; الأثر الإسلامي في مضمون الصلاة اليهودية! | مجلة المجتمع

العنوان الأثر الإسلامي في مضمون الصلاة اليهودية!

الكاتب عبدالرحمن سعد

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1327

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

• افتتاحية صلاة الصبح من تأليف حبر يهودي اقتبسها من فاتحة القرآن الكريم!

• محاولات التعمية على الانتحال تفضحها باحثة في الدراسات العبرية حرفًا بحرف

برغم أن الصلاة اليهودية سابقة على الإسلام، إلا أنها تأثرت تأثرًا كبيرًا به وأخذت بشكل مباشر من فاتحة القرآن الكريم، وحاولت عامدة إخفاء ذلك بالابتعاد عن استخدام الأفعال المشتركة في اللغتين تارة أو باللجوء إلى الرمزية تارة أخرى.

هذا ما تكشف عنه دراسة مثيرة بعنوان «الأثر الإسلامي العربي في مضمون الصلاة اليهودية: أثر سورة «الفاتحة» في رشوت سليمان بن جبيرول» للدكتورة ليلى أبو المجد الأستاذة بقسم اللغة العبرية وآدابها بكلية الآداب بجامعة عين شمس في القاهرة.

وفي البداية تؤكد الدكتورة ليلى أن الصلاة اليهودية ظلت قابلة للتعديل والتطوير حتى العصور الوسطى، وأن الأثر الإسلامي فيها تمثل في تلك الفقرات التي أضيفت إليها في تلك العصور، والتي أضافها الفيلسوف والمفكر اليهودي سليمان بن جبيرول، إلى فقرات صلاة الصبح بالاقتباس من «سورة الفاتحة».

وأول ما جذب نظر الباحثة، ذلك الشعر الديني العبري المضاف للصلاة اليهودية، وهو ما يفسر عدم إشارة أي من المراجع العبرية لتأثره بالإسلام، برغم ما يتميز به من خصائص ظاهرية تكاد تنطبق على آيات سورة الفاتحة، ومنها قصره النسبي، واستخدام القوافي العبرية لنهاية أبياته.

البيوط.. والرشوت!

وتلاحظ الباحثة أن الشعر الديني المضاف للصلاة اليهودية، واسمه «البيوط»، كان يرتل كبديل لنص الصلاة في المعابد، وحتى بعد العودة إلى ترتيل نص الصلاة في هذه المعابد، لم يلغ دور «البيوط» بل أبقي عليه، وأدمج في النص، وأصبح بمثابة افتتاحية بهيجة الصلاة الصبح ذات المنزلة الخاصة لدى اليهود، وأخذ أحبار اليهود يبحثون عن نموذج يحتذونه، فاتخذوا فاتحة القرآن قدوة لهم، وألفوا شعر «البيوط» الذي صارت وظيفته كوظيفة «الفاتحة» في الصلاة الإسلامية!

واستخدم اسم الرشوت «RESHUT» للإشارة إلى هذا الاقتباس من الفاتحة، وتعني هذه الكلمة: السماح أو الإجازة من الناحية الدينية، فالإمام يرتل ليسمح وليجيز الجمهور المصلين خلفه بترتيل فقرة الصلاة التالية له.. أي أنهم أضفوا على الاسم دلالة جديدة، هي الافتتاح الذي يعطي جواز البدء، ومن هنا يمكن ترجمة الاسم من العبرية إلى العربية بـ«الفاتحة».

إن الصلاة في الإسلام لا تقوم بدون قراءة الفاتحة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ولا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ولقوله: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج»، والخداج: النقص والفساد.

ولأن الصلاة اليهودية تفتتح في كل فقرة من فقراتها ببيوط «أي: شعر ديني»، فقد استحدث سليمان بن جبيرول «الرشوت» لتكون فاتحة لفقرات التسابيح في صلاة الصبح على شاكلة فاتحة القرآن الكريم.

وبداية، فإن الفاتحة هي تنزيل العزيز الحكيم، وقد أجمعت الأمة على أنها سبع آيات؛ أي أن البسملة آية من سورة الفاتحة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (الحجر: 87)، والمقصود به سورة الفاتحة بوصفها سبع آيات «من المثاني»؛ لأنه يثني بها، وتكرر في الصلاة. «القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ص١١٤».

