنشأ حسن البنا في أسرة تحتضن وتعتز بجماع تراث الإسلام.
•ولقد تعلم حسن البنا من والده حرفة إصلاح الساعات ومارسها، كما تعلم حرفة تجليد الكتب، ومارسها؛ وذلك سيرًا على سنة العلماء التي سلكها والده في التكسب من الحرف والصنائع ليكون علمهم مبذولًا لوجه الله وخدمة الناس.
•وفي مدينة المحمودية وبعد مرحلة التعليم في الكتاتيب التحق بمدرسة الرشاد الدينية لمدة أربع سنوات بين الثامنة والثانية عشرة من عمره (١٣٣٣هـ-١٩١٥م - ۱۳۳۸ هـ- ۱۹۲۰م)، وكان صاحب هذه المدرسة الشيخ محمد محمد زهران على حظ من العلم والثقافة، يصدر مجلة دينية لغوية أدبية اجتماعية اسمها «السعادة».
•ثم التحق حسن البنا بالمدرسة الإعدادية التي بدأ ينشط فيها، فرأس جمعية الأخلاق الأدبية، كما التحق عضوًا بجمعية منع المحرمات السرية التي كونها مع بعض أقرانه، وبعد المدرسة الإعدادية التحق بمدرسة المعلمين بدمنهور، وفيها انخرط في «الطريقة الحصافية» وبايع شيخها السيد عبد الوهاب الحصافي في ٤ رمضان سنة ١٣٤١هـ-٢٠ أبريل سنة ۱۹۲۳م. وواظب على «حلقة ذكرها» وكانت هذه الطريقة الصوفية الحصافية من أكثر الطرق بعدًا عن البدع والخرافات، ومن أقربها إلى الالتزام بالشريعة والاهتمام بمناهج الإصلاح الخلقي والاجتماعي، وأثناء تنقله بين دمنهور والمحمودية لاحظ نشاط الجماعات والإرساليات التنصيرية الإنجيلية التي دخلت مصر في ركاب الاستعمار الإنجليزي، وبدعم من الكنيسة الأمريكية التي أخذت تبشر بالمسيحية في ظل التطبيب وإيواء الصبية وتعليم التطريز.
فقام مع عدد من زملائه بتأسيس جمعية الحصافية الخيرية، وانتخب سكرتيرًا لها، وأخذت هذه الجمعية تمارس الدعوة إلى الأخلاق ومقاومة المنكرات، ومحاربة الإرساليات التبشيرية الإنجيلية.
•وعندما قامت ثورة مصر الكبرى (۱۳۳۷هـ- ۱۹۱۹م) زادت من تفتح وعيه الوطني ونضجه السياسي، فشارك في مظاهرات الثورة، وكانت سنه إبان الثورة بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة، وعندما قاطع الشعب المصري- أثناء الثورة جنة «ملنر» الإنجليزية نظم حسن البنا في ذلك شعرًا، جاء فيه:
يا ملنر ارجع ثم سل وفدًا بباريس أقام
وارجع لقومك قل لهم لا تخدعوهم يا لئام
وإبان تلك الثورة، توفي بالمنفى الزعيم الوطني المجاهد محمد بك فريد (١٢٨٤ – ١٣٣٨هـ- ١٨٦٨- ۱۹۱۹م) زعيم الحزب الوطني، فهز نبأ وفاته حسن البنا، فنظم في ذلك قصيدة مطلعها:
أفريد نم بالأمن والإيمان أفريد لا تجزع على الأوطان.
•وبعد مرحلة مدرسة المعلمين، انتقلت الأسرة إلى القاهرة بدمنهور لتكون بجوار ابنها البكر «حسن البنا» ليلتحق بدار العلوم في العام الدراسي ١٩٢٣ – ١٩٢٤م.
وفي دار العلوم تتلمذ حسن البنا على عدد من علماء ذلك العصر، وكان من بين الأساتذة الذين تأثر بهم الشيخ أحمد بدير (١٢٩٥- ١٣٤٧هـ- ١٨٧٨-۱۹۲۹م)، الذي كان قد تتلمذ على الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وفي القاهرة وهو طالب بدار العلوم، عايش زلازل:
- سقوط الخلافة الإسلامية ١٩٢٤م، وصدور عدد من الكتب التي صادمت ثوابت الإسلام، كما صدمته عواصف التغريب الفكري والانحلال الخلقي، التي كانت غريبة عن المجتمع المحافظ الذي ألفه وخلفه في الريف، وفي المدن شبه الريفية المحمودية، ودمنهور، فلقد وجد الكثير من مظاهر التحلل والبعد عن الأخلاق الإسلامية في كثير من الأماكن التي لا عهد له بها في الريف المصري، وظهرت كتب وجرائد ومجلات كل ما فيها ينضح بهذا التفكير الذي لا هدف له إلا إضعاف أثر أي دين أو القضاء عليه في نفوس الشعب.
