; بديع الزمان سعيد النورسي حياته وأعماله | مجلة المجتمع

العنوان بديع الزمان سعيد النورسي حياته وأعماله

الكاتب محمد حرب عبد الحميد

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1980

مشاهدات 97

نشر في العدد 498

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 23-سبتمبر-1980

تراجم إسلامية في الفكر المعاصر 

أولًا- حياته وأعماله:

     في عهد السلطان عبد الحميد وُلد سعيد النورسي، ويلقب ببديع الزمان، في قرية نورس، وهي قرية تابعة لمحافظة تبليس، في شرقي الأناضول عام 1876م/ 1293هـ. 

     درس سعيد النورسي النحو، والصرف، والعلوم، والفقه الإسلامي، وأتم دراسته نتيجة لذكاء حاد وهو لم يتجاوز بعد سن البلوغ، وكان أثناء دراسته معروفًا برجاحة العقل، وقوة الذاكرة؛ فاكتسب تقدير معلميه. 

     اشترك بسعيد النورسي -على عادة عصره- في المناظرات التي كانت تعقد بين العلماء وبين المثقفين، وكانت هذه المناظرات وسيلة لشهرته؛ إذ أنها أبانت عن ذكائه وسعة اطلاعه، سعيد النورسي كردي الأصل كردي اللغة، ولم يتعلم اللغة التركية إلا عندما نزح إلى مدينة (وان)، وهي إحدى مدن شرق تركيا، وكان ذهابه إلى وان بدعوة من واليها حسن باشا، وكان ذلك بعد أن ذاع صيته، واشتهر بين الناس بالعلم والذكاء، وهناك مكث سعيد النورسي في وان خمسة عشر سنة، قضاها محبوبًا من الولاة ومن الأهالي على حد سواء، بل قامت بينه وبين طاهر باشا الوالي الذي خلف حسن باشا علاقات جيدة. 

     وفي وان أخذ سعيد النورسي يلقي دروسه في مدرسة خور خور، وأثناء إقامته في وان أخذ سعيد النورسي -بهمة فائقة- في تنوير العشائر الكردية في الشرق الأناضولي، واطلاعهم على أمور دينهم، وخلال تجواله في محافظة وان ولقائه بالمثقفين الإسلاميين وطلبه العلوم الإسلامية والأساتذة وأفراد العشائر- تيقن بأن على المسلمين من أسرة العلوم الطبيعية، لذلك أخذ هو في دراسة الجغرافيا، والفيزياء، والفلك. 

     من هذا أيضًا أدرك ضرورة أهمية تدريس العلوم الطبيعية جنبًا إلى جنب مع العلوم الدينية والعقيدة الإسلامية؛ حتى يستطيع الذين لا يفهمون إلا بلغة العلوم الطبيعية إلى فهم حقيقة الإيمان. 

     وعندما قامت حركة (31) مارت (مارس) في عهد السلطان عبد الحميد كان حزب الاتحاد والترقي هو الحاكم المسيطر على البلاد، اتخذت الجمعية هذه الحركة التي قام بها الجاويش حمدي وباسم الدين للقضاء على الضباط الشبان المتأوربين، والذين يكنون العداء للدين بفعل دعاية الاتحاد والترقي، اتهمت الجمعية -بعد فشل الحركة- عبد الحميد بتدبير الحادث وهو منها براء، وكانت وسيلة مباشرة لخلعه من على العرش. 

     زجت جمعية الاتحاد والترقي الكثير من علماء الدين إلى قاعات المحاكم، وكان من ضمن من زج بهم إلى المحاكم: الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي، لكن سعيد النورسي دافع عن نفسه بمهارة، وصدر الحكم بتبرئته من الحادث. 

     بعد ذلك ترك سعيد النورسي حياة المدينة في إستانبول، وعاد إلى وان حيث الحياة الخشنة، ومن ثم أخذ يهتم بتثقيف القبائل ثقافة إسلامية. 

     ثم كانت له زيارة إلى سوريا، وفي دمشق وقف بديع الزمان سعيد النورسي مخاطبًا العرب من الجامع الأموي بدمشق، ليلقي خطبته المشهورة بالخطبة الشامية (الشام في المصطلح العثماني تعني دمشق) في هذه الخطبة أوضح سعيد النورسي أسباب تأخر العالم الإسلامي كما شخصها. 

    يتحرز بديع الزمان سعيد النورسي في خطبته هذه من السياسة فيقول موجهًا خطابه إلى العرب بقوله: «إخوتي، تظنون أنني أجاذبكم أطراف الحديث لأجركم إلى أمور سياسية، حاشا؛ إن الإسلام فوق السياسة، كل السياسات يجب أن تخدم الإسلام، وليس لأحد أن يتجرأ لجعل الدين مطية السياسة». 

 اشترك بديع الزمان سعيد النورسي متطوعًا في الحرب العالمية الأولى على رأس (3000) شخص من تلامذته، وكان اشتراكهم هذا، ضد الروس الذين استطاعوا احتلال تبليس بعد قتال مرير بين الروس من ناحية، وبين المسلمين من أتراك وأكراد وغيرهم من ناحية. 

 وقع سعيد النورسي في أسر الروس مع البقية المتبقية من تلامذته، إذ كان كثير منهم قد استشهد أثناء القتال الضاري ضد الاحتلال الروسي، وكان أثناء مدة الأسر يعتز بكونه عالماً وكان يفقه الأسرى من المسلمين أمور دينهم. 

وحدث أن جاء القائد العام الروسي نيقولا فيج ليتفقد الأسرى، فقام له الجميع وقوفاً ما عدا سعيد النورسي، احتد القائد الروسي وسأل أسيره العنيد عن سبب امتناعه عن قيامه له فقال سعيد له: «إنني عالم من علماء المسلمين ولا أقوم لك. احتد نيقولا وأمر بقتل سعيد النورسي، لكنه تمالك نفسه بعد ذلك، وأوقف أمر الإعدام. 

 استطاع النورسي أن يهرب من الأسر الروسي في سيبيريا، ومنها إلى أوروبا، ومن ثم إلى إستانبول، وعند وصوله إلى إستانبول، كان أنور باشا في الوقت نائبًا للقائد العام للجيوش العثمانية ووزيرًا للحربية طالب أنور باشا في وثيقة مؤرخة في العاشر من أغسطس عام (1918)، إهداء ميدالية الحرب إلى سعيد النورسي مع إهدائه درجة علمية مناسبة لجهوده في حث القبائل على الحرب ضد الروس عند اعتداء هؤلاء على نواحي تبليس، ثم تم تعيين سعيد النورسي عضوًا بدار الحكمة الإسلامية بإستانبول، وكانت تضم علماء من مختلف البلدان الإسلامية. 

     وعندما احتل الحلفاء إستانبول، وقامت حرب الاستقلال التركية في الأناضول، وبعد نجاح هذه الحركة وتأسيس مجلس الأمة في أنقرة، استدعت الحكومة الكمالية بديع الزمان سعيد النورسي إلى أنقرة بعد أن أصبحت هذه المدينة العاصمة التركية بدلًا من إستانبول. 

     جاء سعيد إلى أنقرة، وقوبل بحفاوة وترحاب، لكنه لم يستطع أن يتواءم مع الحكومة الكمالية؛ فقرر أن يترك أنقرة بعد أن أصدر بيانًا أوضح فيه رأيه من أن أعضاء مجلس الأمة الذي يمثل الشعب التركي المسلم يتصرفون تصرفًا قد يبعدهم عن الإسلام بعد ذلك. 

    انزوى بديع الزمان، وأخذ في التعبد والتفكر، ونشر أفكاره الإسلامية عن طريق تلامذته، فأخذت الحكومة الجمهورية في تعقبه، ومن ثم قضى حياته مشردًا ما بين سجن ومنفى. 

     وفي عام (1935) وجهت إليه الحكومة التركية اتهامًا بأنه يشكل جمعية سرية ضد النظام، واقتيد إلى محكمة اسكيشهر، ومنها نُفي إلى فسطموني، وفي عام (1943) قدم للمحاكمة في مدينة دينزلي بتهمة: تشكيل جمعية سرية، تحرض الشعب على القيام بتمرد ضد الحكومة، وهدم ما قامت به الثورة التركية من انقلابات، ووصف مصطفى كمال باشا بأنه دجال وهادم للدين. 