وبالمقارنة نجد أن «الرشوت» يتراوح بين ثلاثة أبيات وثمانية، وتبدأ «الفاتحة» بالحمد، والحمد في كلام العرب يعني الثناء الكامل، وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يقع على الثناء والتحميد، والشكر كما يذكر الحمد بمعنى الرضا، يقال: بلوته فحمدته؛ أي رضيته، ومنه قوله تعالى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا (الإسراء: 79).

سلیمان بن جبيرول عبر عن هذا المعنى بعدة أفعال هي: مدح، امتدح، حمد، مجد، بجل، سبح، أثنى عليه، في محاولة للتعبير عن المعاني العديدة والموجودة في كلمة الحمد، وهي بمعنى الحمد، والثناء الكامل، والشكر، والرضا.

وجاء في الفاتحة: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) أي: مالكهم، وكل من ملك شيئًا فهو ربه، فالرب المالك، والرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، والرب: المصلح، والمدبر، والجابر والقائم.

في المقابل نجد في العهد القديم كلمات عبرية استخدمت بمعنى رب، صاحب، مالك العمل، اسم من أسماء الله، وبمعنى سيد، حاكم، شريف، ذي سيادة.

قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الفاتحة: 3) لأنه لما كان في اتصافه برب العالمين ترهيب، فقد قرنه بالرحمن الرحيم، لما يتضمن من الترغيب ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته، وأمنع. «القرطبي، ص۱۳۹».

وهذه الصفة تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها، وهي تتكرر في صلب السورة في آية مستقلة، لتؤكد السمة البارزة في ربوبية الله، الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه، وهي صلة الرحمن والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء. «في ظلال القرآن، ص٢٤».

وفي العهد القديم: استخدم الحبر اليهودي في صلاته عدة كلمات تتضمن معاني الرحمة أو الشفقة والفضل والإحسان والمعروف والبر والإنعام والعطف.

سيملك للأبد.. ويوم معادك

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة: 4) والمالك للشيء هو المتصرف فيه، القادر عليه، والدين هو الجزاء على الأعمال والحساب بها، والدين أيضًا: الطاعة، ويوم الدين أي: يوم الجزاء على الأعمال، والحساب بها، وقد عبر اليهود عن معنى ﴿مَالِكِ في صلاتهم بقولهم! ما يعني في العبرية ملك، تملك صار ملكًا، حكم، ساد، وورد في العهد القديم كفعل من أفعال الرب في الزمن الماضي، كما ورد كفعل من أفعال الرب في زمن المستقبل.. وقيل: «الرب سيملك للأبد».

أما ﴿يَوْمِ الدِّينِ فبرغم أن الشريعة اليهودية لم تتعرض له، ولا للجزاء والحساب فيه نجد ابن جبيرول يتحدث عن المعاد، ولكن يتحاشى الخروج على الشريعة اليهودية التي لم يرد بها شيء عن المعاد الجسماني، والحشر فإنه تبع «ابن سيناء» في وصفه المعاد «النفساني»، والسعادة العقلية التي تتمتع بها النفس المطمئنة بعد الموت ثوابًا على تقواها، ذلك قال: «يوم معادك»، والمصدر يعني في العبرية: المعاد، العودة إلى، الرجوع، الأوبة.

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ (الفاتحة: 4) أي: نطيع، والعبادة: الطاعة والتذلل وطريق «معبد»، إذا كان مذللًا للسالكين، وقدم المفعول على الفعل اهتمامًا؛ إذ شأن العرب تقديم الأهم، ولئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود. «القرطبي، ص١٤٥».

وقد عبر ابن جبيرول عن هذا المعنى بكلمات عبرية تعني: العبادة بالتضرع، والابتهال والسجود والصلاة، والملاحظ أنه لم يعبر عن العبادة بالفعل الأكثر شيوعًا في العهد القديم الذي ورد مائة وثلاثًا وعشرين مرة، برغم أنه مطابق للفعل العربي صوتًا، ومعنى، بل استخدم فعلًا أقل شيوعًا للتعبير عن عبادة الله وحده، بينما يستخدم الفعل الأكثر شيوعًا للعبادة والسجود لله والأوثان معًا.

﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة: 4) أي: نطلب العون والتأييد والتوفيق، وقد عبر الحبر اليهودي عن هذا المعنى بقوله -بالعبرية-: ليس لي إلاك عونًا وحاميًا. وقوله: اسمك يا إلهي حصني وقوتي، وقوله: إياك أستعين في خوفي وفزعي، واسمك عند الضيق ملجئي، وقوله: أتلفت إلى اليسار وإلى اليمين ولا معين.. إلاك، بيدك استودعت روحي.

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 5) المعنى: دلنا على الصراط المستقيم، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك، وأصل الصراط في كلام العرب الطريق. والصراط المستقيم هو دين الله الذي لا يقبل من العبادة غيره. «القرطبي، ص: 146، 147».

وكما تعددت التفاسير في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فقد عبر سليمان ابن جبيرول عن هذا المعنى بتعبيرات منها: «اهدني الطريق المستقيم» و«اهدني بنورك وأذهب عني غشاوتي».

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (الفاتحة: 6) تعني: أدم هدايتنا، فإن الإنسان قد يهدى إلى الطريق، ثم يقطع به، وقال الجمهور من المفسرين في «المنعم عليهم»: إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجاءوا بذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (النساء: 69).

حكمة «كلكل»!

وفي العهد القديم، تم التعبير عن ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ تعبيرًا صوفيًّا بأنه «العلم بالله والفهم عنه» وقيل فيه: ليت لي حكمة كلكل، وكلكل هذا ورد ذكره في موضع آخر من التوراة، جاء فيه أن الله قد أعطى سليمان من فيض الحكمة والفهم وسعة القلب ما يفوق ما لدى أيتان هارزراحي وهيمان، وكلكل، فليس المقصود هنا حكمة كلكل نفسه، فلقد أتى جبيرول باسمه لموافقة القافية، والمقصود هو حكمة وصراط هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالعلم به، والفهم عنه، ومنهم «كلكل»، وقال أيضًا: «اهدني الصراط المستقيم.. حتى أرضى ماترضى».

﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (الفاتحة: 7) الجمهور على أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالون: النصارى، شهد لذلك قوله سبحانه في اليهود: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه﴾ (البقرة: 61)، وقوله جل وعلا: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (الفتح: 6) وفي النصارى قوله سبحانه: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (المائدة: 77) «القرطبي، ص: ١٤٩، ١٥٠».

أتباع «المانوية»

وفي العهد القديم عبر ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ بأنهم «أتباع المانوية»، والقاتلون بالثنائية «عبدة الاثنين»، والنصارى لقولهم: «باسم الأب والابن والروح القدس» «إنجيل متى ۱۹/۲۸» فوصف سليمان بن جبيرول هؤلاء كلهم بأنهم عبدة أوثان لقولهم بالثنائية والتثليث، والمانوية تنسب إلى «ماني بن فاتك» الذي يرى أن العالم مركب من أصلين قديمين هما: النور والظلمة، ونسب إليهما ما ينسب إلى الفاعلية الإلهية، ومال ماني إلى الزهد والرهبنة اعتقادًا منه أن الامتزاج بين النور والظلمة، أو بين العقل والجسم شر يجب الخلاص منه.

أما عن موقف الحبر اليهودي من المسلمين فقد اكتفى بأن دعا الله أن ينصرف عنهم، وأن يتطلع إلى اليهود، لا لأن المسلمين مغضوب عليهم، ولا لضلالهم -بزعمه- ولكن لأن «اليهود للرب، والرب لهم» مستخدمًا الرمزية في التعبير عن المسلمين الذين نسبهم إلى إسماعيل، والموصوف لدى اليهود -نعوذ بالله من إفكهم- بأنه «إنسان وحشي».

وهكذا تؤكد الدراسة ما أوردته من آيات سورة الفاتحة، وتفسيرها المنقول وما جاء في رشوت الصلاة اليهودية وافتتاحيتها، أن هذه الأخيرة قد نقلت «فاتحة القرآن» عبر الحبر والفيلسوف اليهودي المذكور، ما يكاد يكون نقلاً حرفيًّا، في العصور الوسطى، وهو ما لم يكن موجودًا فيها قبل ذلك.

وتشير الباحثة إلى أنه مهما حسد اليهود المسلمين على ما آتاهم الله من فضله، ومهما صنعوا فإنه لا وجه للمقارنة بين صنع الله وصنعهم، فالقرآن معجزة الله الخالدة إلى قيام الساعة، و«الفاتحة» تنزيل العزيز الحكيم، وسورة من سور هذا القرآن، لذا اتسمت بالبلاغة والفصاحة والبيان المعجز كسائر سور القرآن.

هذا الإعجاز الذي تحدى قومًا اشتهروا بالفصاحة والبلاغة، فجاءتهم آيات الله من جنس ما اشتهروا به وبرعوا فيه، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (البقرة: 23).

الرابط المختصر :