•وإلى جانب الآلآم الذاتية التي عاشها من هذا الذي رآه وقرأه بالقاهرة، أخذ يفكر في مصير الأمة التي أراد الأعداء دفعها إلى هذا المصير، وبعبارته كنت متألمًا أشد الألم، فها أنذا أرى الأمة المصرية العزيزة تتأرجح حياتها الاجتماعية بين إسلامها
مائة عام على ميلاد الإمام الشهيد حسن البنا:
العزيز الغالي الذي ورثته ورحمته وألفته وعاشت به واعتز بها أربعة عشر قرنًا كاملة، وبين هذا الغزو الغربي العنيف المسلح المجهز بكل الأسلحة الماضية الفتاكة من المال والجاه والمظهر والمتعة والقوة ووسائل الدعاية، وكان ينفس عن نفسي بعض الشيء الإفضاء بهذا الشعور إلى كثير من الأصدقاء الخلصاء من زملائنا الطلاب بدار العلوم والأزهر والمعاهد الأخرى».
قال: إن أعظم أمالي بعد التخرج من دار العلوم أن أكون مرشدًا ومعلمًا، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم، وقد أعددت لذلك جسمًا تعود على الخشونة على ضالته، ونفسًا بعتها لله صفقة رابحة.
رأى نماذج الاحتلال مجسدة أمام سمعه وبصره، ورأى التغريب الثقافي والاجتماعي يتحدى هوية الأمة وكرامتها؛ فقرر تأسيس جماعة الإخوان المسلمين.
وكانت المكتبة السلفية صاحبها العالم المجاهد محب الدين الخطيب (۱۳۰۳- ١٣٨٩ هـ ١٨٨٦-١٩٦٩م)، مكان شكواه، ومنتدى محاوراته مع العديد من العلماء والطلاب، وكذلك دار مجلة «المنار» لصاحبها العالم المجاهد محمد رشيد رضا (١٢٨٢ – ١٣٥٤هـ- ١٨٦٥ – ١٩٣٥م) والتي يفد إليها العديد من تلاميذ الأفغاني ومحمد عبده.
• وعندما كان يهم بمغادرة مقاعد الدراسة بدار العلوم، ويدلف إلى ميادين الحياة العامة، أعلن عن «أمله، وخطته»، وذلك عندما كتب في امتحان مادة «الإنشاء» جوابًا على سؤال أستاذه أحمد يوسف نجاتي:
«اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك، وبين الوسائل التي تعدها لتحقيقها، فكانت إجابة حسن البنا -في ورقة الإجابة- تقول: إن أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان:
۱-خاص: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي.
٢-وعام: وهو أن أكون مرشدًا ومعلمًا، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم تارة بالخطابة، والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، والثالثة بالتجول والسياسة،
وقد أعددت لتحقيق الأول: معرفة بالجميل، ولتحقيق الثاني من الوسائل الخلقية: «الثبات والتضحية» وهما ألزم للمصلح من ظله وسر نجاحه كله، ومن الوسائل العملية: درسًا طويلًا، سأحاول أن تشهد لي به الأوراق الرسمية، وتعرفًا بالذين يعتنقون هذا المبدأ، أو يعطفون على أهله، وجسمًا تعود الخشونة على ضالته، وألف المشقة على نحافته، ونفسًا بعتها لله صفقة رابحة، راجيًا منه قبولها، سائله إتمامها، ذلك عهد بيني وبين ربي، أسجله في نفسي، وأشهد عليه أستاذي في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير».
فكان العهد، والصفقة، والمبايعة، التي كانت أربح صفقات القرن الرابع عشر الهجري.
• لقد تخرج حسن البنا من دار العلوم، وحصل على دبلومها (١٣٤٦هـ. ۱۹۲۷م)، ولم يكن قد أتم يومئذ عامه الحادي والعشرين، وكان ترتيبه الأول على دفعته، ولقد رشح للسفر إلى باريس للدراسات العليا، لكنه تنازل عن حقه في الابتعاث، مفضلًا البقاء بمصر للعمل على تحقيق الأهداف التي حددها لنفسه في هذه الحياة.
