العنوان بالكتاب والسنة تتربى النفس على عظائم الأمور
الكاتب سلوي سعود
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000
مشاهدات 235
نشر في العدد 1386
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 01-فبراير-2000
علو الهمة للنفوس العالية (1 من 2)
الناس بحسب الهمة مراتب وأرقاهم مرتبة الأنبياء والصالحون
رسم الله عز وجل لنا طريق الدعوة وهو طريق شاق طويل لا تسير فيه إلا النفوس التي تدرك عظم التبعة وتضع روحها على كفها لله؛ فطريق الدعوة طريق تعب فيه آدم وناح لأجله نوح، ورمي الخليل بالنار وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر زكريا بالمنشار، وذُبح السيد الحصور عيسى وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر والأذى محمد ﷺ.
هذا هو طريق الأنبياء لا طريق الراحة والكسل، فإن كنت ممن ركنوا إلى الراحة فكن كأبي خيثمة: تخلف عن الرسول ﷺ في غزوة تبوك ورجع إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتيه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وهيأت له الماء والطعام، فلما نظر إليهما قال: «رسول الله في الريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ، وامرأة حسناء في ماله مقيم، ما هذا بالنصف، والله لا أدخل عريش واحدة حتى ألحق برسول اللهﷺ».
فلنشحذ الهمم ولنستعد للبلاء فإن أكثر من تنكبوا الطريق إنما كان ذلك لضعف هممهم يقول أحد الصالحين: «همتك احفظها فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها: صلح له ما وراء ذلك من الأعمال».
ولكن ما الهمة العالية؟
عرفها بعض العلماء بأنها: «استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور.. فعظيم الهمة يستخف بالمرتبة الصغرى أو المتوسطة من معالي الأمور، ولا تهدأ نفسه إلا حين يضعها في أسمى منزلة وأقصى غاية».
ويعبر عن هذا النابغة الجعدي بقوله:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا
وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا
وفسر ابن القيم الهمة العالية بأسلوبه التربوي فقال: «همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبًا صادقًا خالصًا محضًا فتلك هي الهمة العالية».
ثم يقرب هذا المعنى فيقول: «وعلو الهمة ألا تقف هذه الهمة دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به لشيء من الحظوظ الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور لا يرضى بمسامعهم ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم».
وقد بيّن الشيخ عبد القادر الكيلاني -رحمه الله- طريق الهمة فكان ينادي أهل بغداد بصوته الهادر سيروا مع الهمم العالية.. لا تتواروا ولا تنسحبوا، بل سيروا مع الهمم العالية.
مراتب الهمم
الناس بحسب الهمة مراتب: فمنهم من همته عالية ومنهم من همته في الحضيض؛ فرجل يشعر بأن فيه الكفاية لعظائم الأمور ويجعل هذه العظائم همته، وهذا يسمى عظيم الهمة أو عظيم النفس، وآخر فيه الكفاية لعظائم الأمور، ولكنه يبخس نفسه حقها فيضع همه في سفاسف الأمور وصغائرها وهو يسمى صغير الهمة أو صغير النفس، وآخر لا يكون لعظائم الأمور، ويحس بأنه لا يستطيعها، وأنه لم يخلق لأمثالها فيجعل همته وسعيه على قدر استعداده، وهذا بصير بنفسه متواضع في سيرته.
أما الرابع فلا يكفي لعظائم الأمور لكنه يتظاهر بأنه قوي عليها مخلوق لأن يحمل أثقالها وهذا يسمى «متعاظمًا».
والداعية المؤمن يشعر في نفسه بالكفاية لعظائم الأمور، وأي أمر أعظم من الدعوة إلى دين الله عز وجل التي هي أمانة ثقلت الجبال عن حملها؟
قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب:۷۲).
فالداعية العالي الهمة لا يرضى بأن يصرف همته في سفاسف الأمور، بل بما يصبح به من أهل المراتب العالية التي عرفها الشيخ المربي ابن القيم -رحمه الله- فقال: «وإذا أردت أن تعرف مراتب الهمم فانظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي- رضي الله عنه - وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم سلني، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة! وكان غيره يسأله ما يملأ بطنه، أو يواري جلده».
ولننظر إلى همة الرسول ﷺ حين عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها، ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه تعالى، فأبت عليه تلك الهمة العالية أن يتعلق منها بشيء مما سوى الله ومحابه، وعُرض عليه أن يتصرف بالملك فأباه، واختار التصرف بالعبودية المحضة.
ويقول الشيخ الكيلاني لغلامه مفصلًا مراتب الهمة: «يا غلام لا يكن همك ما تأكل وما تشرب وما تلبس وما تنكح وما تسكن وما تجمع كل هذا هم النفس والطبع، فأين هم القلب؟ همك ما أهمك فليكن همك ربك عز وجل وما عنده».
نعم.. فليكن هم الداعية منصرفًا إلى دعوة الله عز وجل وابتغاء ما عنده، فإن أحببت الدنيا فليكن كحب محمد بن أحمد المعروف بابن رزقويه، ذلك الحب الذي يكشف عن همة عالية وراءه، إذ يقول مخاطبًا تلاميذه: «والله ما أحب الدنيا لكسب ولا تجارة، ولكن لذكر الله ولقراءتي عليكم الحديث».
وإنما ذكر الحديث والذكر كمثل لجنس الصالحات التي يجب على الداعية أن يحب الدنيا لأجلها لا لغيرها.
ويزيد ابن القيم -رحمه الله- تفصيلاً في مراتب الهمة فيقول: «الهمة لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء تعرف الصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة، وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكرًا وطاعة.. وتذكر لذنب تزداد بتذكره توبة وخشية، فإذا تعلقت الهمة بشيء سوى ذلك جالت في أودية الوساوس والخطرات».
فحيث جالت نفس الداعية مع المراتب العالية ارتفعت همته، وحيث هبطت عنده تلك المراتب ضعفت وهانت.
مبعث الهمة
الهمة العالية صفة منشؤها النفس ويجب أن يتربى عليها الدعاة، ولا يتم لهم ذلك إلا بالمجاهدات.
والهمة العالية طريقها واضح؛ فعلى من أرادها أن ينشأ بين يدي أستاذ أو شيخ طموح ذي همة عالية يطمح إلى معالي الأمور، فللقدوة أثرها في تربية النفس.
وعلى هذا ربى الإمام المجاهد ابن تيمية تلميذه ابن القيم الذي لا يفتأ يحمل لشيخه في كتاباته جميل صنعه، وعظيم فضله عليه بعد الله.
ثم عليك بالكتاب والسنة فبهما تتربى النفس على معالي الأمور، وعظائم الأخلاق، وكذلك عليك بالنظر في سير العظماء من أعلام المسلمين، أصحاب الهمم العالية الذين حملوا لواء الدعوة.
همم الرجال
الهمم هي التي تبلغ أصحابها مبلغ الرجال، وهذه أمثلة لها:
ضرب لنا الإمام أحمد بن حنبل مثلًا في الهمة العالية التي تغلبت على المحن، قال أبو سعيد الواسطي: «دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له بعض كلامي يا عبد الله عليك عيال، ولك صبيان وأنت معذور» كأني أسهل عليه الإجابة، فقال لي أحمد بن حنبل: «إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت».
وسمّاه صاحب المنطلق حديث «من استراح» فإن من استراحت هممهم لا يقرون على صعاب الأمور، أما أصحاب الهمم العالية فهمتهم مع الدعوة أينما كانت.
ويروى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان جالسًا إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا، فقال أحدهم: «أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله». فقال عمر: تمنوا، فقالوا: «ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين»، فقال عمر: «ولكني أتمنى رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله».
تلك هي أمنية الرجال.. أصحاب الهمم العالية.
وهذه همة رجل جاء إلى منصب الخلافة وعليه تبعة فقال: إني أعالج أمرًا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره، هذا الرجل هو عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- خامس الخلفاء الراشدين، أحس بالتبعة والأمانة العظيمة، لكنه كان عالي الهمة له نفس عظيمة تستسهل الصعاب فقال: «أيها الناس إن لي نفسًا تواقة ولا تعطى شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وهو الجنة، فأعينوني عليها يرحمكم الله».
فلتكن لك هذه الهمة التواقة إلى كسب الأفراد في صف الدعوة وتتوق إلى بلوغ الهدف فلا تمل ولا تكسل.
وأخيرًا: أضرب لك مثلًا بعلو الهمة في تاريخنا لرجل عرضت عليه ملذات تحط من همته فصرفها وعرف أنها تضر بهمته، هذا الرجل هو عبد الرحمن الداخل «صقر قريش» فقد خرج من البحر أول قدومه إلى الأندلس وأهديت إليه جارية بارعة الجمال فنظر إليها وقال: «إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا شغلت عنها بما هو أهم منها ظلمتها، وإن أنا اشتغلت بها عما هو أهم منها ظلمت همتي، فلا حاجة لي بها الآن، وردها إلى صاحبها».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل