; المسلمون في بريطانيا: ورقة قوية تتصارع عليها الأحزاب | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في بريطانيا: ورقة قوية تتصارع عليها الأحزاب

الكاتب عامر الحسن

تاريخ النشر السبت 26-مايو-2001

مشاهدات 67

نشر في العدد 1452

نشر في الصفحة 38

السبت 26-مايو-2001

باقتراب موعد إجراء الانتخابات العامة في بريطانيا في أوائل شهر يونيو المقبل، يشتد التنافس بين الحزبين الرئيسين العمال الحاكم و«المحافظين» المعارض لكسب أكبر عدد من الأصوات، ومن ضمنها صوت المسلمين. وصارت دعوة «المجلس الإسلامي البريطاني»، الذي يمثل المظلة الأوسع التي تنضوي تحتها معظم المؤسسات والمنظمات الإسلامية، وقيادات العمل الإسلامي لحضور لقاءات مع مسؤولين كبار من الحزبين على مستوى رئيس الوزراء توني بلير، ورئيس حكومة «الظل» وليام هيج دعوة متكررة ومألوفة.

وصارت مغازلة المسلمين في اعتقاداتهم وعاداتهم وتقاليدهم، عربًا وباكستانيين وأفارقة خطابًا شائعًا في حملات الدعاية الانتخابية، بل صار كل حزب يزايد غريمه على ورقة المسلمين وغيرهم من الأقليات لتحقيق تقدم في صناديق الاقتراع.

هل «المحافظون» عنصريون؟

نشبت قبل أيام - مثلًا- ضجة حول مسألة العنصرية حين طلبت لجنة مستقلة معنية بحقوق المساواة من جميع القيادات الحزبية في بريطانيا التوقيع على ميثاق شرف يلزمها بالامتناع عن استخدام أي مفردات أو تعبيرات ذات مغزى عنصري أثناء حملاتها الدعائية للانتخابات، وفيما وافقت معظم القيادات على التوقيع، بما في ذلك حزب العمال ورئيسه توني بلير شخصيًا، رفض المتحدث باسم الاقتصاد في حكومة «الظل» وزير الدفاع السابق مايكل بورتيلو التوقيع على الميثاق. بحجة أنه لا ينبغي أن نخضع جميعًا لاشتراطات خارجية، يتم من خلالها تصنيف الآخرين واتهامهم بالعنصرية. وقال بورتيلو: وهو نفسه مهاجر من أصل إسباني «لا أعتقد بأننا ملزمون بالانجرار نحو توقيع كل ميثاق مهما كانت النوايا الطيبة وراءه».

وطبعًا فجرت مبررات بورتيلو جدلًا واسعًا في الصحافة البريطانية واستغلها حزب «العمال» كحالة تسمح له بالمزايدة الدعائية وإسقاط انتقاداته الحادة على «المحافظين»، وزاد الحال اشتعالًا رفض قيادي محافظ آخر «نائب عن مدينة «يورك شاير»» التوقيع بحجة أن المهاجرين يهددون ثقافة المجتمع البريطاني الأنجلو- ساكسوني.

وطرحت المسألة مجددًا ملف العنصرية ومستقبل المهاجرين، وعلى رأسهم المسلمون محل تساؤل، كما كان منذ الستينيات عندما كان النواب المحافظون، ولحد ما «العمال»، يحذرون من تدفق المهاجرين من المستعمرات البريطانية على الثقافة والاقتصاد البريطانيين. لكن ذلك لم يمنع أن يصل عدد المسلمين، برغم عدم وجود إحصائيات دقيقة لأكثر من مليونين وتشكل الأقليات حوالي ٦,٥٪ من مجمل السكان معظمهم من إفريقيا، وشمال آسيا، وجزر الكاريبي.

وتعززت الحساسية مؤخرًا بزيادة تدفق أعداد من اللاجئين، أغلبهم مسلمون من البلقان، حيث زادت طلبات اللجوء السياسي العام المنصرم على ٧٦ ألف طلب بخلاف من تسللوا بطرق غير شرعية الداخل البلاد عبر السكك الحديدية والموانئ وزاد من حدة المشكلة تدني الأوضاع الاقتصادية في بريطانيا، وتزايد نسبة البطالة، ورغبة بريطانيا في التقرب للاتحاد الأوروبي، ومؤخرًا خضعت بريطانيًا لضغوط قوية من بعض الدول العربية لاستصدار ما يسمى بقانون مكافحة «الإرهاب» استهدف عمليًا جماعات إسلامية، بما في ذلك كتائب «عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» الفلسطينية، وفتح الباب على مصراعيه لمحاكمتهم أو ترحيلهم خلال فترات وجيزة.