•وعين مدرسًا بإحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية في سبتمبر سنة ١٩٢٧م. ربيع أول ١٣٤٦هـ- وفي الإسماعيلية رأى من الحوافز المستفزة أكثر مما رأه في القاهرة، رأى نماذج الاحتلال والاستغلال الأجنبي مجسدة، أمام سمعه وبصره، ورأى التغريب الثقافي والاجتماعي يتحدى هوية الأمة وكرامتها.
فهذا المعسكر الإنجليزي في غربها بأسه وسلطانه يبعث في نفس كل وطني غيور الأسى والأسف، ويدفعه دفعًا إلى مراجعة هذا الاحتلال البغيض، وما جره على مصر من نكبات جسام، وهذا المكتب الأنيق الفخم مكتب إدارة حركة قناة السويس في سلطانه وسطوته واستخدامه للمصريين ومعاملته إياهم معاملة الأتباع المضطهدين، وإكرامه الأجانب، ورفعه إياهم إلى مرتبة السادة والحاكمين وهذه المنازل الفخمة المنتشرة في حي الإفرنج بأكمله، ويسكنها موظفو الشركة الأجانب، وتقابلها مساكن العمال العرب في ضآلتها وصغر شأنها.
والشوارع كلها تحمل لوحات لم تكتب إلا بلغة هذا الاحتلال الجاثم على سدورها، حتى شارع المسجد كان مكتوبًا هكذا: "Rac Du Mosquee"
• وفي الإسماعيلية -وفي هذا المناخ وتلك الملابسات- قرر تأسيس «جماعة الإخوان المسلمين»، وتوجه بدعوته إلى مختلف شرائح الأمة وقادة الرأي فيها:
- إلى العلماء أولًا.
- وشيوخ الطرق ثانيًا.
- والأعيان ثالثًا.
- والأندية رابعًا.
وكان أول المستجيبين لدعوته ستة رجال جميعهم من العمال والحرفيين، فأسس بهم الجماعة في ذي القعدة سنة ١٣٤٧هـ - أبريل / مايو ۱۹۲۸م، وكان للمرأة -منذ البداية- نصيب في الدعوة، فأسس حسن البنا -بالإسماعيلية- «معهد أمهات المؤمنين» لتربية البنات تربية إسلامية صالحة، كما أنشأ -بالجماعة- قسم الأخوات المسلمات.
•كان البنا وجماعته في طليعة القوى التي وعت خطورة القضية الفلسطينية وجاهدت في سبيلها، كما خاضوا معارك الجهاد على أرض فلسطين، فصدر الأمر بحل الجماعة واغتيال مرشدها.
•ومن الإسماعيلية انتشرت الدعوة وتنظيمات الجماعة وشعبها إلى مدن مصر وقراها، وتخطت حدود مصر إلى مختلف أنحاء عالم الإسلام، بل وإلى مواطن الجاليات الإسلامية خارج عالم الإسلام.
•وفي سبيل الدعوة والجماعة زار الأستاذ البنا ثلاثة آلآف قرية مصرية من بين قرى مصر البالغ عددها يومئذ أربعة آلآف، وذلك غير المدن الكبير منها والصغير، وغير الخطابة -التي لم يكن يجاري فيها- كانت الصحافة، ميدانًا لدعوته فأصدر من المجلات:
١-مجلة «المنار» الشهرية.
٢-مجلة «الشهاب» الشهرية.
٣-مجلة «النذير» الأسبوعية.
٤-مجلة «التعارف» الأسبوعية.
٥-مجلة «الكشكول الجديد».
٦- جريدة «الإخوان المسلمون» الأسبوعية.
٧- جريدة «الإخوان المسلمون» نصف الشهرية.
٨-جريدة «الإخوان المسلمون» اليومية.
• ولقد رشح نفسه للانتخابات مرتين بدائرة الإسماعيلية: الأولى في انتخابات سنة ١٩٤٢م، ثم تنازل عن الترشيح بطلب من الحكومة بناء على ضغط وتهديد من المحتلين الإنجليز، والثانية في انتخابات سنة ١٩٤٤م- ١٩٤٥م.
•وكان الأستاذ البنا وجماعته في طليعة القوى التي وعت خطورة القضية الفلسطينية، وجاهدت في سبيلها منذ الثورة الفلسطينية سنة ١٩٣٦م، فرفعوا شعارات الجهاد لإنقاذ فلسطين من المخطط الصليبي الصهيوني، كما كانوا في طليعة الذين أعدوا العدة للجهاد المسلح، وخاضوا معاركه على أرض فلسطين سنة ١٩٤٧- ١٩٤٨هـ، قبل وبعد دخول الجيوش العربية إلى أرض فلسطين، في مايو ١٩٤٨م.