     استمرت محاكمة سعيد تسعة أشهر ظل خلالها معتقلًا، وانتهت المحاكمة ببراءته، لكنه أجبر على الإقامة في أمير داغ، وهي منطقة تابعة لمحافظة أفيون. 

     وفي عام (1952) وصل بديع الزمان سعيد النورسي إلى إستانبول، ومنها عاد إلى أميرداغ، وكان في تلك المرحلة يملي على طلبته رسائل فيدونوها بالأحرف العربية، وينشرونها بين الناس؛ فكثر طلابه والمؤمنون بفكره. 

     تعرض أتباع سعيد النورسي -ويسمون طلاب رسائل النور- لمشقات من الحكومة كثيرة، لكن أعدادهم كانت في ازدياد خاصة من بعد عام (1950) في عهد عصمت أينونو. 

     وأصبحت مؤلفات سعيد النورسي بمثابة المرشد للأتراك المسلمين يقرؤونها، ويفيدون منها، وتشكلت حولها الحلقات، من هذه الكتب سوزلر «الكلمات»، واللمعات، والمكتوبات، والشعاعات، وعصا موسى، وترجمة حياة، والخطبة الشامية، والمثنوي النوري، وإشارات الإعجاز. 

     أما رسائل النور فهي -كما يصفها أشرف أديب- تفسير حقيقي للقرآن الكريم، وإن لم يكن بترتيب الآيات القرآنية كل على حده، اتبع فيها سعيد النورسي منهج الاحتياج. 

     رسائل النور التي ألفها سعيد النورسي تبلغ (130) رسالة، أصبح لها من الطلاب أعداد كثيرة منتشرين في جميع أنحاء تركيا، ويشكلون قوة لها تأثيرها في تيار الحركة الإسلامية في تركيا، بل وفي مجريات السياسة التركية، أيضًا يعكف طلاب النور على قراءة رسائل النور في حلقات داخل ما يُسمى بـ «درس خانة» حيث يتدارسون الرسائل، ويتفهمون ما بها، ويثيرونها بشكل منتظم رتيب. 

     أما كنه رسائل النور فهو: «رد تشكيكات شياطين الجن والإنس، وتقوية عقائد المسلمين في طريق الحق والصواب». 

     وفي عام (1960) أراد سعيد النورسي أن ينتقل من إسبرطة إلى أورفة وفي هذه الأخيرة مات في 23 مارس 1960، ودُفن في تكية خليلة الرحمن في أورفة. 

     وعندما قامت ثورة 11 يوليو عام 1960، في تركيا (وهي الثورة التي قام بها الجيش بقيادة جمال كورسيل ضد حكم عدنان مندريس، والتي أدت إلى إعدام مندريس) أمر الثوار الجدد بفتح قبر سعيد النورسي، وإخراج جثته، وإعادة دفنها في إسبرطة. 

     وفي مكان مجهول لا يدري أحد حتى الآن دُفنت جثة الرائد والمفكر والحركي بديع الزمان سعيد النورسي. 

مؤلفاته:

يمكن ذكر مؤلفات النورسي على النحو الآتي: 

(أ)- رسائل النور: وهي (130) رسالة تنقسم إلى الآتي: 

  • سوزلر «الكلمات» (33) رسالة. 
  • مكتوبات: وهي في (50) رسالة. 
  • لمعات: وهي في (15) رسالة. 
  • لواحق المكتوبات: وهذه في ثلاثة أجزاء: 

الأول: لاحقة قسطموني. 

الثاني: لاحقة أميرداغ. 

الثالث: لاحقة بارلا. 

(ب) المؤلفات الأخرى:

إشارات الإعجاز في مظان الإيجار (وهو تفسير للقرآن الكريم)، المثنوي العربي (وهو في العلوم المختلفة)، الصيقل الإسلامي (وهو في حل شتى المشكلات الإسلامية) وصفه للعوام. 

الرابط المختصر :