العنوان رحيل الروائي الإسلامي الأول الدكتور نجيب الكيلاني
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1995
مشاهدات 130
نشر في العدد 1143
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 28-مارس-1995
مساء الاثنين الخامس من شوال 1415هـ مارس
(1995)، انتقل إلى رحاب الله تعالى، الكاتب والأديب والشاعر الإسلامي نجيب
الكيلاني بعد صراع طويل مع المرض الخبيث، حيث أجرى أكثر من عملية جراحية دقيقة،
إحداها في مستشفى الملك فيصل التخصصي، وقد شاءت إرادة الله أن يختاره إلى جواره
بعد عمر حافل بالجهاد من أجل دينه.
ولد نجيب الكيلاني في قرية «شرشابة» مرکز
«زفتی» عام 1931م، وتخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة (فؤاد الأول سابقا) أوائل
الخمسينيات، وعمل بمستشفيات الحكومة المصرية، ولكنه تعرض لمحنة الاعتقال والتعذيب
أكثر من مرة بسبب اهتمامه بالدعوة الإسلامية، وغادر مصر بعد هزيمة 1967م، للعمل في
البلاد العربية ومنها الكويت والإمارات، حيث استمر في الأخيرة قرابة العشرين عاما،
إلى أن أحيل على التقاعد عند بلوغه الستين قبل خمسة أعوام تقريبا.
أديب متميز
كانت بدايات نجيب الكيلاني القصصية مبشرة
بمولد كاتب متميز، فحصل في منتصف الخمسينيات وأواخرها على عدد من الجوائز المهمة
مثل: جائزة المجمع اللغوي، وجائزة وزارة التربية والتعليم، وحظيت روايته «الطريق
الطويل» باهتمام خاص، حيث اشترت منها الوزارة كميات كبيرة لمكتبات المدارس، وترصد
الرواية قصة كفاح أسرة فقيرة من أجل تعليم ابنها وتحرز نجاحا كبيرا مع وجود
المعوقات والصعوبات المادية والاجتماعية، وظهرت في هذه الرواية روح إسلامية
متسامحة، تبلورت فيما بعد في بقية رواياته وقصصه.
لجأ نجيب الكيلاني إلى التاريخ الإسلامي
والسيرة النبوية يستقي منهما روافد أعماله الروائية والقصصية، فكتب مجموعة من
الأعمال المهمة التي قدمت التاريخ والسيرة في أسلوب قصصي جيد، يحقق المتعة
والفائدة في آن واحد، فضلا عن قدرته على اختيار الأحداث والشخوص التي تمثل معادلا
للواقع المعاصر بأحداثه وشخوصه، ويمكن القول إن التاريخ كان منجما ثرًّا استدعاه
نجيب الكيلاني، أو صاغه من جديد في صورة روائية ليعالج من خلاله واقعا راهنا موارا
بالأحداث والأحزان والآمال في لغة فنيَّة تحقق ما يسمى بالسهل الممتنع، ومن أبرز
أعماله الروائية: «نور الله» في جزأين، قاتل حمزة، حارة اليهود، دم لفطير صهيون،
أرض الأنبياء، مواكب الأحرار (نابليون في الأزهر)، اليوم الموعود، النداء الخالد،
أرض الأشواق، رأس الشيطان، عمر يظهر في القدس...
وإلى جانب التاريخ والسيرة فإن نجيب الكيلاني
قد غزا ميدانا بكرا لم يتجه إليه أحد قبله، وهو صياغة تاريخ المسلمين المظلومين في
عديد من الدول والمناطق، حيث قامت قوى الشر بالتعتيم على مأساتهم وما جرى لهم،
مثلما جرى في تركستان (الصين وروسيا) وإندونيسيا ونيجيريا، وإثيوبيا، لقد تكشفت
هذه المأساة مؤخرا بسقوط الاتحاد السوفييتي والدول التابعة له وعرف الناس من خلال
الأحداث الدامية في القوقاز والبوسنة والهرسك، وإثيوبيا، وإرتريا أن هناك مسلمين
مضطهدين محرومين من دينهم وأشقائهم المسلمين في بلاد العرب وغيرها، كان نجيب
الكيلاني أسبق الكُتاب، ولعله الوحيد من العرب الذين عرفوا بهؤلاء الضحايا، فكتب
«ليالي تركستان»، و«عذراء جاكرتا»، و«عمالقة الشمال»، و«الظل الأسود».
الكيلاني.. وتطوير الرواية
وفي السنوات الأخيرة قفز نجيب الكيلاني قفزة
فنية هائلة، حين انتقل إلى رصد الواقع المعاصر ومعالجته روائيًّا، فيما يمكن أن
نطلق عليه الواقعية الإسلامية، وهي مختلفة بلا ريب عن الواقعية الأوروبية
الاشتراكية والانتقادية لأنها محكومة بروح الإسلام وعدل الله غير المنحازة لطبقة
أو فئة.. إنها واقعية تنحاز للحق وللإنسان الذي كرمه الخالق، وفي هذه القفزة يعالج
نجيب الكيلاني قضايا المجتمع من خلال الظواهر الطارئة والغريبة التي طرأت على أهله
وناسه، والقيم المادية التي استجدت فأفسدت النفوس والقلوب والعقول وجعلت المقاييس
الاجتماعية تبتعد عن تحقيق العدل والحرية والتسامح والرحمة، لقد كتب نجيب الكيلاني
مجموعة من الروايات الجميلة التي تستبطن الواقع والإنسان معا في رؤية إسلامية
نقية، وأسلوب متميز استطاع أن يعتمد على السرد الحي، والحوار الشفاف محققا - ربما
لأول مرة - قدرة فريدة على تضمين الحوار الروائي آيات قرآنية وأحاديث شريفة، دون
أن يشعر القارئ بالافتعال أو التكلف، ومن هذه الروايات «اعترافات عبدالمتجلي»،
و«امرأة عبدالمتجلي»، و«أقوال أبوالفتوح الشرقاوي»، و«ملكة العنب»، و«مملكة
البلعوطي»، و«أهل الحميدية»، و«الرجل الذي آمن»...
لقد ظل نجيب الكيلاني وفيا للأسلوب الروائي
التقليدي، ولكنه طوره من الداخل - إذا صح التعبير- فقد استطاع مثلا أن يضمن الحوار
آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة كما سبقت الإشارة- وأخذ يختزل الوصف مركزا
على أبرز الملامح في الشخوص أو الأماكن أو الأحداث، وراح يطعِّم وصفه بصور جزئية
فيها من الطرافة والجدة أكثر مما فيها من التقليد والتكرار، وفي الوقت ذاته استفاد
بما يسمى الاسترجاع (الفلاش باك) والمونولوج (الحوار الداخلي) إلى حد ما، وتخلى
عما يمكن تسميته بالثرثرة الفلسفية أو السياسية التي تطبع أعمال كثير من الروائيين،
لقد كتب نجيب الكيلاني اثنتين وثلاثين رواية طويلة، مما يجعله واحدا من أغزر
كتابنا الروائيين.
وإلى جانب الرواية فقد كتب عددا من المجموعات
القصصية القصيرة استوحاها غالبا من عمله طبيبا أو من البيئة القروية التي عاش فيها
طفولته وشبابه أو من التاريخ وتقرب مجموعاته القصصية من عشر مجموعات منها: «موعدنا
غدا» و«العالم الضيق»، و«عند الرحيل»، و«دموع الأميرة» و«فارس هوازن»، و«حكايات
طبيب».
شاعر وباحث
وكان نجيب الكيلاني، شاعرا أيضا، له أكثر من
خمسة دواوين من بينها: «أغاني الغرباء»، و«عصر الشهداء»، و«نحو العلا» و«كيف
ألقاك» ويتسم شعره في مجمله بالبساطة والوضوح والتعبير الفطري المباشر وهو غير
التعبير الفج المباشر، وتحس في شعره بالصدق والعذوبة في آن واحد، وقد صاغه صياغة
عمودية صافية، ويذكر أن له ديوانا ضائعا حدثني عنه -يرحمه الله- فقده في فترة
الاعتقال أيضا.
وفي المجال الإبداعي كتب نجيب الكيلاني
المسرحية، وله بعض المسرحيات التي استلهمها من التاريخ، ومنها مسرحية «على أسوار
دمشق».
أما في مجال البحث، فقد تنوعت الموضوعات التي
طرقها نجيب الكيلاني، فقد كتب في الثقافة الإسلامية والبحوث الأدبية والقضايا
الصحية والطبية التي تهم قطاعات عريضة من الناس، ومن أهم البحوث التي نشرها بحثه
عن «محمد إقبال»، وقد بدا في كثير من أفكاره ورؤاه متأثرا بالشاعر الباكستاني
الكبير الذي يمثل مرحلة مهمة من مراحل الجهاد الإسلامي في العصر الحديث ثم بحوثه
حول نظرية الأدب الإسلامي وتصوراته لهذا الأدب الذي صار اليوم حقيقة راسخة، وله
رابطة عالمية تحمل اسمه وتدعو إليه، وتصدر مجلة فصلية تضم بين غلافيها أهم ما ينتجه
الأدباء الإسلاميون المعاصرون ولعل كتابه «الإسلامية والمذاهب الأدبية» مع كتابه
«مدخل إلى الأدب الإسلامي»، من أبرز بحوثه في هذا المجال.