وفيما طالت اتهامات إسلامية حزب «العمال» بأنه عنصري، نفت قيادات في الحزب التهمة وسعى وزير الخارجية روبين كوك لمغازلة المسلمين وغيرهم من الأقليات مؤكدًا أنهم بوجودهم الطويل والثري داخل بريطانيا صاروا امتدادًا نسيجيًا طبيعيًا له، وقال في تصريح اعتبر مزايدة على تصريحات «المحافظين» البريطانيون ليسوا عنصريين، لكنهم يجمعون عددًا غير محدود من العنصريات والجاليات معظمهم لا تنحدر أصولهم من هذه الجزر.

المسلمون والانتخابات: حسمها شرعيًا

يبدو أن الجاليات المسلمة، عبر المؤسسات التي تمثلها، حسمت موقفها الشرعي في المشاركة في انتخابات بريطانيا، والتصويت لصالح الحزب الذي يخدم حاجات المسلمين، وتراجعت مقابل ذلك شعبية خطاب بعض الجماعات التي تحرم خوض الانتخابات، مثل جماعة «حزب التحرير» و«المهاجرون»، على اعتبار موقفهم التحريمي المبدئي من الديموقراطية وانتشرت على صفحات الإنترنت التابعة لمؤسسات إسلامية معروفة مثل المجلس الإسلامي البريطاني www.mcb.org.uk فتاوى شرعية تحلل مسألة المشاركة السياسية، وتعميقًا لثقافة المسلمين السياسية، يقدم المجلس على نفس صفحته بروفيل تفصيلي خاص بملف الانتخابات المقبلة، يشمل برنامج الأحزاب الرئيسة من «عمال» و«محافظين» و«ليبراليين»، والعضو المرشح في كل مدينة، وعدد المسلمين في كل مدينة «يتمركزون في مدن مثل لندن وبرمنجهام و برادفورد»، ويحث زواره على التصويت، ولعب دور إيجابي وناشط في توصيل مطالبه لعضو الحزب الذي سيقرر التصويت له.

وتظل هناك مسألة جديرة بالتسجيل خاصة بتحديد مطالب المسلمين في بريطانيا، والتحول في طبيعتها.

ويقول رئيس تحرير صحيفة «مسلم نيوز» أحمد فارسي إن مطالب المسلمين في الماضي كانت محدودة وتقليدية للغاية، تتمركز حول قضايا خاصة بهويتهم مثل: مشكلة «اللحم الحلال» و«المدارس الإسلامية» و«فرص العمل دون تفرقة دينية» و«التمتع بالإجازات الإسلامية مثل: عطلة العيد». أما الآن فمطالبهم صارت أكثر تعقيدًا وذات طبيعة اجتماعية تهم شريحة واسعة من غير المسلمين أيضًا، ويضيف فارسي في تصريحاته مع المجتمع لم يعد المسلمون يقصرون احتياجاتهم الطبية مثلًا على أن توفر المستشفيات اللحم الحلال، ومصلى، وإنما صاروا مهتمين بطرح ملف الرعاية الصحية بمجمله، بما في ذلك سوء الخدمة، وبطه مواعيد الكشف والعلاج، وقلة أعداد الأسرة، وجميعها قضايا مطروحة في الإعلام، ويفهمها الجميع بصرف النظر عن معتقده.

ويضيف لم يعد المسلمون يركزون على مجرد الضغط على الحكومة لمنحهم ترخيص فتح مدرسة إسلامية تحظى بالاعتراف والدعم المادي، كما الحال مع عديد من المدارس اليهودية، وإنما على مشكلات وعيوب التعليم مجملًا، من ازدحام الطلبة في الفصول، وإدخال أو زيادة الجرعات الجنسية في المناهج التعليمية منذ مرحلة عمرية مبكرة، وقال: إن المطالب الإسلامية، بهذه الشمولية والاتساع، صارت تجد صداها بين السود، والسيخ، والهندوس، والكاثوليك، والأقليات التي يشكل صوتها ثقلاً انتخابياً يجبر نواب الأحزاب على الإصغاء لهم.

ومن ضمن عوامل هذا التحول تكاثر جيل الشباب في سن العشرينيات والثلاثينيات وانشغاله بقضاياه البريطانية، على حساب قضايا وطنه الأصلي فعلى عكس القيادات الإسلامية القديمة التي ظلت مهمومة بمشكلات وطنها منعزلة عن المجتمع البريطاني عزلة زاد من وطأتها ضعف اللغة واختلاف التقاليد، نجد القيادات الشابة، في منظمات مثل Young Muslims و Islamic Society of Britan الإنجليزية لغتها الأم، فيما العربية أو الأوردية متداولة داخل المنزل، أو في المسجد. وانتقلت بمجهوداتها من الانشغال بقضايا نظرية والانشطار حولها إلى التركيز على العمل الحزبي، سواء على مستوى المجلس المحلي، أو المحافظة، أو البرلمان، وتوعية الجالية بمختلف مشكلاتها السياسية والاجتماعية.

العمل المؤسسي يستوعب فرقة الجماعات

ومن بعض تداعيات تطور الوجود الإسلامي في بريطانيا أن المسلمين بدأوا يستوعبون آليات العمل الجماعي، ضمن مؤسسات «شرعية» معترف بها قانونًا مثل المجلس الإسلامي البريطاني الذي يمثل المظلة الرسمية التي تنضوي تحتها عشرات المنظمات والمؤسسات، بل وبعض الجماعات الإسلامية المعروفة. طبعًا لايزال لهذه الجماعات حضور قوي وفاعل، خاصة بين الشباب المتحمس الذي ينشد استعادة هويته التائهة، لكن دورها تركز على الاداء التربوي كجماعة الدعوة والتبليغ وبعضها عمل على عزل أعضائه عن واقعهم باهتمامات المشرق كالجماعة الإسلامية في مصر والجزائر، فيما اعتبر بعضهم وجوده في الغرب «حالة طارئة ومؤقتة» أو أنها «دار حرب» ينبغي مواجهتها بشن حملة شاملة عليها وتجنب المشاركة في مؤسساتها. إنجاز المجلس الإسلامي وغيره من المنظمات الناشطة أنه نجح في تعبئة المسلمين تعبئة سياسية منظمة للعمل كلوبي في الغرب.

ويشير أحمد فارسي لتغير آخر طال خبرة المسلمين بالشؤون السياسية، التي ستوظفها في الانتخابات المقبلة، وهو أن التصويت لحزب ما لم بعد خيارًا عاطفياً تحكمه العادة وتفرضه وعود الحملات الانتخابية النظرية، وإنما هو خيار واع مبني على تقييم أداء الحزب فترة وجوده في السلطة، بمعنى أن المسلمين لم يعودوا يصوتون لحزب «المحافظين» بناء على وعود نوابه بدعم فكرة الاعتراف بمدارس إسلامية، وإنما بدأوا يصوتون لحزب العمال، لأنه لما أتى للسلطة اعترف فعلًا، وفي غضون ثلاثة سنوات من حكمه بأربعة مدارس متوزعة على لندن وبرمنجهام وبرد فورد وفرض نمط التحول- ثانيًا- تغير «الخطاب السياسي» السائد في لغة الحزب فقد كانت مفردة الأصولية الإسلامية بنبرة سلبية تتكرر في خطاب رئيس حزب المحافظين «السابق» جون میجور، مقارنة برئيس العمال توني بلير الذي غالبًا ما يذكر الإسلام مقرونًا بدوره في إثراء حضارة البلد للعمال أيضًا تصور جديد لدور المسلمين في المؤسسة السياسية، فهم على استعداد لاستيعاب كوادرهم كمستشارين لوزراء حكومتهم، وليس فقط كنواب في البرلمان، والمستشار المسلم الذي يصغي له الوزير مباشرة أهم من النائب أو اللورد المسلم في البرلمان أو مجلس اللوردات ويرون ثالثًا- للقيادات الدينية دورًا لا يراه كثير من الحكومات العربية. فقد عبرت وزيرة التنمية كلير شورت «عمال» عن ثقتها بأن القيادات الدينية في العالم الثالث بصفتها قيادات المؤسسات المجتمع الأهلي، كف لتلقي إعانات الحكومة البريطانية للبلد المنكوب عوضًا عن القيادات السياسية، أو حتى بعض المنظمات غير الحكومية المرتبطة خفاء بالسياسيين. وكانت من ضمن الذين عينوا مستشارًا مسلمًا لها في الشؤون الاقتصادية وشؤون التنمية.

لكن على الرغم من ذلك يبقى هناك قصور في أداء المسلمين من شأنه أن يعرقل إنجازاتهم في الانتخابات المقبلة، إذ يحتاج المسلمون للتفاعل أكثر مع بعض التطورات مثل قانون مكافحة الإرهاب الذي صدر مؤخرًا، كي لا يساء استغلاله ضد الأبرياء، وذلك مثلما فعلت طائفة السيخ التي رفعت دعوى قضائية ضد القانون الذي استهدف إحدى جماعاتها، ويحتاج المسلمون أن يحبكوا فن اللعبة السياسية عبر إتقان واستيعاب دور الإعلام التعبئة الرأي العام ضد سياسات معينة من بينها تقدیم لندن دعمها العسكري لتل أبيب ضد الفلسطينيين، ومطالبتها بتجميد صفقات بيعها الأسلحة، ويمكن للمسلمين لو رتبوا أوراقهم بجدية، اللعب بثقلهم الانتخابي في الأيام المقبلة لتحقيق ذلك.

 مغازلة المسلمين صارت خطابًا سياسيًا شائعًا بين الأحزاب السياسية في حملاتها الانتخابية

تحول محوري في نظرة المسلمين للمجتمع، مطالبهم صارت أكثر شمولية وذات طبيعة اجتماعية، لقد أصبحوا جزءًا من المجتمع

الرابط المختصر :