العنوان الإسلام يكتسح العلمانية في تركيا.. أربكان يعيد فتح إسطنبول
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1994
مشاهدات 90
نشر في العدد 1094
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 05-أبريل-1994
· 29 رئاسة بلدية عامة لـ«الرفاه» و13 لـ«الوطن الأم» و12 لـ«الطريق القويم» و10 لـ «الاجتماعي» و7 لـ«الحركة القومية» و4 للشعب الجمهوري.
· إسطنبول ذات العشرة ملايين تصوت لـ«الرفاه» لمواجهة مخطط تحويلها لفاتيكان أرثوذكسي.
· «الرفاه» ينتزع 17 رئاسة من حزبي الحكومة وينجح في الاحتفاظ بمناطق نفوذه.
بعد الفوز الكبير الذي حققه حزب "الرفاه" الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان في الانتخابات المحلية بتركيا التي أجريت يوم الأحد 27/3 وأعلنت نتائجها غير الرسمية يوم الثلاثاء 29/3 حيث نجح في 29 ولاية مقابل 13 لحزب الوطن الأم «يمين وسط» بزعامة مسعود يلماظ، و12 ولاية للطريق القويم «يمين محافظ»، والذي تتزعمه السيدة تانسو تشيللر رئيسة الوزراء، و10 ولايات أيضًا للاجتماعي الشعبي «يساري علماني» بزعامة مراد قرة يلتشين مساعد رئيس الوزراء، و7 للحركة القومية التي يتزعمها ألب أرسلان توركش الذي كان قد تحالف مع «الرفاه» في انتخابات 1991م العامة، و4 للشعب الجمهوري «يساري» بزعامة دنيز بيقال؛ أصبح السؤال المثار هو:
هل تسير تركيا إلى جزائر أخرى؟ وكيف يمكن إجهاض فوز «الرفاه» الذي نجح في الحصول على الرئاسة العامة للبلديات في كبرى المدن والمراكز التركية خاصة مدينة إسطنبول التي يشكل سكانها سدس تعداد تركيا، وتضم معظم الأنشطة الاقتصادية والثقافية والتاريخية لتركيا، خاصة وأن لها 50 نائبًا في مجلس الشعب التركي من 450 نائبًا هم عدد نواب المجلس.
وإذا كان البعض يستبعد اللجوء إلى الخيار العسكري لإجهاض فوز «الرفاه» خاصة وأن تركيا في حاجة إلى استقرار سياسي لمواجهة الموقف الاقتصادي المتدهور بعد وصول مجمل الدين التركي إلى 70 مليار دولار في نهاية 1993م بالإضافة إلى تخفيض قيمة الليرة التركية وارتفاع نسبة التضخم؛ حيث من المتوقع أن تتعدى المئة في المئة خلال الشهور القليلة المقبلة، فإن اللجوء إلى ترسانة القوانين المقيدة وإضافة أسلحة جديدة إليها أصبح هو الخيار الوحيد لمواجهة تنامي شعبية «الرفاه»، حيث اقترح مسعود يلماظ زعيم "الوطن الأم" ضرورة تغيير النظام الانتخابي قبل اللجوء إلى الانتخابات المبكرة التي كان يطالب بها قبل الانتخابات المحلية.
وهو ما كانت تريد تطبيقه تشيللر رئيسة الوزراء من قبل، ويتلخص ذلك النظام في إجراء الانتخابات على مرحلتين تدخل كافة الأحزاب الرسمية في المرحلة الأولى، ثم يتم التصفية بين الحزبين اللذين حصلا على أعلى نسبة من الأصوات، وهو ما تم تأجيل تنفيذه بناءً على طلب الحزب الاجتماعي الشريك في الحكومة لحين معرفة نتائج الانتخابات.
وفي تعليقه على اللجوء لقوانين انتخابية جديدة قال نجم الدين أربكان إن الهدف من ذلك عرقلة تقدم حزب «الرفاه»؛ حيث إن كل العقبات التي تم وضعها في القوانين الانتخابية السابقة مثل: ضرورة الحصول على نسبة الـ 10% لدخول مجلس الشعب، وبعد أن نجح «الرفاه» في تخطيها وبعد نجاحه في الانتخابات البلدية على مستوى رئاسات البلديات العامة وحصوله على المركز الأول يفكرون في عرقلة "الرفاه"، وأكد ثقته على تخطي كل ذلك، وأن "الرفاه" سيواصل تقدمه لأنه الحل الوحيد لكافة مشكلات تركيا.
