; الجزائر.. فرنسا.. إيران.. المجتمع المدني يلعب الدور الأساسي في تحديد الخارطة السياسية | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر.. فرنسا.. إيران.. المجتمع المدني يلعب الدور الأساسي في تحديد الخارطة السياسية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1997

مشاهدات 74

نشر في العدد 1257

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 08-يوليو-1997

جرت العادة سياسيًا أن يكون فصل الربيع هو فصل المحطات الانتخابية المهمة في العديد من البلدان «المتقدمة» و«النامية» وفي مثل هذه المناسبات تهب الشعوب بنسب متفاوتة للمشاركة في العملية الانتخابية تحفزها إرادة عميقة في التغيير والمشاركة في صنع القرار السياسي.

وفي فصل الربيع الحالي عاشت شعوب عديدة أجواء الانتخابات على كل المستويات المحلية والبلدية كما هو الحال في المغرب الأقصى، والتشريعية كما هو الحال في الجزائر وفرنسا، والرئاسية كما هو الحال في إيران.

ويجدر التوقف عند الانتخابات في كل من الجزائر وإيران وفرنسا والقيام بقراءة مقارنة للعملية الانتخابية في هذه البلدان، واختيار هذه البلدان الثلاثة يعود إلى الوزن الإستراتيجي في المحيط الإقليمي والدولي لكل منها، فهي تشكل ثقلًا بشريًا وموقعًا جغرافيًا وبعدًا تاريخيًا، وكل تحول أو تغيير سياسي داخلها يؤثر على المنطقة الإقليمية المحيطة بها.

 فالجزائر بلد الثلاثين مليون نسمة أو أكثر تشهد مخاضاً سياسياً منذ ۱۹۸۸م، تاريخ أحداث أكتوبر التي برهنت على الغضب الشعبي المتراكم جراء الأحادية السياسية على مدى أكثر من ثلاثة عقود وزاد الأمر تعقيدًا عندما تم توقيف المسار الديمقراطي بشكل قسري ودخلت البلاد في جحيم العنف.

الإسلاميون والبرلمان الجزائري:

وتأتي الانتخابات التشريعية الأخيرة في ظل هذه الأزمة السياسية المشفوعة بالأزمة الاقتصادية الخائفة وهناك قناعة لدى الرأي العام في الداخل ولدى المراقبين في الخارج بأن هذه الانتخابات لن تحل الأزمة المتجذرة لعدة عوامل أهمها استمرار المكونات الأساسية للأزمة مثل سيطرة المؤسسة العسكرية على السلطة وإقصاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لكن على الرغم من كل ذلك تبقى مؤشرات الحل السياسي قائمة، ولعل مشاركة حركات إسلامية مثل حركة مجتمع السلم حماس والنهضة في البرلمان الجزائري الحالي تلعب دورًا في دفع السلطة العسكرية نحو مسار التصالح والوفاق وذلك أن التعددية التي يشهدها البرلمان الحالي تبقى منقوصة بوضعها القائم، وخاصة أن رئيس الدولة يمسك بمقاليد صنع القرار بما في ذلك المستوى التشريعي باعتبار أنه يمثل المرجعية الأساسية في عملية التشريع.

ولئن كانت النتائج التي أعلن عنها مرتقبة وفوز حزب الرئيس زروال «التجمع الوطني الديمقراطي» بأكثرية الأصوات مسألة مؤكدة، فإن الأمر الجديد السجل في هذه المحطة الانتخابية هو مشاركة الإسلاميين بأكثر من ١٠٠ مقعد في البرلمان ومهما كان دور هؤلاء في صنع القرار على المستوي التشريعي، فإن مجرد دخولهم إلى البرلمان يعد حدثًا على صعيد المنطقة المغاربية، ففي الجارة تونس، يعتبر هذا الوضع الجزائري من قبيل الحلم البعيد، حيث يعيش إسلاميو حركة النهضة التونسية إما في المعتقلات والسجون أو في المنافي، وحتى المعارضة المعترف بها رسميًا مثل: حركة الديمقراطيين الاشتراكيين تعاني قيادتها من المحاصرة ويعيش زعيمها محمد مواعدة في الإقامة الجبرية بعد خروجه من السجن الشيء الذي يفسر الخرج الكبير الذي سببته مشاركة أطراف إسلامية جزائرية في البرلمان للنظام المجاور، وينتظر أن يكون للانتخابات الجزائرية انعكاسات على المستوى الإقليمي بما في ذلك خارج المنطقة المغاربية على مستوى جنوب حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العلاقة بين الشمال والجنوب.

ولعل التحول الكبير الذي شهدته فرنسا سياسيًا يهيئ المنطقة لمفاجآت مهمة، فقد عاشت فرنسا بدورها انتخابات تشريعية فريدة من نوعها، فمنذ الدورة الأولى للانتخابات برز ميزان قوي جديد لصالح اليسار تكرس في الدورة الثانية وأفرز تعايشًا بين رئيس ديجولي يميني وحكومة بسارية برئاسة ليونال جوسیان زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي سابقًا.

ودخلت فرنسا مرحلة جديدة في تاريخها السياسي، إذ يؤكد المراقبون على أن تجربة التعايش الحالية التي من المفروض أن تتواصل خمس سنوات ستضع فرنسا في مرحلة تحول من الجمهورية الخامسة التي بدأها شارل ديجول واتسمت بقوة السلطة العليا بيد رئيس الجمهورية إلى بداية الجمهورية السادسة التي يبدو من سماتها أن رئيس الدولة يضعف دوره ويبقى رمزًا معنويًا لسيادة الدولة في حين تقوى دور رئاسة الحكومة على الطريقة البريطانية والعديد من الدول الأنجلو ... ساكسونية.

وبدون شك فإن مثل هذا التحول سيؤثر على مستقبل فرنسا السياسي وعلى موقعها كبلد أوروبي، وكقوة سياسية تاريخية ذات وزن بشري يقارب ٦٠ مليون نسمة.

وأمام التحديات المتصاعدة داخليًا، ترجع الإدارة الفرنسية أسلوب الشراكة الذي تعتمده مع عدة بلدان مثل البلدان المغاربية على نظام العولمة الذي يفرض في النهاية تصورًا أمريكيًا عالميًا في التعامل الاقتصادي والسياسي أما نظام الشراكة فإنه ينطلق من أساس الندية في التعامل بعيدًا عن كل إرادة فوقية للهيمنة أو للسيطرة.

ويتزامن هذا التوجه مع تحول في منطقة الشرق الأوسط والخليج نحو تكريس التعامل مع القطب الأوروبي وفرنسا على وجه الخصوص من أجل محاصرة نزعة الهيمنة الأحادية الأمريكية، ولعل نتائج الانتخابات الرئاسية في إيران وانتخاب خاتمي تكرسان هذا التوافق في هذه المرحلة العصيبة من عملية التسوية المزعومة في الشرق الأوسط فقد سجلت وسائل الإعلام ودوائر القرار في الغرب التحول الإيجابي في إيران بعد انتخاب خاتمي رئيسًا للجمهورية الإيرانية وتوقع مزيدًا من انفتاح طهران على محيطها ومراجعة لعلاقاتها مع الغرب.

 وتعتبر قضية إشراك المجتمع المدني «تصاعد دور المجتمع المدني» هي القاسم المشترك للعملية الانتخابية في البلدان الثلاثة موضوع الدرس فالمجتمع المدني بكل مكوناته نزل بنقله من أجل توجيه الخيارات السياسية في الاتجاه الذي يخدم المصلحة العامة، وقد كان هذا الدور بارزًا بشكل واضح في كل من إيران وفرنسا، فقد تمكن الرأي العام من تغيير موازين القوى حسبما تقتضيه المصلحة فكانت للشعب كلمة الفصل في اختيار الرئيس المعبر عن الانفتاح والاعتدال في إيران كما جسم الشعب الفرنسي مسألة تحديد الخارطة السياسية التي ستدخل فرنسا في الألفية الثالثة في إطار من التوازن السياسي بين اليمين واليسار من أجل تقريب الهوة بين الأغنياء والفقراء ومزيد من العدالة الاجتماعية.

أما في الجزائر، فإن المجتمع المدني لعب دوره في إيجاد نوع من التوازن السياسي والدافع في اتجاه الحل السياسي السلمي للأزمة الجزائرية الحالية، لكن العقلية الأحادية لدى المؤسسة العسكرية حالت دون إتمام الدور فهي عقلية يصعب تجاوزها بسهولة وستبقى العقبة الأساسية أمام استكمال مسار التعددية.

الرابط المختصر :