• وفي مايو ١٩٤٦م جمادى الثانية سنة ١٣٦٥هـ، استقال حسن البنا من وظيفة مدرس ابتدائي، بعد ما يقرب من تسعة عشر عامًا قضاها في التدريس، ويومها كان قد بلغ «الدرجة الخامسة» «قانون الموظفين المنسيين».
• وبضغط من الاستعمار، وخوفًا من قوة الجماعة، وخاصة بعد تجربتها الجهادية في فلسطين، صدر الأمر العسكري بحل الجماعة في ديسمبر سنة ١٩٤٨م- صفر سنة ١٣٦٨هـ، وكان عدد أعضائها العاملين يومئذ نصف مليون عضو، معهم من الأعضاء المؤازرين أضعاف هذا العدد، ولها من «الشعب» المنتشرة في مصر ما يزيد على (۲۰۰۰) شعبة.
•وتسارعت الأحداث واغتيل الأستاذ الإمام الشيخ حسن البنا بالقاهرة في ١٢ فبراير سنة ١٩٤٩م، ربيع الآخر سنة ١٣٦٨هـ، فصعدت روح هذا الرجل الملهم المبارك إلى بارئها، بعد أن بذر البذرة التي أنبتت الشجرة الطيبة التي امتدت أغصانها وأوراقها وثمراتها إلى كل أنحاء الكوكب الذي نعيش فيه، والتي بارك الله فيها كما لم يبارك في بذرة من البذور الكثيرة التي بذرت في ذلك التاريخ.
*من أقواله: إن الإسلام ثورة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، يزلزل الأوضاع الفاسدة، ويحطم صروح البغي والعدوان الشامخة، ويجدد معالم الحياة ويقيمها على أثبت الدعائم.
• أما الثقافة التي صنعت هذا العقل المتفرد، وصاغت هذا المشروع الإصلاحي، فإنها كانت مزيجًا من:
١-فقه القرآن الكريم.
٢-وفقه الهدى النبوي الشريف حديثًا وسيرة وخلقًا.
٣-وفقه الواقع المعاصر والمعيش مصريًا، وعربيًا وإسلاميًا، وعالميًا.
٤-والتصوف الشرعي البريء من البدع والخرافات، والذي أخذه عن الطريقة الحصافية التي تأثر بشيخها السيد حسنين الحصافي، وقال عنه: «وكان أعظم ما أخذ بمجامع قلبي وملك عليَّ لبي من سيرة الشيخ الحصافي -رضي الله عنه- شدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه كان لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يدع الأمر والنهي مهما كان في حضرة كبير أو عظيم».
٥-والسلفية التجديدية الواعية التي أخذها عن الأستاذ محب الدين الخطيب.
٦-والعقلانية المؤمنة التي تشبع بها من المدرسة الإحيائية الإصلاحية لجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا.
٧-والمعارف العامة والإنسانية التي رآها حكمة هي ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
ومن كلماته الجامعة، ذات المغزى:
١-عن الإسلام الثورة: «إن الإسلام ثورة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، يزلزل الأوضاع الفاسدة، ويحطم صروح البغي والعدوان الشامخة، ويجدد معالم الحياة وأوضاعها، ويقيمها على أثبت الدعائم، إنه ثورة على الجهل، وثورة على الظلم بكل معانيه ظلم الحاكم للمحكوم، وظلم الغني للفقير، وظلم القوي للضعيف، وثورة على الضعف بكل مظاهره ونواحيه: ضعف النفوس بالشح والإثم، وضعف الرؤوس بالغباء والعقم، وضعف الأبدان بالشهوات والسقم».
٢-وعن تحرير مصر: «أيها المصري أيتها المصرية أيها الشرقي أيتها الشرقية، علموا أولادكم منذ نعومة أظفارهم أن يكرهوا وأن يمقتوا وأن يلعنوا الإمبراطورية البريطانية، كما يعلم الآباء الإنجليز أبناءهم أن يحبوا إمبراطوريتهم، تصرفوا بطريقة تجعل على الإنجليز أن يواجهوا قلوبًا تكرههم، وألسنة تلعنهم، وأيادي تذبحهم، وإنه لا باب للحرية سوى باب العداء الصريح لبريطانيا، والعداء الكامل والجهاد الواثب، ومرحبًا به ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون».