ويمكن القول: إن رصيده في الكتب الثقافية التي
تتناول الإسلام وقضاياه لا يقل أهمية عن كتبه وبحوثه الأدبية، فله كتب «الطريق إلى
اتحاد إسلامي»، و«الإسلام والقوى المضادة» و«نحن والإسلام»، و«تحت راية الإسلام»
و«حول الدين والدولة» و«أعداء الإسلامية» وغيرها...
أما في المجال الصحي والطبي فله کتاب: «في
رحاب الطب النبوي»، ولعله أول من تناول هذا الموضوع الذي يكتب عنه الكثيرون الآن،
وله كتب صحية أخرى منها: «الدواء سلاح ذو حدين» و«الصوم والصحة» و«الغذاء والصحة»،
و«التيفوئيد» و«الدفتريا عدو الطفولة»، و«مستقبل العالم في صحة الطفل»، و«الجدري
والجديري» و«التحصين وقاية لطفلك»، و«احترس من ضغط الدم».
إنسانية الكيلاني
وبصفة عامة فإن الإنتاج الأدبي والفكري
والعلمي لنجيب الكيلاني يتسق تماما مع تكوينه الإنساني، فأدبه وفكره وعلمه جميعا
تصب في نهر الخير والفضيلة والنهضة، وهي معالم تميز شخصيته وتطبعها بطابع المودة
والتسامح والإرادة الصلبة، إنه محب للخير في كل زمان ومكان، وباحث عنه بالوسائل
المتاحة، وكان يعي جيدا أن الخير هو المنتصر مهما كانت قوة الشر وجبروته ولعل هذا
يفسر سر تحول الكثير من شخصياته وانتقالها من عالم الجريمة إلى عالم الفضيلة، وهو
انتقال فطري عفوي تلقائي، ويأتي بطريقة فنية محكمة لا افتعال فيها ولا تكلف، ثم
إنه كان متسامحا ولا ينظر للوراء ولا يختزن كراهية ولا عداوة لأحد، بل إنه يجعلك
في بعض الأحيان تأسَى من أجل بعض الأشرار دون أن تحقد عليهم، لقد منحته قيم
الإسلام روحا طيبة، خصبة، تعطي وتثمر حتى في أحلك اللحظات، وكان يوقن في كل
الأحوال أن الجزاء عند خالق العباد وليس عند العباد، ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا
آثر الإنتاج على الدعاية والإبداع على الشهرة، ومع أن كثيرين أقل منه موهبة ومكانة
طارت بصيتهم الركبان الإعلامية، فإنه لم يشعر بأدنى أسف على تجاهله في الحياة
الأدبية المعاصرة، وكان حريصا على أن يذكر لي أن بعض رواياته تجاوزت في طبعاتها
المائة ألف نسخة، وهو رقم غير قليل إذا عرفنا أن متوسط توزيع الرواية عند المشاهير
في حدود خمسة آلاف نسخة فقط.
لقد أعطى نجيب الكيلاني الكثير، وأغدق الكثير
على من يستحق، ومن لا يستحق، وكان مؤلما لي بصفة خاصة أن من لا يستحق تنَكَّر له،
ولم يفِ بجزء بسيط مما كان ينبغي أن يقدم للرجل، لقد طلب أحدهم مبلغا ضخما ليشارك
بمقالة عنه في عدد خاص تصدره مجلة إقليمية محدودة الانتشار، ورحل الرجل دون أن
يعلم بهذا الجحود الذي ليس غريبا على صاحبه ولكني علمت وانفعلت وتأثرت، ومهما يكن
من أمر، فإن الأجيال التي تقرأ نجيب الكيلاني أكثر وفاء من بعض الذين أحسن إليهم
وهم لا يستحقون، فقد عبر عن نبض الأمة، وحمل هويتها عبر سطوره، وواجه قضايا الناس
بشجاعة الشرفاء النبلاء، كما واجه المرض الخبيث بشجاعة المؤمن ويقين المجاهد.
نسأل الله أن يرحم نجيب الكيلاني، وأن يدخله
فسيح جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
و(إنا لله وإنا إليه راجعون).