; تنافس حزبي من أجل كسب الصوت اليهودي في الانتخابات البريطانية | مجلة المجتمع

العنوان تنافس حزبي من أجل كسب الصوت اليهودي في الانتخابات البريطانية

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1996

مشاهدات 66

نشر في العدد 1228

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 03-ديسمبر-1996

كانت لفتة مثيرة حقًّا أن يبدأ رئيس حزب العمال البريطاني المعارض كلمته في مؤتمر الحزب الذي انعقد الشهر الماضي بتوجيه كلمة شكر خاصة إلى السفير "الإسرائيلي" في لندن على تفضله، بحضور المؤتمر واعتبار ذلك فاتحة خير لعلاقة جديدة بين حزب العمال و«إسرائيل»، وهذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها بلير دهشة مستمعيه، ففضلًا عن أنه سياسي من الطراز الجيد، إلا أنه قادر أيضًا على «تغيير لونه»، بحسب تغير الظروف والقوى، ولو كان ذلك يعني الضرب بتاريخ حزبه الاشتراكي عرض الحائط.

فقد استطاع بلير أن يستوعب عناصر غير مسبوقة من الأفكار الرأسمالية والدينية في برنامجه الحزبي لكسب أكبر عدد من الناخبين في معركة الانتخابات القادمة، وهو يعمل جاهدًا على طمس الهوية اليسارية-الاشتراكية من مذاق الحزب وتوجهاته، بعد أن خسر الحزب عدة جولات انتخابية بسبب هذه التوجهات غير الشعبية، وأصبح له آراء مرنة في مواضيع حساسة مثل الضرائب والعضوية في الاتحاد الأوروبي والخصخصة. تكاد تشابه إلى حد كبير جوهر الطرح الحكومي الحالي، لدرجة أن بعض المعلقين السياسيين ما عاد يفلح في اكتشاف الفروق بين الحزبين: العمال، والمحافظين، وأصبح الميدان فسيحًا للحزبين - ولتوني بلير شخصيًّا - لكسب الأصوات بشتى الوسائل وإن تجاوزت مبادئ الحزب التاريخية في هذا السياق يأتي هذا التحول المفاجئ في موقف حزب العمال من «إسرائيل»، وضمن هذا الإطار فقط كانت لفتة الشكر غير المبررة للسفير «الإسرائيلي» في لندن.

علاقة العمال» بـ «إسرائيل»

يجدر القول إن اليهود لم تكن لهم علاقة وطيدة بحزب «العمال» أو بأي حزب سياسي منذ وجودهم في بريطانيا، وإنما كانت ميولهم تتجه نحو الحزب الذي يخدم مصالحهم وظروفهم بشكل مباشر، ففي مستهل القرن الحالي كان معظم اليهود متعاطفين نسبيًا مع الحزب الليبرالي لدرجة أن أول ستة يهود دخلوا البرلمان كانوا جميعًا «ليبراليين». أما حزب المحافظين» فقد كان يمثل بالنسبة لليهود الطبقة البرجوازية، وكان اليهود في هذه الأثناء ينتمون إلى الطبقة العاملة التي هاجرت من أوروبا الشرقية هربًا من النازية، وكان الوضع الطبيعي لها هو التعاطف مع العمال، إضافة إلى الليبراليين بدلًا من «المحافظين»، غير أن هذا التعاطف لم يستمر طويلًا؛ إذ سرعان ما اغتنت هذه الطبقة العمالية، ووجدت مكانها المصلحي الجديد في تأييد حزب رجال الأعمال: حزب «المحافظين»، و«المحافظون» كانوا أكثر تأييدًا «لإسرائيل» من «العمال» الذي كان يميل في المقابل إلى تأكيد حقوق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، واستطاع اليهود في هذا السباق المصلحي المرتب اعتلاء أعلى الهرم في البناء الحكومي الحالي للمحافظين؛ حيث إن كلًّا من وزير الخارجية والداخلية يهودي.

تكتيك جديد

وكان هذا النفور اليهودي من «العمال» يتطلب من الحزب استيعاب المرحلة الجديدة بأفضل الطرق من خلال تبني سياسات إيجابية نحو «إسرائيل»، وجاء هذا الاستيعاب «التكتيك» من خلال عدة تصريحات متتالية لرئيس الحزب توني بلير، والذي سئل في مناسبة عن موقف حزبه من «إسرائيل»، فيما لو وصل إلى رئاسة الوزراء، فلم يجد ضيرًا في أن يؤكد أنه لن يختلف قيد أنملة عن سیاسة حزب «المحافظين»، وكان هذا التصريح بمثابة محاولة قطع الجذور التاريخية عن موقف الحزب القديم من القضية الفلسطينية، يضاف إلى قائمة المواقف المغايرة التي يتبناها الحزب باستمرار من أجل كسب الأصوات، وفي وقت لاحق- وضمن عملية المغازلة الواضحة- قام توني بلير بإرسال رسالة إلى حوالي ۲۰۰ ألف بريطاني يهودي هاجر واستقر في «إسرائيل» يرجوه التصويت لصالح العمال، مؤكدًا العلاقة «الوطيدة» التي تجمع ين الحزب و«إسرائيل».

