العنوان هندسة التأثير.. الإعلام وصناعة التأثير
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 21-أكتوبر-2006
مشاهدات 78
نشر في العدد 1724
نشر في الصفحة 56
السبت 21-أكتوبر-2006
من أراد صناعة التأثير النافع المرضي لله عز وجل، لا يجوز له بحال من الأحوال أن يدير ظهره إلى وسائل الإعلام، بل عليه أن يقيم العلاقات الوطيدة مع صناعها وأساطينها ومفاتيحها، بل ويمكنه أحيانًا أن يشتريها بأمواله إن اضطر إلى ذلك.
يقول محمد بن حسن الشريف »فشباب الصحوة يمكن الوصول إليهم من خلال المحاضرة والخطبة والندوة والكتاب، أما عامة الناس فيمكن التأثير عليهم من خلال وسائل الإعلام المؤثرة، وأنا أرى أن هناك زهدًا عامًّا عند الدعاة في هذه القضية لكن عليهم أن يجربوا الاقتراب أكثر من وسائل الإعلام لإفادة الناس، وخصوصًا أن هذه الوسائل تحتاج إلى مهارة وترتيب ودراسة، فهي قضية مهمة ينبغي أن يلتفت إليها الدعاة«
وكذلك كان الرسول ﷺ يجلس في نوادي القبائل التي يتجمعون فيها ويتسامرون ويتبادلون الأخبار والأشعار وأحوالهم العامة.
إن هذا الصنيع، على بساطته من قبل الرسول ﷺ في ذلك الزمان يدل على اهتمام الرسول ﷺ بكل وسيلة إعلامية ودعائية متاحة لصناعة التأثير وهندسة الحياة وتسويق الدعوة المباركة التي بعث بها.
أرى قومًا أعدوا ما استطاعوا لدهرهم، وقومًا ما أعدوا |
ومع زحمة الأحداث وسيل المعلومات واستحالة ملاحقتها يتحتم على الملتصق بالإعلام أن يضع لنفسه خطة لهذا الالتصاق، فقنوات الإعلام ووسائله كثيرة ومتنوعة ومتلونة، منها الغث والسمين ومنها الضار والنافع، ومنها واسع الانتشار عظيم التأثير ومنها ما هو أقل من ذلك.
نعم، يتعرض العالم الإسلامي لوسائل إعلام داخلية غالبيتها تقليدية، وإمكانياتها التكنولوجية والبشرية متواضعة »وإن كانت هناك بعض الدول العربية والإسلامية لديها إمكانات إعلامية يعتد بها«. وفي بعض الدول العربية والإسلامية يعاني الإعلام من مجموعة من المنافقين غير الأكفاء الذين يجيدون التملق والخديعة، مما ساهم في تدهور الأوضاع الإعلامية لهذه الدول، وهناك من يدعو إلى تغريب المجتمعات الإسلامية، أي تقليد الغرب تقليدًا أعمى »العويني: الإعلام الإسلامي الدولي بين النظرية والتطبيق، ص -37 38 «
إن صناع القرار السياسي في الغرب بحثوا عن البدائل التي تضمن استمرار السيطرة الغربية »وعلى وجه التحديد الأمريكية« على العالم فاستقر رأيهم على التكنولوجيا كبديل والتي تتمثل في شبكات الكمبيوتر »الإنترنت« ونظم الأقمار الصناعية، حيث تقوم هذه الشبكات ببث كميات هائلة من الأخبار والمعلومات عبر دوائر عابرة للحدود القومية، وأكثر من ذلك فإنها تصبح في منأى عن »الرقابة المحلية« »الشمسي: منار الإسلام، ص «37
وقد أدى تطور وسائل الإعلام وتضخم الآلة الإعلامية الغربية إلى ظهور خطرها على الهويات الثقافية والدينية لكثير من شعوب العالم، ففي عالم تزيد عدد اللغات فيه على (6000) لغة، وتتنوع وتتباين فيه القيم الحضارية والدينية، يمثل الإعلام الغربي أكثر من (90) من حركة الإعلام المتدفق بين أرجاء العالم، ولا شك أن لهذا آثارًا سلبية على محاولات الحفاظ على الهوية الدينية والوقاية من الأمراض الأخلاقية الغربية التي تتسرب إلى الشعوب من خلال تدفق المعلومات.»خفاجي: الإعلام الغربي وتشويه حقائق الصراع، ص ٥٦«.
إن المسلمين هم أغنى الناس حضارة وتراثًا وعلمًا وأدبًا وخلقًا، وكان علماؤهم كلما أتقنوا فنًّا من الفنون أو علمًا من العلوم انتقلوا إلى علم آخر ومالوا إلى فن جديد، حتى وجدناهم بحثوا وكتبوا في الطب والفلك والأحياء وعلم الاجتماع والفلسفة والمنطق وكذلك في النباتات وعلم الحيوان وغيرها من العلوم والفنون.
إن الذي يؤسف له أن تجد كثيرًا من القنوات الفضائية والمؤسسات الإعلامية في كثير من الدول العربية والإسلامية لا هم لها إلا نشر حركات وسكنات الزعيم، إذ ما يكاد الرئيس أن يأكل أو يتنفس أو يزور أو ينطق بكلمة عفوية إلا وتسابقت هذه المؤسسات إلى بث ذلك وعرضه وكأنه إنجاز ضخم يوازي فتح القدس أو استرجاع بلاد الأندلس!!
أما باقي ما يعرض في هذه القنوات فهو عبارة عن مسلسلات وأفلام وتمثيليات وأغانٍ ورقص وفيديو كليب ومباريات رياضية وبرامج فارغة لا تعز من ذل، ولا تعلم من جهالة، ولا تسمن ولا تغني من جوع، بل لعلها- وهي كذلك- تفسد وتحرف عن جادة العز والكرامة.
ولكن رغم هذه الحال المزرية في كثير من الدول العربية والإسلامية إلا أن الصورة ليست سوداء خالصة، إذ إن هناك مبادرات وممارسات مثلجة للصدر بدأت تظهر هنا وهناك، فلله الحمد والمنة، إذ كم من قنوات فضائية جادة ظهرت مؤخرًا، وكم من مؤسسات إعلامية إسلامية بزغت في كثير من الدول العربية والإسلامية، وكم من إعلاميين مصلحين جادين تركوا بصماتهم المباركة في دنيا الناس اليوم فلهؤلاء جميعًا كل الحب والتقدير والثناء والدعاء.