٣-وعن إنقاذ فلسطين: «إن فلسطين هي قلب الشرق النابض وموطن مقدسات مسلميه ومسيحييه على السواء، وإن الشعب الفلسطيني هو من سلالة الصحابة، الفاتحين، وإن ثرى فلسطين قد روي بدماء عشرات الآلآف من صحابة نبينا محمد ﷺ، وإن قضية فلسطين هي قضية العالم الإسلامي بأسره، وهي ميزان كرامته، ومقياس هيبته وقوته.
وإن اليهود في فلسطين خطر داهم على سياسة الشرق العامة، ومطامعهم في الوطن القومي غير محصورة؛ فهم لا يقتصرون على فلسطين، ولكنهم سيخيفون الأرض من كل جانب، وهم خطر على وحدة العرب في الشرق؛ لأنهم لا يعيشون إلا في جو التفريق، وهم خطر داهم على أخلاق الشرق فهم قوم خلقهم المال باعوا من قبل آيات الله بثمن قليل، ولا زالون يبيعون الأخلاق بثمن بخس، وإن الصهيونية ليست حركة سياسية قاصرة على الوطن القومي لليهود أو الدولة المزعومة بالتقسيم الموهوم، ولكنها ثمرة تدابير وجهود اليهودية العالمية، التي تهدف إلى تسخير العالم كله لحكم اليهود ومصلحة اليهود، وزعامة مسيح صهيون وليست دولتهم التي يعبرون عنها بجملتهم المأثورة: «ملك سليمان إسرائيل من الفرات إلى النيل» في عرفهم إلا نقطة ارتكاز تنقض منها اليهودية العالمية على الأمة العربية دولة فدولة، وعلى المجموعة الإسلامية أمة بعد أمة، أما أمم الغرب في أوروبا وأمريكا فقد تكفل الذهب اليهودي والإغراء الصهيوني بتوجيه زعمائها وحكامها حيث يريد، وإن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هي لغة الثورة والقوة والدم»،
٤-وعن الوحدة العربية: «إن قضية وحدة العرب هي أعدل وأنجح وأوضح قضية في التاريخ؛ فمن البديهيات التي لا تقبل الجدل أن العرب أمة واحدة، وإن هذا التعبير يساوي في أحقيته ووضوحه واستقراره في النفوس والأذهان قول القائلين: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، فلقد اصطلحت على تكوين هذه الوحدة العربية وتدعيمها كل العوامل الروحية واللغوية والجغرافية التاريخية والمصلحية».
٥-وعن تحرير الوطن الإسلامي: «إن الوطنية هي فرض من الله هو الذي أمر به، وهي جزء من تعاليم الإسلام، ونحن لا نطيق أن يكون في أرض الإسلام مستعمر واحد، ولذلك، يعمل «الإخوان» بالنفس والمال في سبيل تحرير الوطن الإسلامي العام، إن الوطن الإسلامي لا يتجزأ، وإن كل شبر فيه مسلم يقول: «لا إله إلا الله، أو رفعت عليه -يومًا من الأيام- راية الله قد صار أمانة في يد المسلمين قاطبة، ووجب عليهم أن يقدروا حرمته بالنفوس والأرواح».
٦-وعن الجهاد، والاستشهاد: «إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب الله لها الحياة العزيزة، فاعملوا للموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة، رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد في سبيله».
وعندما سئل هذا الرجل الرباني الملهم الذي كان من أبرز مجددي الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري العشرين الميلادي، والذي أكرمه الله، فاستجاب دعوته، ورزقه كرامة الاستشهاد في سبيله، عندما سئل:
من أنت؟
كان جوابه: «أنا: سائح يطلب الحقيقة، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومواطن ينشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطيبة في ظل الإسلام الحنيف، ومتجرد أدرك سر وجوده فنادى إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين».
تلك سطور- مجرد سطور- من بطاقة حياة هذا الإمام الشهيد عليه رحمة الله (۱).
الهامش:
(۱) انظر في ذلك: حسن البنا «مذكرات -الدعوة والداعية» طبعة القاهرة، دار الشهاب بدون تاريخ، ود. إبراهيم البيومي غانم الفكر السياسي للإمام حسن البنا طبعة القاهرة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة سنة ١٤١٢هـ- ١٩٩٢م، والزركلي.
-خير الدين «الأعلام» طبعة بيروت الثالثة، ومحمد عبد الجواد «تقويم دار العلوم المجلد الأول»، طبعة القاهرة سنة ١٤١٠هـ - ۱۹۹۰م، ود. محمد عمارة «الصحوة الإسلامية والتحدي الحضاري» طبعة القاهرة دار الشروق سنة ۱۹۹۱م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل