العنوان الاتحاد السوفيتي.. مشكلات الإسلام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1973
مشاهدات 11
نشر في العدد 159
نشر في الصفحة 11
الثلاثاء 17-يوليو-1973
أدت حاجة الاتحاد
السوفيتي إلى توثيق علاقاته بالدول العربية والإسلامية فيما يعمل على عرقلة نشاطات
مواطنيه المسلمين، إلى تناقض ظاهر في موقفه تجاه الإسلام. وعبثًا حاولت السلطات
السوفيتية تبرير هذا التناقض أو تفسيره إذ إنه بات موضوع انتقاد مستمر في الصحافة
العربية. ومن الأمثلة الحديثة على هذا التناقض ما قاله راديو موسكو في رده على
سؤال من أحد المستمعين في جنوب إفريقيا. قال الراديو: إنَّ معظم شعبنا هم
ملحدون، فالكنيسة منفصلة عن الدولة والمدرسة منفصلة عن الكنيسة ويعرض المعلمون
مواد التدريس على طلابهم من الزاوية المادية... إنهم ينكرون وجود الله، ولكن لدينا
في الوقت ذاته أناس متدينون، ومعابد للمسيحيين والمسلمين وغيرهم من أبناء الديانات
الأخرى.
وللكنائس مدارس للاهوت لتخريج الكهنة، وفي وسعها أن تطبع ما نحتاج
إليه من كتب... والمؤمن يتمتع في حياته اليومية بمثل الحقوق التي يتمتع بها سائر
المواطنين في البلاد. وبالاختصار فإن الاتحاد السوفيتي يتعمد التسامح في أننا
نعتقد أن الإيمان الديني غير علمي وليس من شأنه إلا تضليل الشعب، ولكننا لا نتخذ
إجراءات قمعية ضده... وسبق للينين أن قال في مناسبات عدة أن على الشعب أن
يسير الهوينى في الدعاية المناهضة للدين وذلك كي لا يسيء إلى المؤمنين.
هذا ما يذيعه راديو موسكو على الملأ بيد أن الكلمة المطبوعة داخل
الاتحاد السوفيتي تكشف عن صورة مغايرة. ولنأخذ مثلًا حديثًا مقالًا ظهر في مجلة
الثقافة السوفيتية عنوانه "دروس في الإلحاد" كتبه ب. ريسباييف، سكرتير
لجنة أوش الإقليمية للحزب الشيوعي في قرغيزستان، يشكو فيه من نشاط المسلمين. وأشار
إلى مُلَّا - أي فقيه مسلم - متجول في جلال أباد تعرف إلى 17 شابًا ملحدًا.
ومضى الكاتب يقول: "وفي مدة قصيرة أصبحت هذه الزمرة عاكفة على
دراسة الكتب الدينية وتعتز بصور زعماء الدين المسلمين وتستمع إلى الإذاعات الدينية
الخارجية". وقال ريسباييف إن السلطات المحلية ردت بإصدار بيانات عن الطابع
غير الاشتراكي في جهود العلماء المسلمين الذين يسعون لإحياء العادات الشريرة
القديمة وتصويرها بأنها تقاليد وطنية.
ومضى يقول: تجري محاولات هنا وهناك لإحياء ما يسمى بالأماكن المقدسة
وتنظيم الزيارات إليها وفتح مدارس دينية بصورة غير مشروعة للأطفال وإقامة بعض
الاحتفالات الدينية ومن الطبيعي أن تهب منظمة الحزب الإقليمية لمعارضة هذا التيار
بإجراءات هجومية واندفاعية مخططة بعناية.
ويشرح ريسباييف الطرق المتبعة في مكافحة النفوذ الإسلامي فيقول إن
منظمة الحزب الإقليمية، ونقابات العمال والكومسومول «للشبيبة» وغيرها من الهيئات
مدعوة للمساعدة على رفع المستوى الثقافي في القرية والمدينة.
وقد بذلت جهود كبيرة في سبيل الاستعاضة عن الشعائر والاحتفالات
الدينية - للزواج مثلًا - بإجراءات مدنية.
ويصف ريسباييف في مقال تفاصيل النهج الذي يتوجب على المحرض اتباعه
لإقناع المؤمنين بأن النفقات التي تقتضيها الاحتفالات الدينية الإسلامية بتشجيع من
العلماء قاصمة للظهر وإن دخل المساجد المسجلة في إقليم تقارب ثلاثة أضعاف ما
تتكبده من نفقة في سبيل الاحتياجات الدينية. وادعى أن قسطًا كبيرًا من الفائض يذهب
إلى جيوب العلماء الذين يعيشون حياة مترفة على حساب المؤمنين. ومثل هذه المغالطات
تملأ الدعاية الإلحادية السوفيتية التي تتضمن أيضًا إلقاء المحاضرات وعرض الأفلام
وإقامة المعارض وعقد المناظرات لتكذيب ما يسمى بالمعجزات. كل هذا بغية التشهير
بالمعتقدات الدينية والنيل من الإسلام.
وذكر ريسباييف أسماء عدد من المؤمنين السابقين الذين أعلنوا على الملأ
تخليهم عن إيمانهم ولكنه أقر في الوقت ذاته بأنه ما زال يتوجب القيام بكثير من
الجهود في سبيل مكافحة الدين. وتساءل في مقاله: "كيف نفسر قيام المدير السابق
للمركز الاجتماعي في بلدة أوزغن بدور الإمام في المصلين؟ وكيف نفسر قيام الناس
بالحج إلى المزار في تلة سليمان؟" وقال معترفًا بوجود نواقص خطيرة في الدعاية
الإلحادية - إننا لا نتكهن بالأحداث قبل وقوعها، وإنما نكتشفها بعد فوات الأوان.
ففي بعض الأحيان نعتمد موقفًا رسميًا صرفًا إزاء الدعاية الإلحادية فمثلًا نلقي
على مسامع المسلمين محاضرة عيد الفصح، ومن المؤسف أننا لم ننجح حتى الآن في تحويل
جميع مراكزنا الثقافية من أندية وقصور إلى مراكز للنشاط الإلحادي، وتشكو أقضية
عديدة في الإقليم من نقص ذريع في الدعاة المؤهلين للإلحاد... كما أن دور النشر
المركزية والجمهورية لا تصدر إلا عددًا ضئيلًا من المطبوعات عن الإلحاد. ولنا مثل
هذا المأخذ على صناعة السينما.
وعندما تطرق ريسباييف إلى - الاتصالات الشخصية بالمؤمنين - أظهر حساسية
تفوق كل من سبقه إلى الكتابة في هذا الموضوع. فقد قال ف. شيرفا مثلًا في كُتَيِّبٍ
له بعنوان "في الصباح تكون السماء صافية" موجهًا كلامه إلى الملحد الذي
يتجادل مع أحد الواعظين الدينيين أن عليه أن يكون - فظًا وغليظًا إلى أقصى حد
ممكن، فالتأديب هنا لا يفيد. وعليك أن توقع الرعب في قلبه، أو حتى تمسك بخناقه
وتشهر عليه خنجرك. أما ريسباييف فله رأي آخر إذ يقول: يجب ألا تكون هناك هجمات
صاعقة عنيفة تنفر الناس. وعلينا أن نعتمد الحقائق في تحريضنا وأن نصر على إلقاء
اللوم على الإسلام في كل نقيصة وعيب في الحياة في قرغيزستان. ويستشهد ريسباييف على
نجاح الدعاية الإلحادية في بعض الأماكن فيقول: - لقد تحولت مراكز كثيفة السكان
وظهرت المفروشات الحديثة في المنازل وطرأ تغيير في طريقة معيشة عائلة العامل، بل
وفي تصميم المنازل الجديدة التي أصبحت لها نوافذ واسعة تطل على الشارع. فهناك أمكن
التغلب على الروح التي نفثها رجال الدين.
هذا وقد شهدت طاجيكستان وجمهورية الشيشان والإنغوش كما شهدت غيرها من
المناطق الإسلامية العريقة في الاتحاد السوفيتي عمليات قمع متواصلة ضد المؤمنين،
في حين أن ما أصاب تتار القرم الذين طردوا من ديارهم قد ذاع في كل أرجاء العالم.
ومنذ بضع سنوات ظهرت مقالة في مجلة "العلم والدين" ببهجة وسرور انتهاء
الدين في داغستان حيث كان في يوم من الأيام 2000 مسجد. وقالت إن الصحف باتت شيئًا
نادرًا. وأن تعليم الإسلام قد اضمحل كثيرًا ولم يعد باستطاعة مسلمي آسيا الوسطى
قراءة الحرف العربي الذي كانوا يكتبون به لغتهم.
وبالإضافة إلى النصوص الدستورية التي تحبذ الإلحاد صراحة فإن الأنظمة
الإدارية والتشريعية - وبعضها سري - ينص على التسجيل الإجباري للمؤمنين ومراقبة
نشاطاتهم وأماكن اجتماعاتهم كما أنها تفسح مجالًا واسعًا أمام السلطات المحلية لمشاكسة
المؤمنين. ويبدو أن الحكم الذي أصدرته مجلة "جون إفريك" في عام 1968 ما
زال ساري المفعول إذ قالت "إنهم - أي السوفييت - لا يدعون فرصة تفوتهم إلا
ويرددون تحالفهم مع المسلمين بل إنهم يثبتون ذلك بالفعل أحيانًا، ولكن بشرط واحد
لا غير وهو ألا يعيش المسلمون في أراضي الاتحاد السوفيتي نفسه".
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل