العنوان بريجنيف.. انفتاح أيديولوجي.. واقتصادي أم هزيمة.. للفلسفة الشيوعية؟
الكاتب المحرر الاقتصادي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1973
مشاهدات 11
نشر في العدد 149
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 08-مايو-1973
يبدو أن «ليونيد بريجنيف» قد كسب الجولة في روسيا، وقمع كل خصومه السياسيين الذين كانوا يعارضون سياسته في الانفتاح على أمريكا وأوروبا. ولا نستطيع، كما يزعم المحللون السطحيون للأحداث، أن نقول: إن هذا الانفتاح السياسي والاقتصادي، الذي نجح فيه بريجنيف، كان بتأثير زيارة الرئيس الأمريكي نيكسون لموسكو، ولقائه التاريخي المعروف «لبريجنيف»؛ فهذا، فضلًا عن كونه يتعارض مع النظرة الماركسية نفسها لتطور الأحداث، هو نوع من السذاجة في التفكير... وبالتأكيد توجد عوامل كثيرة دفعت روسيا إلى البحث عن هذا الانفتاح والجري خلفه، بدليل الضربات الساحقة التي كانت أمريكا تكيلها للثوار الفيتناميين الموالين للروس إبان الزيارة نفسها، وقبيلها بقليل... لكن الروس تمسكوا بالزيارة... ويبدو أنهم خضعوا تقريبًا لكل خريطة العمل التي اقترحها الرئيس الأمريكي... بحثًا عن هذا الانفتاح... وبحثًا عن النجدة الاقتصادية وشحنات القمح...
ولم يقف الأمر عند انفتاح اقتصادي نتيجة
الهبوط الغريب في إنتاج القمح في روسيا، وانخفاض معدلات الإنتاج الزراعية، واحتمال
تعرض الشعوب السوفيتية لخطر مجاعات من نوع مجاعات الهند بعد انهيار أحلام النظرية
الماركسية في وجود عالم «من كل قدر طاقته، ولكل قدر حاجته»!
لم يقف الأمر عند هذا الانفتاح الاقتصادي، بل
تبعه انفتاح «أيديولوجي» أيضًا...
وهذا أخطر ما يواجه النظرية الماركسية... التي
تعتبر قد فقدت دورها التاريخي خلال نصف قرن من بروزها... فضلًا عن المآسي التي
سببتها للبشرية، والملايين الذين سحقتهم، ثم وصلت بهم إلى أغرب تراجع في
التاريخ... إلى استجداء العدو التاريخي الرأسمالي...
والحق أن بريجنيف ليس أول من حاول تعرية
النظرية الماركسية والحركة الشيوعية من جدواها وقيمتها، وليس بريجنيف كذلك... أول
من استجدى الأمريكان... فمن قبله... فعل ذلك «ستالين»... الذي كان له فضل سحق خمسة
ملايين نفس بشرية من الروس باسم الشيوعية... لكنه كان يستجدي كذلك -أمريكا
الرأسمالية، ومن قبل بريجنيف –أيضًا– خروشوف... الذي أعلن أنه ما لم يزد إنتاج
القمح فإن النظرية الماركسية تعتبر نظرية لا جدوى لها... فلما نقص إنتاج القمح...
وهم الرجل بالتطوير واقتلاع النظرية من جذورها... اقتلعته الأيدي الحديدية... وكان
بريجنيف من جملة مقتلعيه... ثم ها هو بريجنيف نفسه يقتلع النظرية من جذورها ساحقًا
كل خصومه السياسيين والأيديولوجيين و«الرجعيين».
ولقد نقلت الصحف والمجلات الغربية معلومات
هامة صادرة عن موسكو تفيد أن قبضة النظام الشيوعي قد تراخت على وسائل الإنتاج
والزراعة والاقتصاد، فضلًا عن إعلان «الكرملين» تخفيضه الرقابة البيروقراطية على
وسائل الإنتاج ومديريه والقائمين عليه...
ومن أغرب ما يلفت النظر في الانفتاح
الأيديولوجي الشيوعي الجديد هو صدور قرار بضم المؤسسات الصناعية ذات الإنتاج
المتشابه في اتحادات صناعية كبرى هي أشبه ما تكون «بالكارتيلات» الأمريكية -التي
هاجمها الروس كثيرًا- ومن الغريب كذلك أن أوامر صدرت بإنشاء مجالس لهذه
«الكارتيلات» مخولة بكل الصلاحيات اللازمة لرفع مستوى الإنتاج «بعيدًا عن كل العقد
الماركسية».
ولقد أثبتت التحليلات السوفيتية الأخيرة أن
إنتاج العامل الروسي يقل عن نصف إنتاج زميله الأوروبي أو الأمريكي... ويحاول الروس
علاج هذا الوضع بابتعاد أيديولوجي أيضًا عن العقد الماركسية؛ إذ إنهم فتحوا باب
المكافآت التشجيعية على مصراعيه، لدرجة توزيعهم مكافآت خاصة على كل عمال بعض
المعامل والمصانع ذات المعدلات الأعلى في الإنتاج..
ومما هو جدير بالذكر أن خط الانفتاح
الأيديولوجي والاقتصادي قد أصبح حقيقة من حقائق المجتمع السوفيتي... وأملًا من
آمال الشعب المسحوق... منذ الخمسينيات.. أي منذ فتحت روسيا عينيها على العالم بعد
فترة «السور الرهيب».
ولم تصمد النظرية الماركسية أمام نوافذ
الحياة، وأمام الصراع الأيديولوجي العالمي يومًا واحدًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل