العنوان باكستان .. المدارس الدينية الباكستانية من النشأة إلى محاولات التصفية
الكاتب خدمة ميديا لينك
تاريخ النشر السبت 22-مارس-2008
مشاهدات 65
نشر في العدد 1794
نشر في الصفحة 14
السبت 22-مارس-2008
«جمعية علماء إسلام» لعبت دورًا كبيرًا في إنشائها.. وقد انتشر خريجوها في الدوائر الحكومية والجيش والمؤسسات التعليمية.
الرئيس العام للمدارس الدينية: مدارسنا لم تكن يومًا معقلًا للتطرف ولم تستخدم لبناء عناصر تقاتل الحكومة أو تخرج على الحكام.
مولانا مفتي رفيع عثماني: هناك مخطط غربي للقضاء على المدارس الدينية في باكستان.. تدعمه أمريكا وبريطانيا بـ300 مليون دولار.
أكثر من 15 ألف مدرسة تضم مليوني طالب عملت تحت سمع وبصر الحكومة.. شارك بعض طلابها في مواجهة السوفييت في أفغانستان.
مخاوف من ظهور قوة دينية جديدة تتمثل في طلاب المدارس الدينية الذين يرفعون شعار: «الشريعة أو الشهادة».
انقلاب الحكومة على المدارس الدينية بدأ عقب أحداث سبتمبر 2001م بناء على أوامر المخابرات الأمريكية.
تعد باكستان من أكبر الدول الإسلامية من حيث عدد المدارس الدينية التي شهدت تناميًا ملحوظًا منذ الإطاحة بحكومة «ذو الفقار علي بوتو» في عام ۱۹۷۷م ووصول الجنرال ضياء الحق إلى الحكم الذي دعم المدارس الدينية باعتبارها إحدى قلاع الحفاظ على الهوية الإسلامية في باكستان.
وانطلاقًا من تلك الرؤية رصد نظام ضياء الحق لها ميزانية خاصة، وقام بتوزيع آلاف المساحات من الأراضي الحكومية من أجل بناء المدارس الدينية في العاصمة «إسلام أباد» ومدن أخرى على الجماعات والمذاهب الدينية المختلفة، سواء أكانت للشيعة أم للسنة.
النشأة والمناهج
وقد لعبت «جمعية علماء إسلام» بباكستان دورًا كبيرًا في إنشاء هذه المدارس، وتجلى دور كل من «مفتي محمود» والد «مولانا فضل الرحمن» مفتي باكستان السابق، و«مولانا سرحدي» وهو والد «مولانا سميع الحق» صاحب «المدارس الحقانية».
وهناك بعض الهيئات التي تشرف على المدارس الدينية، فتقوم بتنظيمها وتوحيد مناهجها.. منها:
مؤسسة المدارس السلفية باكستان- الديوبندية.
مؤسسة المدارس الدينية باكستان- أهل الحديث.
رابطة المدارس الدينية باكستان- الجماعة الإسلامية.
تنظيم المدارس العربية باكستان- البريلوية.
مؤسسة المدارس الشيعية باكستان - الشيعة.
وهدفت تلك المدارس- حسب ما ورد في مناهجها- إلى إنشاء دولة باكستان المستقلة في تميزها عن الهند الهندوسية.
وتنتمي أكثر المدارس الدينية إلى جمعية علماء إسلام «مولانا فضل الرحمن ومولانا سميع الحق وغيرهما» ويبلغ عددها نحو ١٥ ألف مدرسة، تضم ما لا يقل عن ١.٥ مليون من طلاب باكستان، ۷۰٪ منهم يتبعون المدرسة الديوبندية التي تقوم على أصلين وهما: الشريعة «الفقه الحنفي»، والطريقة «ضرورة وجود شيخ في التزكية».
وخرجت المدارس الدينية منذ استقلال باكستان عن التاج البريطاني في عام ١٩٤٧م ملايين الطلاب المتخصصين في العلوم الإسلامية، الذين لعبوا دورًا مهمًا في الحفاظ على وضع باكستان المحافظ، وانتشر خريجو تلك المدارس في الدوائر الحكومية والوزارات والجيش والمؤسسات التعليمية، وكان لهم دور مهم في ترك بصماتهم على أجهزة الدولة، ومنعوا تحول باكستان إلى دولة علمانية، كما كان يخطط الحاكم العسكري الأول لباكستان الجنرال «أيوب خان» وخلفه الرئيس «ذو الفقار علي جناح» إلا أنهما فشلا، بعد أن قاد علماء باكستان وطلاب المدارس الدينية مسيرات احتجاج، رافضين أن تتحول باكستان إلى دولة علمانية لا تعمل بالشريعة.
المشاركة في الجهاد الأفغاني
ومع مطلع الثمانينيات وعشية انفجار الجهاد الأفغاني رفض المشرفون على المدارس الدينية إقحام طلابها في القتال، وطالبوهم بالاكتفاء بالعلم والتفقه وحفظ القرآن. وكان من بينهم «مولانا فضل الرحمن» و«مولانا سميع الحق» و«مولانا نظام الدين شامزي» وغيرهم من الرافضين لإرسال طلاب مدارسهم إلى الجهاد.
وفي عام ١٩٧٩م قاد أحد الطلبة واسمه «إرشاد أحمد» الحملة داخل المدارس لحمل الطلاب على مساعدة إخوانهم في الجهاد الأفغاني.
ثم قام «إرشاد أحمد» بجولة على المنظمات الجهادية الأفغانية لمعرفة حاجاتها العسكرية، وأنشأ «إرشاد» أول خلية جهادية داخل جامعة «دار العلوم»، «كراتشي ثم جامعة بنوري تاون في كراتشي»، لتجنيد الطلاب وإرسالهم إلى الجهاد ومساعدة المجاهدين أيام عطلتهم خلال شهري شعبان ورمضان من كل عام..
ثم توسع التيار الجهادي الباكستاني داخل المدارس الدينية، وقاده كل من «إرشاد أحمد» و«سيف الله أختر» وأدى تمرد الطلاب على شيوخهم وعدم الاستماع لهم إلى تغيير العلماء لآرائهم ومواقفهم، لتدريس التربية العسكرية لطلاب مدارسهم.
وفي عام ١٩٨٥م استشهد «إرشاد أحمد» أثناء مشاركته في الجهاد الأفغاني، وكان قبل مقتله قد أنشأ «حركة الجهاد الإسلامي»، وهي أول منظمة باكستانية دينية تحمل السلاح في تاريخ باكستان بعد نحو ٢۰۰ سنة بعد «حركة إسماعيل الشهيد».
واستمر تجنيد طلاب المدارس الدينية بموافقة السلطات الباكستانية التي سعت لإخراج الاحتلال السوفيتي من أفغانستان، ومن حينها أصبحت المدارس الدينية التابعة لـ«جمعية علماء إسلام» أو «المدرسة الديوبندية» ترسل طلابها إلى معسكرات التدريب لتلقي التربية العسكرية، ثم المشاركة في القتال داخل أفغانستان.
ولعبت هذه المدارس أيضًا دورًا في استقبال الطلاب الأفغان الراغبين في التزود من العلوم الشرعية في باكستان على يد كبار علماء التفسير والحديث والفقه في باکستان.
وكان للمدارس الحقانية التي أسسها «مولانا سميع الحق» دور كبير في جلب أغلبية الطلاب الأفغان من بينهم حتى قيادات كبيرة أمثال «مولانا جلال الدين حقاني» و«الملا محمد عمر» و«الملا أحمد متوكل».. وغيرهم.
تحت الرقابة: ورغم أن السلطات الباكستانية لم تكن غير بعيدة عن تأسيس المدارس الدينية، إلا أنها في 20/ 1/ 2002م رأت ضرورة إعادة النظر في موقفها من هذه المدارس، فأعلنت وضع جميع المدارس الدينية تحت الرقابة، وخاصة الجامعات الدينية الشهيرة التي خرجت كبار العلماء والزعماء الدينيين والجهاديين.
وركزت السلطات الباكستانية على مدينة كراتشي التي تضم أكثر الجامعات والمدارس الدينية شهرة في باكستان «٥٠% من مجموع المدارس في كراتشي وحدها».
وكانت السلطات الباكستانية قد طلبت من ۱۰۰۰ مدرسة وجامعة دينية في كراتشي تسليمها قوائم الطلاب المنتسبين إليها، وكذا معلومات عن أسر الطلاب، وعن منهج التعليم المتبع في هذه المدارس.
كما طلبت تسليمها قوائم جميع الطلاب المنتسبين إليها خلال الـ٢٠ سنة الأخيرة.
وركزت السلطات الباكستانية على شريحة الطلاب الذين انضموا إلى الجهاد الأفغاني أيام الاحتلال السوفييتي أو إلى الجهاد الكشميري. ومن المعروف أن السلطات هي نفسها التي نظمت عملية التحاق طلاب هذه المدارس إلى القتال.
وطلبت أيضًا السلطات إعطاءها معلومات حول تمويل الجامعات ومصادر جميع الأموال وخاصة المصادر الخارجية، وذلك وفقًا لمطالب المخابرات الأمريكية- بحسب المراقبين المحليين- التي تبحث عن أسماء معينة داخل المدارس الدينية وخاصة بعض المطلوبين الأجانب.
الطلاب الأجانب
وكانت السلطات الباكستانية قد قررت حظر التحاق الطلاب الأجانب على ١٠ آلاف مدرسة من إجمالي عدد المدارس البالغ ١٥ ألفًا.
وتوفر هذه المدارس «۱۰ آلاف مدرسة» الطعام والمأوى والتعليم لكل أجنبي، لكنها جميعًا تشترط أن يكون الطالب الملتحق بها مقيمًا بشكل قانوني في البلاد، ويملك جميع الأوراق الرسمية التي تسمح له بالتعلم في باكستان، ومن المعروف في هذه الجامعات أن منهج التعليم لم تضعه لها الحكومة بل وضعته الجماعات الدينية بنفسها كمنهج للتعليم.
ومع تطورات الأوضاع الإقليمية والعالمية شنت السلطات الباكستانية حملة ضد الطلاب الأجانب في 20/ 9/ 2003م على كل من جامعة الدراسات الإسلامية «تابعة لجماعة الدعوة» وجامعة أبي بكر «تابعة لجمعية أهل الحديث»، وألقت القبض فيها على الطالب الإندونيسي «قنكك أسمان قنوا» و۱۸ طالبًا آخرين من إندونيسيا وماليزيا، وأبقت السلطات الباكستانية على الطالب «أسمان» واتهمته بتزعم الجماعة الإسلامية الإندونيسية.. متذرعة بتنفيذ تعليمات من الحكومة الإندونيسية.. لكنه تبين فيما بعد أن السفارة لم تكن تعلم أي شيء عن هذا الأمر.
وتقول إدارة الجامعة: إن المقبوض عليه لم تكن له أي علاقة مع أي جماعة مسلحة، بل كان طالب علم لا يؤمن بالعمل المسلح، كما كان جميع الطلاب يحملون الإقامة الشرعية في باکستان بموافقة وزارة التعليم نفسها، إلا أن الحكومة الباكستانية لم تسمح بهذا، وقررت اعتبار جميع الطلاب الأجانب في المدارس الدينية سواء أكانوا قانونيين أم غير قانونيين غير مرحب بهم، وطالبتهم بالخروج من باكستان.
كما أعلنت السلطات الباكستانية أسماء ٢٤ جامعة دينية اتهمتها بأنها تقدم العون للإرهابيين، وتقوم بتهريبهم إلى إيران وبنجلاديش حينما تقوم السلطات بالبحث عنهم.
واعتبرت «جامعة العزيزية» و«الجامعة العربية أحسن العلوم» و«الجامعة القاسمية الهاشمية» و«الجامعة الإسلامية مخزن العلوم» و«جامعة بنوري تاون» و«جامعة الرشيد» و«جامعة إمام باركاه خير العمل» و«جامعة الإمام الصادق» هي الجامعات المطلوب تطويقها وتضييق الخناق عليها، لكن محاولة إلصاق تهم الإرهاب بها جميعًا باءت بالفشل.
أزمة المسجد الأحمر
ويعتبر المراقبون أن استغلال حكومة مشرف أخطاء «جامعة حفصة» والمسجد الأحمر- اللذين كان يدرس فيهما ما لا يقل عن ١٥ ألف طالب وطالبة، وشن عمل عسكري خلف ما لا يقل عن ألف قتيل من الطلاب والجنود- هو محاولة لتخويف المدارس الدينية وعلماء الدين، وبداية مرحلة جديدة للتعامل مع هذه المؤسسات التعليمية لحملها على الارتماء في أحضان الحكومة.. وكانت الحكومة قد دعت- بعد هذه الهجمة العسكرية- جميع المدارس إلى البقاء كمؤسسات تعليمية بعيدة عن السياسة والتشدد..
ليست بؤرًا للتطرف
وحول الترويج لاتهام المدارس الدينية بأنها مأوى للإرهاب، قال الرئيس العام للمدارس الدينية في باكستان «مولانا سليم الله خان» في تصريح خاص لـ«المجتمع»: هذه المدارس لم تكن يومًا معقلًا للتطرف، ولم تستخدم لبناء عناصر تقاتل الحكومة أو تخرج على الحكام، ولدينا منهج واحد يعلم الاعتدال والدين الصحيح، ولم ندع طلابنا أبدًا إلى السياسة، أو إلى تدريبهم على القتال.
وأضاف: كان زمن الجهاد الأفغاني استثناء حرضتنا عليه الحكومة نفسها، لكننا اليوم تغيرنا ولم نعد نشجعهم على التدريب العسكري، بل نريد أن ننشئهم على الإسلام وشريعته وندربهم على معرفة العلوم العصرية ليس بين مدارسنا متطرفون ولا متشددون، ولن نسمح لأحد بتحويلها عن الهدف المنشود لها.
وأوضح: جامعة حفصة والجامعة الفريدية كانتا استثناء حاولنا حمل رئيسها «مولانا عبد العزيز» على عدم استخدام الطلاب للشؤون السياسية أو مواجهة الحكومة، لكنه اجتهد وأخطأ.
مؤامرة غربية
ويقول مفتي باكستان مولانا مفتي رفيع عثماني: إن هناك نية غربية للقضاء على المدارس الدينية في باكستان، من قبل جهات خارجية طالبت الرئيس مشرف، بذلك ورصدت هذه الجهات أكثر من ٣٠٠ مليون دولار، خاصة بريطانيا وأمريكا، ووضعت خطة تقوم على إضافة المناهج العصرية إليها، ثم فتح أبواب الاختلاط داخلها، ثم فرض علماء حكوميين عليها، ثم النهاية شعور بالنفور منها ومغادرتها، ومن ثم القضاء على رسالتها.. إذ إن المدارس الدينية في عالمنا الإسلامي لم يبق لها من دور سوى في باكستان بالدرجة الأولى، وأقل في الهند وبنجلاديش.. وما نرغب فيه اليوم ألا نعطي لخصومنا الفرصة للتدخل في شأننا وفرض المزيد من الضغوط على الحكومة الباكستانية.
