العنوان انهيار استراتيجية التجنيد الأمريكية أمام المقاومة العراقية
الكاتب علي حسين باكير
تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2005
مشاهدات 59
نشر في العدد 1664
نشر في الصفحة 24
السبت 13-أغسطس-2005
لقد بدأت دائرة تأثيرات المقاومة العراقية على الأمريكيين تتسع، ووصلت تردداتها هذه المرة إلى الداخل الأمريكي، فلم تكتف بإثارة موضوع ضرورة انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية من العراق، وإنما سلطت الضوء على مشكلة جديدة من نوعها تتمثل في عدم قدرة أقوى بلد في العالم على تعبئة جنودها لدفعهم إلى قلب المعركة.
الدراسات العسكرية: عامل الخوف يبقى أساسيًا في تردد الشباب
- نظام الحوافز لم يعد مجديًا لجذب المتطوعين.. والبنتاجون عمد إلى معالجة الأزمة بتقديم مكافآت وقروض مالية كبيرة.
- تعرض وزارة الدفاع ما يصل إلى ٢٠ ألف دولار كمكافأة مالية للمنضمين الجدد وتغطية مصاريف التعليم بما قد يصل إلى ٦٠ ألف دولار.
هيكل الجيش الأمريكي: تتكون القوات المسلحة الأمريكية من أربعة أفرع رئيسة، هي: الجيش، والقوات البحرية، والقوات الجوية، وقوات المارينز، وجميعها تابعة هرميًا لوزارة الدفاع، ويبلغ إجمالي عدد القوات المسلحة الأمريكية 1,4 مليون جندي عامل مقابل 2,1 مليون جندي عامل عام ١٩٩٠م، هذا بالإضافة إلى 1,2 مليون جندي من الاحتياط والحرس الوطني.
ويتألف الجيش الأمريكي من وحدات عاملة، ووحدات الاحتياط، والحرس الوطني، وتتوزع أعمال كل منهم بين العمليات العسكرية، والمهمات اللوجستية حتى 3٠ سبتمبر ٢٠٠٤م شكل الجيش الأمريكي نسبة 35% (500.000)جندي من إجمالي القوات الأمريكية، فيما تبلغ موازنته حوالي ۹۷ بليون دولار فقط مقارنة بالقوات الجوية أو البحرية التي تصل إلى ١٢٠ بليون دولار، ويعاني هذا الجيش من الإنهاك نتيجة لامتداداته العسكرية في مختلف بقاع العالم، وينتظر الجنود عودتهم إلى الوطن بفارغ الصبر في ظل إمكانية صدور قرارات إدارية تسمح بتمديد مهامهم رغم انتهاء مدتها.
عدم القدرة على التعبئة والتجنيد: من المعروف أن الجيش الأمريكي يعتمد أساسًا على نظام التطوع منذ عام 1973م، ويبدو أن هذا النظام لم يعد مجديًا منذ الحرب على أفغانستان والعراق، فيحسب تقرير واشنطن (العدد الخامس الصادر في 7 مايو ٢٠٠٥م) فإن الجيش الأمريكي يهدف إلى ضم 80.000 جندي جديد قبل شهر سبتمبر من هذا العام، فيما يشكل زيادة قدرها 6,200 جندي عن متطلباته لعام ٢٠٠٤م، لكن المؤشرات لا تبدو إيجابية حتى شهر مايو من العام الحالي، ويظهر الجدول التالي نقص عدد المنضمين الجدد للجيش الأمريكي عن العدد الإجمالي الذي كان من الواجب تحقيقه.
الشهر | العدد المستهدف | العدد المحقق | نسبة العجز |
فبراير | 7.050 | 5.144 | 27% |
مارس | 6.800 | 3.850 | 32% |
أبريل | 6.600 | 8.213 | 42% |
ويبدو أن عدة عوامل كانت وراء عدم القدرة على هذه التعبئة، نستنتج منها ما يلي:
١- حجم الخسائر المادية والبشرية الكبيرة في الجيش الأمريكي في العراق (يمكنكم مراجعة موقع Iraq Coalition Casualties على الرابط التالي http://icasualties.Org/oif وهو يعتمد في إحصاءاته على مصادر أمريكية رسمية وغير رسمية إضافة إلى الانقسام الحاصل في الولايات المتحدة سواء في صفوف القادة أو الرأي العام حول جدوى الحرب في العراق ومدى قوة المقاومة العراقية.