تحول يهودي نحو العمال

وقد أتى هذا الغزل ثمره، ولوحظ مؤخرًا بوادر «انفراج»، في العلاقة بين «العمال»، واليهود على إثر هذه السياسة البراغماتية التي ينهجها بلير بجدارة، وكشفت مصادر وثيقة مؤخرًا أن رجال أعمال يهود تبرعوا بحوالي ٥٠٠ ألف جنيه إسترليني لتمويل معركة العمال، ضد «المحافظين»، وكشفت ذات المصادر عن أن رجال أعمال يهود بريطانيين مثل تريفور شين، رئيس إحدى المؤسسات اليهودية «الخيرية»، وألكس برينستن رئيس شركة «غرينادا» التلفزيونية، والناشر المليونير بوب جافرون قد قدموا مبالغ كبيرة للحزب تحت بند «تمويل مجهول»، وهو البند الذي يطلق على التبرعات التي تأتي من أناس مجهولي الهوية؛ إلا أن بعض الصحف البريطانية كشفت عن هوية المتبرعين، ولم يخف تريفور شين هذا بل أكد أنه تبرع فعلًا بمبلغ ٥٠٠ ألف جنيه إسترليني للعمال وعرفانًا بالجميل «التمويل»، فقد أكد بلير مرة أخرى وبقوة هذه المرة على ضرورة «رأب» الصدع بين «العمال» واليهود، معتبرًا أن القطيعة التاريخية التي ميزت العلاقة بين الطرفين «كانت إحدى أخطاء الحزب»، وما لفتة الشكر التي تقدم بها بلير للسفير «الإسرائيلي»، في المؤتمر الماضي إلا تكفير عن هذه الخطيئة.

تصارع حزبي لنيل الصوت اليهودي

و «المحافظون» ليسوا أقل حظًّا من «العمال» في صراعهم الحزبي لنيل رضا «الصوت» اليهودي، فهم أيضًا ضليعون بشكل مثير في عملية «الغزل» الجارية حاليًا، ففي أكثر من موقف يؤكد المحافظون ولاءهم "لإسرائيل"، فيشير النائب ستيوارت بولاك من «المحافظين»، ورئيس لجنة «أصدقاء "إسرائيل"» إلى أن علاقة بريطانيا كانت دائمًا قويةً تحت ظل «المحافظين»، بل وصلت إلى أقصاها في عهد رئيس الوزراء الحالي جون میجور، مشيرًا إلى قرار بريطانيا الخاص برفع الحظر العسكري عن «إسرائيل»، وتشجيع الحكومة البريطانية لإيجاد علاقة تجارية وعسكرية متينة بين البلدين.

ولا يقتصر السباق الحزبي على مجرد التصريحات المتفرقة، ولكن يمتد ليشمل زيارات المسؤولين البريطانيين إلى مواقع المؤسسات اليهودية في الدولة، ويترتب على ذلك امتلاء «أجندة» كلا الحزبين بمواعيد هذه الزيارات.

لماذا كل هذا الاهتمام باليهود؟

ويجيب على هذا السؤال الحائر أحد المحللين السياسيين فيقول: بأنه على الرغم من صغر حجم الجالية اليهودية في بريطانيا نسبيًّا «حوالي ٣٠٠ الف كما تشير بعض المصادر» إلا أن هناك اهتمامًا غير طبيعي بأعضائها يعود إلى تأثير اليهود في النظام البريطاني أكثر من مجرد صوت الناخب. «فاليهود قد يكونون قلة في بريطانيا، ولكنها قلة مؤثرة في التجارة والاقتصاد والتخصصات والعلوم، وهذه هي النوعية من الناس التي يضطر السياسيون إلى الاستماع إليها»، ولا يزال مسلسل الصراع الحزبي مستمرًا في إطار كسب الصوت اليهودي، فهل تسمع الجالية العربية والمسلمة صوت هذا الصراع «فتغار»، وتتحرك؟

الرابط المختصر :