النشاط الخيري والإنساني: قام طلاب المدارس الدينية الذين اختاروا مجال العمل الخيري والإنساني بالانضمام إلى كل من منظمة «الأختر ترست» ومنظمة «الرشيد تراست» التي أعلنت عن نفسها في نهاية عام ۱۹۹۸م. وكان علماء دين- سبق لهم العمل في المدارس الدينية- قد أعلنوا تشكيل منظمات خيرية للمساهمة في العمل الإغاثي والخيري في باكستان وأفغانستان وكشمير وغيرها.
فقد أعلن «مولانا أختر» إنشاء منظمة «الأختر» ودعا طلاب المدارس الدينية للعمل التطوعي فيها والابتعاد عن السياسة وغيرها، كما دعا «مولانا رشید طلاب المدارس الدينية إلى القيام بدورهم في عمل مؤسسته التي تسمى «مؤسسة الرشيد» سواء داخل باكستان أو في أفغانستان، وكانت المنظمتان قد لعبتا دورًا كبيرًا في عهد حكومة «طالبان»، حيث قدمت مساعدات إنسانية كثيرة للأفغان المتضررين من الحروب.
وفي عام ٢٠٠٢م، أعلنت الولايات المتحدة حظر هاتين المنظمتين، واعتبرتهما واجهة لعمل طالبان والقاعدة في باكستان، واستجابت الحكومة الباكستانية للضغوط الأمريكية وأمرت بمنع نشاطهما.
وفي عام ٢٠٠٣م تمكنت المنظمتان من كسب قضيتهما في المحاكم، حيث لم تثبت عليهما أي تهمة بالضلوع في أعمال الإرهاب أو التعاون مع بن لادن والملا عمر.. ولم يعجب هذا القرار الأمريكان الذين اعتبروا أعضاء المنظمتين من طلاب المدارس الدينية «عناصر إرهابية» يمولون الإرهاب ويدعمونه.
وفي بداية عام ۲۰۰۷م، أعلنت باکستان من جديد عدم شرعية المنظمتين وأغلقت مكاتبهما، حيث أصبحتا تمثلان العنصر الأكثر نشاطًا في باكستان بعد العمل الحكومي، وظهر ذلك بكل وضوح في كارثة الزلزال وكوارث أخرى.
المواجهة والمجابهة: في نهاية عام ٢٠٠٦م، أعلن أحد خريجي جامعة دار العلوم في كراتشي وخطيب المسجد الأحمر في إسلام آباد، ومدير جامعتي الفريدية وحفصة «مولانا عبد العزيز غازي» أنه لا يمكن لطلاب المدارس الدينية أن يبقوا متفرجين على ما يدور في بلادهم من أحداث، وأن مهمتهم ليس فقط التزود من العلوم الشرعية ثم البحث عن وظائف عمل في المساجد بعد تخرجهم، بل إن مهمتهم أقدس من ذلك وهي العمل على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية التي أنشئت باكستان من أجلها.
وشرع «مولانا عبد العزيز» منذ بداية عام ٢٠٠٧م، في تنظيم طلابه وحثهم على القيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأدخل طلابه البالغ عددهم ١٣ ألفًا- من بينهم ثلاثة آلاف طالبة- في مواجهة مع الحكم، خاصة بعد أن أعلن ميثاق تطبيق الشريعة المكون من ٦٠ مادة يتضمن إنشاء محكمة شرعية في المسجد الأحمر، ورجال الأمر بالمعروف من الطلاب والطالبات، إلى جانب إعلان الحرب على أوكار الفساد الأخلاقي في عاصمة البلاد، والقبض على المتورطين في ذلك.
واستمر زعيم الجامعة الفريدية وجامعة حفصة في تعبئة طلاب مدارسه «١٥ مدرسة دينية» وحثهم على مواجهة الفساد والقبض على عدد من رجال الأمن.. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير قيام طلاب الجامعة باختطاف صينيين كانوا يعملون في أحد محلات المساج «التدليك» في العاصمة إسلام أباد في يونيو ٢٠٠٧م، الأمر الذي أثار حفيظة الحكومة ودفع بها إلى مواجهة عسكرية استخدمت فيها ١٣ ألف عسكري وشرطي في ٤ يوليو ٢٠٠٧م.. وانتهت المواجهات بين الجيش والمدرسة الدينية بتدميرها بالكامل، ومقتل ما لا يقل عن ۱۳۰ شخصًا من بينهم ١١ عسكريًا والبقية من طلاب وطالبات المدرسة.. واعتبر المراقبون هذه الحادثة منعطفًا خطيرًا دخلت فيه باكستان مع طلاب المدارس الدينية الذين يزيد عددهم عن مليوني طالب وطالبة، وتحولت علاقات الحكومة من استيعابهم واحتوائهم لمصالح قومية وإستراتيجية في الماضي إلى اعتبارهم خصومًا لها قد يثيرون كثيرًا من المشكلات.
الحركة الطلابية الفريدية وفي شهر أغسطس الماضي، أعلن طلاب جامعتي حفصة والفريدية عن إنشائهم تنظيمًا طلابيًا باسم «الحركة الطلابية الفريدية»، وذكروا أنه سيكون مظلتهم السياسية والشعبية للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية واسترجاع حقوقهم المسلوبة، وإعادة بناء جامعة حفصة، واسترجاع المسجد الأحمر.. وكان أول ظهور لهذه الحركة الطلابية عندما فتحت السلطات الباكستانية المسجد الأحمر للمصلين في نهاية يوليو ٢٠٠٧م، فقاموا بالسيطرة على المسجد وطردوا الخطيب الذي عينته الحكومة، ولم يكتفوا بذلك بل طردوا حتى زعماء مجلس العمل والجماعة الإسلامية وجمعية علماء إسلام من المسجد، الأمر الذي فسره المراقبون بأنه بداية ابتعاد طلاب المدارس الدينية عن الجماعات الإسلامية واستقلاليتهم في اتخاذ قراراتهم، وهو ما أقلق بالفعل زعماء التيار الباكستاني المعتدل الذي يمثل الجماعات الدينية في البرلمان والحكومة.
وثارت مخاوف من أن تظهر قوة دينية جديدة في باكستان تتمثل في طلاب المدارس الدينية الذين يتبنون شعار: «الشريعة أو الشهادة» وهو ما تحقق بالفعل من خلال أول صدام بين الطلاب والحكومة في يوليو ٢٠٠٧م.. وسيكون هذا التحرك الطلابي بداية انشقاق داخل التيار الديني الباكستاني، وسيكون أكبر الخاسرين فيه هم علماء «المدرسة الديوبندية» الذين ينظمون أنفسهم تحت اسم «جمعية علماء إسلام» سواء التابعة لمولانا «فضل الرحمن» أو مولانا «سميع الحق» وقد يضع التيار الديني برمته في وضع لا يحسد عليه.
ويؤيد سكان القبائل الباكستانية هذه الحركة: وأعلنوا تعاطفهم ومساندتهم لهذه الفكرة الأمر الذي سيزيد من المشكلات في باكستان.. ويتعاطف مع الحركة الفريدية عدد من المدارس الدينية في كبرى المدن الباكستانية وعلى رأسها «لاهور» و«كراتشي»، مما قد يسهل مهمة تنظيم صفوف طلاب المدارس من أجل الشريعة أو الشهادة.. وقد يظهر بعد هذا عدد جديد من جامعات حفصة والمسجد الأحمر، وقد تقع مواجهات عديدة، لأن نظرية هذه الحركة الطلابية هي الشريعة والعمل لها ثم مواجهة الحكم بمختلف وسائل القوة، وهو ما يعني تدهور الوضع وحدوث مواجهات دموية خطيرة، خاصة بعدما أعلن طلاب المسجد الأحمر أنهم سيواصلون المضي في طريق زعيمهم «عبد الرشيد غازي» الذي قتل في المواجهات، وأنهم لن يهدأوا حتى يتحقق حلمهم في تنفيذ وصيته.