٢- الهزيمة النفسية التي تنتشر بين المجندين الأمريكيين بعد أن كانوا يظنون أن جيشهم يقوم بنزهة في بلدان العالم الثالث، وأن الأمر لا يعدو كونه تمرينًا لهم طالما تمرسوا عليه، وأن التكنولوجيا والقوة البرية والبحرية والجوية إلى جانبهم، وإذ بهم يتفاجؤون بأن إنسانًا عاديًا لا يرتدي سوى ثوب ممزق (دشداشة) ويحمل گلشن لا يتعدى ثمنه عشرات الدولارات قادر على قتل عدد من الجنود الأمريكيين يكلف كل واحد منهم حوالي 3٠ ألف دولار ما بين تجهيز وتسليح وتدريب وحماية، مما أدى إلى انتشار نوع من الصدمة بينهم وبالتالي تفشي الهزيمة النفسية.
3- عدم الإيمان بعدالة القضية، فهناك الكثير من الجنود لا يرون فيها حربًا عادلة وقد خبروها في الفترة الأولى من خدمتهم، لذلك ما إن انتهى عقدهم حتى رفضوا العودة للخدمة من جديد، ويقول أحد الجنود في هذا الصدد ويدعى جوشوا كاي من مواليد عام ١٩٧٨م في غوتري في أوكلاهوما: «أزور الطبيب وأعاني من اضطراب نفسي وقلة النوم ليلا ومن كوابيس عديدة، وأحيانًا من هلوسات تعيدني فورًا إلى العراق هذا لا يختفي أبدًا، يحتاج الأمر مع الأسف إلى سنوات عديدة حتى تخرج أمريكا من تنويمها المغناطيسي وحتى تظهر الحقيقة حول الأعمال الوحشية التي تحدث في العراق، أنا لست ضد الحرب بالمطلق، أعتقد أن هناك حروبًا عادلة لكن ليست هذه الحرب».
وبحسب تقرير واشنطن، فإنه ومنذ بدء الحرب في أفغانستان والعراق وهناك تضارب في المعلومات حول مبرراتها، وقد تحول تدريجيًا هذا النقص العددي في الالتحاق بالجيش إلى أزمة ثقة من الشباب الأمريكي في الحكومة الأمريكية في أحد أبعادها، ويقول شاب أمريكي رفض ذكر اسمه: «لن أنضم للجيش إذا كان يعني هذا ضرورة الذهاب للعراق لماذا أخاطر بحياتي من أجل قضية سياسية بالأساس»؟
وبدأ عدد المنضمين إلى الجيش في الانخفاض منذ التسعينيات من 89,600 في عام ١٩٩٠م إلى 62.9000 في عام ١٩٩٥م وارتفع هذا العدد قليلًا إلى 82.100 في عام ١٩٩٧م، قبل أن ينخفض مجددًا إلى 68.200 سنة ١٩٩٩م، وارتفع مجددًا إلى 80.000 بعد جهود توظيفية مكثفة عام ٢٠٠٠م.
لكن تراجع هذا العدد بنحو ۱۲% بين ۲۰۰۱ و ٤ ٢٠٠ مع بدء العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق. كما تقلص أيضًا عدد الجنود من الأمريكيين السود حيث كانت النسبة 15.9% في سنة ٢٠٠٤م فيما تراجعت إلى 13.9% خلال الشهر الأول من ٢٠٠٥م، علاوة على ذلك يأمل الجيش في زيادة نسبة مشاركة النساء في صفوفه بعدما انخفضت أعدادهن من ٢١% في عام ٢٠٠٠م إلى 19.2% في ٢٠٠٤م، خاصة بعد مقتل ٢٢ منهن على الأقل في العراق، وتشير الدراسات العسكرية إلى أن عامل الخوف يبقى أساسيًا في تردد الشباب وهو يعادل اليوم ضعف الخوف الذي كان موجودًا في عام ٢٠٠٠م.
عمدت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) أمام الوضع الحالي إلى اتخاذ عدد من الإجراءات في محاولة منها لمعالجة الأزمة، وكان من بين هذه الإجراءات تقديم مكافآت مادية كبيرة للمتطوعين، وتقديم قروض مالية كبيرة وسداد مصاريف الجامعة والتعليم، ومنح الجنسية الأمريكية لكل من يشترك في القتال في الجيش الأمريكي.
1- فيما يتعلق بالمكافآت المالية ومصاريف التعليم تعرض وزارة الدفاع ما يصل إلى 20.000 دولار كمكافأة مالية للمنضمين الجدد، وتغطية مصاريف التعليم بما قد يصل إلى 60.000 دولار بالإضافة إلى ما قد يصل إلى 150.000 دولار كحوافز لبعض المنضمين لوحدات العمليات الخاصة ويتمتعون بمؤهلات غير عادية، لكن معظم الذين كانوا يتوقعون الاستفادة من هذه الميزات لم يتوقعوا أن يتم استدعاؤهم إلى ساحة المعركة في العراق واعتقدوا أنهم سيظلون جزءًا من الحرس الوطني في الولايات المتحدة، لكن بعد أن تم نقلهم إلى العراق وخبروا المعارك بأم عينهم أدركوا أن هذه المحفزات ما هي إلا فتات مقارنة بما يلقونه من احتمالات الموت أو الإصابة بعاهات نفسية وجسدية... إلخ. فانسحب معظمهم عند انتهاء عقده، وفر جزء منهم فيما بقي الجزء القليل.
وفي هذا يقول السيرجنت «سکوت إيونغ» الموجود في العراق: مثل جميع الموجودين هنا دخلت الحرس الوطني لأتمكن من الالتحاق بالدراسة الجامعية المجانية ولمدة خمس سنوات كنا نريد البقاء في لويزيانا على أمل الحصول على عمل مدني أو الدراسة في نفس الوقت ويقول آخر: كنت في حانة للشرب عندما اتصلوا بي في البداية اعتقدت أن الأمر مجرد مزحة لكن تبين لي فيما بعد أن الأمر غير ذلك تمامًا، والمال ليس بأي حال من الأحوال عاملًا محفزًا كافيًا للجنود.. ويقول السرجنت فيغو: «طالما أنا سيرجنت أحصل على ٢٥٠٠ دولار شهريا هنا».
٢- فيما يتعلق بمنح الجنسية بحسب البنتاجون فإنه يوجد أكثر من 3٢٠٠٠ أجنبي يخدمون في الجيش الأمريكي، ويشكل هؤلاء من القوات الأمريكية ومعظمهم من أمريكا اللاتينية، ويشكل حب المغامرة أو المشاعر الوطنية عوامل أقل أهمية بالنسبة لمعظمهم عندما ينضمون للجيش مقارنة بالميزات التي يوعدون بها وهي تحمل الجيش لمصاريف تعليمهم، والأهم من ذلك منحهم الجنسية الأمريكية.
وفي نوفمبر ٢٠٠٣م وقع بوش قانونًا يخفض معاملات الحصول على الجنسية الأمريكية من ثلاث سنوات إلى سنة واحدة بعد فشل الإغراءات السابقة، وفي العام الماضي حصل 7.500 جندي على الجنسية بفضل هذه السياسة، وهي النسبة الأعلى منذ حرب فيتنام، ويمنح مسؤولو الهجرة الجنسية خلال احتفالات تجرى داخل المراكز العسكرية، وذلك على الرغم من انتقادات المجموعات المحافظة التي تخاف من انعكاسات ارتفاع عدد الأجانب على الجيش، ولكن المفاجأة كانت انخفاض عددهم بشكل متواصل منذ خمس سنوات حيث تقلص حوالي ٢٠% بين عامي ٢٠٠١ و ٢٠٠٤م، وفقًا لمعلومات عسكرية.
([1]) باحث أردني مقيم في لبنان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل