; الإنتخابات الرئاسية في الجزائر : نموذج في مواجهة مشروع الشرق الأوسط الكبير | مجلة المجتمع

العنوان الإنتخابات الرئاسية في الجزائر : نموذج في مواجهة مشروع الشرق الأوسط الكبير

الكاتب فاروق أبو سراج الذهب

تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004

مشاهدات 71

نشر في العدد 1598

نشر في الصفحة 36

السبت 24-أبريل-2004

siraj11@maktoob.com

كشفت الإنتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بنسبة ٨٤٫٩٩٪ من أصوات الناخبين الجزائريين عن عدة مؤشرات ذات دلالات سياسية وإجتماعية وثقافية، جدير بالمراقبين على المستوى العربي والإسلامي، ولاسيما الذين يحتلون موقع الصدارة والإستشارة في دولهم-الإنتباه إليها- فالتجارب التي تخوضها الجزائر منذ ما يزيد على 15 سنة، أرست فيها جملة قيم سياسية منظورة ما كان للجزائريين أن يقتنعوا بها إلا بعد حمام من الدماء والأشلاء والصراعات داخل جسم السلطة وخارجها، هذه التجارب والخبرات والقيم أستنبتت في ظل صمت إعلامي وبدون ضجيج الأمر الذي قد يقرأ بلغة الإهمال المقصود من طرف الإعلام، أو بلغة الإستخفاف بقدرات الجزائريين العلمية والسياسية، ففي الوقت الذي تنظم فيه بعض الدول العربية مؤتمرات لمناقشة الإصلاح السياسي «مصر وقطر» تنجح الجزائر في تنظيم إنتخابات رئاسية ديمقراطية.

إن الدلالات التي كشفت عنها نزاهة الإنتخابات الرئاسية التي أجريت في الثامن من أبريل، وحجم التنافس فيها بين المترشحين والنسبة التي فاز بها الرئيس بوتفليقة تدعو إلى الدراسة والتحليل ولعل أهم هذه المؤشرات. حياد المؤسسة العسكرية هذه المرة وعدم خوضها غمار الإنتخابات بدعم هذا أو ذاك وهي التي كانت دائمًا في قلب الصراع.

يذكر أن المؤسسة العسكرية هي التي أمسكت بثمرة الإستقلال وكرست بعد ذلك الصراع بين المدني والعسكري: تجسد ذلك في إنقلاب ١٩ يونيو ١٩٦٥ وبرز جليًا في هوية مختلف رؤساء الجزائر الثمانية، فكلهم عسكريون، كما أن الجيش دخل في قلب الصراع في الأزمة الدموية الأخيرة، وليس المقام هنا مقام تحميل للمسؤولية بقدر ما هو تشخيص لمرحلة ماضية يمكننا أن نأخذ منها الدرس والعبرة، فقد تدخل الجيش بدعوة من التيار العلماني ورموز البلاء في الجزائر في مقابل تطرف وعنفوان شباب وقيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ وألغي المسار الإنتخابي سنة ۱۹۹۲ ودخلت الجزائر في الأزمة التي وقف عند تداعياتها كل العالم وإستغلها البعض للمتاجرة والأفتيات.

إن حرص المؤسسة العسكرية في الجزائر أو مجموعة الجنرالات «بلغة الجزائريين» على حياد المؤسسة نقلة نوعية في التعاطي السياسي الديمقراطي في الوطن العربي خاصة، ولا عيب بعد ذلك في أن يمارس العسكريون-كأفراد- السياسة كما حدث في الإستحقاقات الإتخابية الماضية عامي ١٩٩٩ و٢٠٠٤ حيث أعلن أكثر من جنرال متقاعد عن دعمه لأحد المترشحين، ولكن المؤسسة بوسائلها وأدواتها الإستعلامية والأمنية بقيت تراقب وتتابع مجريات التنافس من بعيد وهو تجسيد فعلي للمهام الدستورية المنوطة بالمؤسسة العسكرية في البلاد.

هذا الحال الإيجابي الذي وصلت إليه التجربة الديمقراطية الجزائرية لم يأت من فراغ، بل هو نتاج نضال أشخاص في المؤسسة العسكرية وفي الأحزاب والشخصيات الوطنية الفاعلة، ذلك أن إتهام الجيش بالضلوع في المجازر وتعيين الرؤساء والإستحواذ على أهم الإستثمارات هو وصمة العار التي يوصم بها العسكريون في كثير من البلاد العربية، وإن إتخذت التجربة الجزائرية الطابع الإعلامي والمعلن.

ويخيل للقارئ أنه في الجزائر فقط يحكم الجيش والجنرالات بالرغم من أن معظم المنطقة العربية تحت حكم عسكري مبطن بدساتير أحادية صورية تعطي هامشًا سياسيًا إعلاميًا لبعض جماعات الضغط.

لكن المؤشر الذي نتحدث عنه في التجربة الجزائرية هو حياد الجيش من جهة وإنطلاق ميلاد أقطاب سياسية كبرى تماثل النموذج الأمريكي أو الفرنسي، حيث أنجزت حركة مجتمع السلم تحالفًا رئاسيًا يتكون من التجمع الوطني الديمقراطي، وجناح في جبهة التحرير الوطني بالإضافة إلى عدد من المنظمات والإتحادات الطلابية والعمالية المهمة في الساحة الجزائرية، وهو تحالف وقف مع الرئيس بوتفليقة وحصل على نتائج كبيرة في إنتخابات الرئاسة سواء تعلق الأمر بنسبة المشاركة ۵۸٫۰۱٪ أو نسبة الفوز للمترشح ٨٤٫٩٩٪ كما أنه تحالف مكتوب وموقع في وثيقة «عقد تحالف رئاسي» إحتوى على أحد عشر هدفًا كما أنه واضح في آلية التنفيذ والعمل، والمبادئ التي تجسد ثوابت المشروع الوطني الجزائري أو المذهب الوطني المتميز «إسلام- عروبة- أمازيغية- وحدة».

فالجزائر تسير باتجاه ميلاد التيار السياسي الذي يضمن الإستقرار والسلم والتنمية ويبعد شبح العنف والإقصاء والتهديد الخارجي الذي يستثمر في الخلافات الداخلية للأمة، وفي المقابل نشأ قطب سياسي آخر في الإتجاه المعاكس.

قد لا يتشكل في صورة نهائية لأنه فشل في الإنتخابات بسبب أنه لم يكن واضح الأهداف والمبادئ فقد كان هدفه التنسيق في الوقوف ضد مرشح التحالف المقابل، وما ميز هذين القطبين هو وقوف شخصيات ثقيلة في نفوذها داخل النظام السياسي وراءها وهو مشهد جديد وناشئ في التجربة الجزائرية وقد تنافس القطبان في إنتخابات نزيهة وحرة وفي ظل حياد الجيش وشهادة ألف صحفي محلي وأجنبي عبروا عن أن الإقتراع كان على نمط شفاف غير معهود.

والخلفية التي تقف وراء هذا المشهد السياسي غير المعهود هو أن النظام الجزائري على دراية بالتحولات السياسية على المستوى الدولي سيما بعد أحداث ۱۱ سبتمبر ۲۰۰۱ وأصبح يتكيف أليًا وبطريقته الخاصة التي تنسجم مع جملة المعطيات الدولية.

ذلك أن السعي لتأهيل العرب إلى مرحلة تفعيل الديمقراطية من طرف السياسة الخارجية الأمريكية هو حصان طروادة الذي تركيه بغرض فرض الهيمنة والإحتلال الجديد وإنجاز الحرب الإستباقية ونموذج العراق هو النموذج العملاق لمن أراد أن يذكر أو أراد الإعتبار، ولكنه للأسف نموذج سيئ. 

فهل كسبت الجزائر رهان الإصلاح في العالم العربي؟ وهل يصبح النموذج الإختياري الجزائري في الديمقراطية مثالًا في العالم العربي والإسلامي بغرض المحاكاة وبالتالي التخفيف من عين الشعوب ونخبها الحية من آثار القهر، والقمع، والإقصاء، والتهميش؟ وفي المقابل هل تعي النخب العربية من أحزاب ومنظمات ومجتمع مدني هذا الدور وتساهم هي والسلطة الحاكمة في تحقيق النموذج الديمقراطي بدل أن تصبح معول هدم ووسيلة تذكية للصراع الداخلي في الوطن العربي؟ 

الرابط المختصر :