وطالب أربكان الحكومة بالاستقالة بعد فشلها في الانتخابات وفي الحصول على ثقة الشعب، مشيرًا إلى تصريح الرئيس سليمان دميريل الذي قال فيه قبل إجراء الانتخابات بيوم واحد إنه لا توجد حكومة في العالم تحت نسبة الـ 40%، وأضاف أربكان أن نسبة الحكومة بحزبيتها لم تتعد الـ 36% مما يلزم الحكومة تقديم استقالتها فورًا وإجراء انتخابات مبكرة.
المدن والمراكز التي فاز فيها «الرفاه»:
وحتى يمكن فهم معنى ومغزى فوز «الرفاه» الإسلامي في الانتخابات المحلية يجب الإشارة إلى أنه كان قد حصل على 4.40% من الأصوات في انتخابات 25 مارس 1984م ارتفعت النسبة إلى 5.48% في انتخابات 1986م ثم ارتفعت إلى 7.15% في انتخابات 29 نوفمبر 1987م العامة، ولم ينجح في دخول مجلس الشعب، وفي الانتخابات المحلية 1989م حقق 9.7 وتولى رئاسة بلديات مالاطيا، قهرمان مرعش، موش، سيواس، قونية فقط، وهي التي احتفظ بها أيضًا وذلك مقابل 38 رئاسة بلدية عامة، كان قد فاز فيها الاجتماعي الشعبي الديمقراطي «يساري - علماني»، والذي خاض معركته الأخيرة تحت شعار «دفاعًا عن العلمانية في مواجهة قوى «الرفاه» الظلامية الرجعية» على حد قول أقطابه، ونجح «الرفاه» في انتزاع 11 بلدية عامة منه بالإضافة إلى ما انتزعه الآخرون منه.
بينما كان عدد رئاسة البلديات العامة التي فاز فيها «الطريق القويم» في انتخابات 1989م تقدر بـ 10، والوطن الأم 5 بلديات عامة، والحركة القومية 4 بلديات وواحدة للمستقلين، وأخرى لحزب العمل الديمقراطي. وفى انتخابات 20 أكتوبر 1991م كانت النسبة التي حصل عليها «الرفاه» متحالفًا مع الحركة القومية وحزب الإصلاح الديمقراطي الذي غير اسمه إلى اسم حزب «الملة» ويتزعمه أيكوت أديبالي "ذو توجه إسلامي" كانت 16.8% ونصيب حزب «الرفاه» 11.2% منها. وفي انتخابات 27 مارس 1994م التي أجريت منذ عدة أيام؛ فإن نسبة أصوات «الرفاه» على مستوى البلديات العامة وبلديات الأقضية والقرى وصلت إلى ما يقارب الـ 20%.
في حين أن أصوات «الوطن الأم» نزلت من 41.48% عام 1984 إلى 32.12% في 1986م، وارتفعت قليلاً إلى 29.36% في 1987م، وانخفضت إلى 21.8% في 1989م لترتفع قليلاً إلى 24% في 1991م في الانتخابات العامة لتنخفض إلى 21.01% في الانتخابات الأخيرة.
أما حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيللر رئيسة الوزراء فكانت نسبته 13.25% عام 1984م، ارتفعت إلى 23.5% في 1986م، ثم 19.6% عام 1987م، وارتفعت إلى 25.1% عام 1989م لتصل إلى 27% في انتخابات 1991م العامة والتي شكل بعدها الحزب الحكومة لتهبط إلى 21.5% في الانتخابات الأخيرة.
أما الحزب الاجتماعي الشعبي الديمقراطي فانخفضت نسبته إلى أدنى مستوى لها منذ تأسيسه؛ حيث كان قد حصل على نسبة 23.40% من الأصوات وكان اسمه آنذاك الحزب الاجتماعي الديمقراطي ويتزعمه إردال إينونو، وذلك في انتخابات 1984م المحلية، وانخفضت إلى 22.7% عام 1986م على الرغم من اندماج الحزب الشعبي معه، وارتفعت نسبته إلى 24.26% في انتخابات 1987م العامة، وارتفعت النسبة إلى 28.6% في محليات 1989م، وانخفض إلى 20.7% في انتخابات 1991م، ثم انخفض إلى 13% في الانتخابات الأخيرة.
وبالتالي فإن حزب «الرفاه» الإسلامي هو الحزب الوحيد الذي يتقدم بخطى ثابتة إلى القمة منذ عودته تحت ذلك الاسم حيث كان اسم «الرفاه» قبل الانقلاب العسكري عام 1980م «حزب السلامة الوطني» والذي لم يتخط نسبة 11.8% منذ تأسيسه عام 1983م وحصل على نسبة 8.6% عام 1977م.
وبعد إغلاق العسكر للأحزاب القديمة عاد السلامة تحت اسم «الرفاه»، كما فعل الاجتماعي الذي خرج من الجمهوري والطريق القويم الذي خرج من عباءة العدالة القديم أيضًا - بالإضافة إلى الوطن الأم الذي أسسه تورغوت أوزال من أعضاء الكثير من الأحزاب القديمة أيضًا. وفي حالة قياس أصوات حزب «الرفاه» على مستوى رئاسة البلديات؛ فإنه لن تكون هناك مقارنة مع أحد؛ حيث إن النسبة العامة تدخل فيها البلديات الفرعية داخل المدن والقرى نفسها، والتي تهيمن عليها البلديات الأم، والتي يسيطر عليها «الرفاه».
وفاز «الرفاه» في كل من إسطنبول وصاقاريا، وكوتاهية، وقونية، وأق سراي، ونيف شهر، وقيصري، وتوقات، وسيواس، وقهرمان مرعش، ومالاطيا، وأديامان «وشورم» العزيز، وشانلي أورفة، وديار بكر، وباطمان، وبينجول، وموش، وبتليس، وسيرت وفان، وأغري، وأرضروم، وبايبورت، وطرابزون وريزه، وبذلك يكون تمدد الحزب جغرافيًا قد وصل إلى كل أنحاء تركيا من غربها في إسطنبول إلى شرقها في أغري وفان وجنوب شرقيها وشمالها على البحر الأسود «ريزه وطرابزون» بالإضافة إلى وسط الأناضول ليكون بذلك قد حصل على أصوات الأكراد والعرب واللاز والشركس بجانب الأتراك ليؤكد أنه بفضل مبادئه الإسلامية يمكن لكافة القوميات والمناطق الانضواء تحت رايته.
المعنى السياسي لجغرافية فوز «الرفاه»
وفوز «الرفاه» الكبير في جنوب شرق وشرق الأناضول، وهي مناطق السكان من ذوي الأصول الكردية، والذين يدفعون ثمنًا غاليًا للصراع الدائر حاليًا بين حزب العمال الكردستاني الانفصالي والدولة التركية؛ حيث تم وضع المنطقة تحت أحكام الطوارئ وحظر التجول وأدت المعارك بين الطرفين إلى هجرة الكثير من السكان، وبالتالي؛ فإن التصويت لـ «الرفاه» يعتبر رفضًا لسياسة الحكومة العسكرية لحل المشكلة الكردية وتأييدًا لتوجه «الرفاه» الذي يتبنى حل المشكلة سياسيًا في إطار ضمان وحدة الأراضي التركية وعدم المساس بحدود الدولة مع إعطاء الأكراد حقوقهم في الحديث بلغتهم والاعتراف بثقافتهم.
واحتفاظ «الرفاه» برئاسة بلدية سيواس العامة له أكثر من مغزى خاصة وأن كل الأحزاب التركية اتحدت في مواجهة «الرفاه»، فالمعركة كانت بين العلمانية والإسلام خاصة بعد أحداث سيواس في العام الماضي والصدام الذي حدث بين الإسلاميين والعلمانيين بسبب تعدي الكاتب العلماني الذي يفتخر بإلحاده عزيز نسين على الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن وأمهات المؤمنين في احتفالات عامة بالسب والتحقير مما أدى إلى خروج الجماهير الغاضبة وقيامها بحرق الفندق الذي يقيم فيه واحتراق العشرات بسبب ذلك.
أما فوز إسطنبول فهو الأغلى؛ حيث إن نجم الدين أربكان كان قد بدأ حملته الانتخابية بقوله: «سنعيد فتح إسطنبول»، في حين أن تانسو تشيللر رئيسة الوزراء التركية قد بدأت حملتها قائلة: «أريد إسطنبول» بينما مدينة إسطنبول كانت حتى إعلان النتيجة من مناطق نفوذ حزب «الوطن الأم» الذي بذل مجهودات خارقة للاحتفاظ بالمدينة الكبرى على الرغم من أن الحزب الاجتماعي كان يتولى رئاسة بلديتها.
وقامت الأحزاب الكبرى بترشيح أفضل عناصرها لتلك المواجهة لأن من يملك إسطنبول يملك تركيا وتكون مفاتيح حكم أنقرة بين يديه، فالمصانع الكبرى والشركات الضخمة و70% من النشاط التجاري والاقتصادي في إسطنبول التي يسكنها 10 ملايين ومنهم 5 ملايين ناخب ولها 50 مقعدًا في مجلس الشعب، فرشح «الطريق القويم» بدر الدين دالان رئيس بلدية إسطنبول السابق في عهد حكم أوزال، بينما رشح الوطن الأم إلهان كاسيجى الرئيس السابق لمعهد تخطيط الدولة «DPT»، وصهر الرئيس سليمان دميريل، أما الاجتماعي فرشح زولفو ليفانلي الكاتب والصحفي والفنان والذي له شعبية لا بأس بها.
بينما رشح حزب «الرفاه» رجب طيب أردوغان ويبلغ من العمر 40 عامًا وكان أصغر المرشحين سنًا، خريج كلية الإدارة والاقتصاد من جامعة مرمرة، والذي يفتخر بأنه كان من طلاب مدارس الأئمة والخطباء «مدارس دينية»، وهو من أصول ترجع إلى مدينة ريزه على البحر الأسود وليست له تجارب سياسية سابقة، وكل مؤهلاته ثقافته وصدقه وبشاشة وجهه وقدرته على مخاطبة الجماهير ومواجهة الإعلام، وعلى الرغم من تعرضه لحملة افتراءات شرسة إلا أنه نجح في مواجهتها بأعصاب حديدية وترك الوثائق تدافع عن سمعته وكان برنامجه من أجل إسطنبول نظيفة ونقية.
وقبل الانتخابات بيومين خطب نجم الدين أربكان في أكثر من 300 ألف احتشدوا في ساحة جامع السلطان أحمد، والمنطقة التي بينه وبين جامع أيا صوفيا المغلق، قال أربكان إنه يريد إسطنبول لأن بها سيحكم «الرفاه» تركيا وبتركيا سيخرج إلى العالم ويواجه كل المؤامرات، ووعد بإعادة فتح أيا صوفيا للعبادة من جديد. وكانت نتيجة استقبال حصول رجب طيب أردوغان على 25.11% يتبعه مرشح الوطن الأم بنسبة 22.16% ثم الاجتماعي 19.95% وبعده الطريق القويم بنسبة 15.05% ثم اليسار الديمقراطي 13.25% وباقي الأحزاب الأخرى حصلت على 4.47%.
وحصل حزب «الرفاه» أيضًا على 16 بلدية في مناطق إسطنبول في كل من باغجيلر، بايرام باشا، بيكوز، باي أوغلو، إيسنلر، أيوب، الفاتح، غازي عثمان باشا، جونجورن، كاغيط خانة، كارتال، بنديك، صاري ير، سلطان بيلي، توزلا، عمرانية، الجزر. بينما حصل الوطن الأم على بلديات 8 مناطق والاجتماعي على 3 مناطق والطريق القويم على واحدة والشعب الجمهوري على اثنتين واليسار الديمقراطي على اثنتين أيضًا. أما البلدات وهي أصغر التقسيمات المحلية فلم يحصل «الرفاه» على نسبة كبيرة منها.
إلا أن النتيجة النهائية هي سيطرة «الرفاه» على البلدية الأم والبلديات الفرعية، أما الثانوية والتي ليس لها نفوذ فكانت من نصيب الأحزاب الأخرى، والمغزى الكبير في الفوز بإسطنبول هو في كونها تتعرض حاليًا لمؤامرة كبرى قامت الصحف التركية نفسها حتى العلمانية منها بفضحها؛ حيث إن هناك مخططًا دوليًا واتصالات تتم بالفعل كما تقوم بها بعض الدول الأوروبية مع تركيا من أجل تحويل جامع «أيا صوفيا» إلى كنيسة، وإقامة دولة دينية أرثوذكسية مشابهة للفاتيكان حول الكنيسة، ويتم بالفعل حاليًا شراء بعض المناطق المحيطة بالجامع وسط صمت حكومي يثير استياء الجماهير، بالإضافة إلى ازدياد نسبة الانحراف الأخلاقي بالمدينة وصلت إلى نسبة عالية مما يلزم معه وسيلة ردع قوية لحماية المدينة من المخططات الأجنبية أولاً، والجماهير من المؤامرة الأخلاقية، ولذلك فاز حزب «الرفاه» في حي باي أوغلو مركز الدعارة في المدينة حيث حصل «الرفاه» على بلديتها بمرشح ملتحٍ هو «نصرت بيرق طار» الذي أكد في تصريحات صحفية عقب فوزه بأنه سيقيم جامعًا كبيرًا في مدخل ميدان تقسيم لينتهي بذلك الجدل المثار حول إقامة جامع كبير في المنطقة التي تضم مجمع أتاتورك للفنون والثقافة وغيره من المراكز العلمانية، وأكد على أنه سيغلق بيوت «الدعارة» التي يشكو سكان المنطقة من وجودها، وذلك وسط حملة إعلامية منظمة ضد «الرفاه» أثارت المخاوف من أن فوزه في إسطنبول سيؤدي إلى حالة من الكساد السياحي في حالة إغلاق الخمارات وفرض قيود أخلاقية على الفنادق الكبرى ومنع الميسر بالمدينة.
المعارضة تتراجع عن طلبها لإجراء انتخابات مبكرة، وتطالب بقوانين انتخابية جديدة لعرقلة «الرفاه» بعد فوزه الكبير
الرفاه في العاصمة أيضًا
وعلى الرغم من عملية التزوير الكبرى التي قام بها الحزب الاجتماعي ضد «الرفاه» خاصة في منطقة تشانكايا مركز رئاسة الجمهورية، والذي تم تصويرها إعلاميًا وبثت على الهواء مباشرة؛ حيث قام مرشح «الرفاه» الدكتور مليح جوكشيك باصطحاب أجهزة الإعلام إلى المركز الانتخابي لمشاهدة عملية تمزيق البطاقات التي جاءت لصالح «الرفاه»، وإحلال بطاقات غير مختومة لصالح الاجتماعي، وعلى الرغم من محاولات بطء عملية الفرز في المدينة ذات المليونين و33 ألف و52 ناخبًا فإن مرشح «الرفاه» نجح في الحصول على رئاسة بلدية أنقرة الكبرى، والفوز بأنقرة له أكثر من معنى ودلالة، وإن كانت أهم الدلالات أن «الرفاه» نجح في أسلمة عاصمة العلمانية والتي تضم الكوادر العلمانية التي تعمل في الدوائر الرسمية بالدولة؛ حيث إن معظم سكان المدينة من موظفي الدولة الرسميين وأسرهم مما يؤكد نجاح أسلوب «الرفاه» التدريجي في أسلمة الجماهير من خلال التربية والقدوة، ويدل ذلك أيضًا على تنامي الرفض الشعبي للنظام العلماني المتمثل في أحزاب اليسار الذي لقي هزيمة كبرى على مستوى تركيا، خاصة وأن الأحزاب اليمينية لا ترفع شعار العلمانية بشكل كبير مثل اليسار ولا تتناول ذلك الموضوع عمومًا. كما أنها تضم بين صفوفها شريحة كبرى من المحافظين والجماعات الصوفية، ويمكن اعتبار 25% من أصوات اليمين أصواتًا إسلامية أيضًا.
ردود الفعل:
بالطبع ما زال حزبا الحكومة يبحثان عن مبرر للصدمة التي أحدثها «الرفاه» بينما قال مسعود يلماظ رئيس حزب الوطن المعارض إن النتيجة عقاب من الجماهير له وللسيدة تانسو تشيللر، وطالب بقوانين انتخابية جديدة لضمان الاستقرار السياسي في تركيا، وهو ما يتفق عليه الجميع.
وكذبت الاستطلاعات:
وجدير بالذكر أن استطلاعات شركة جلوب البريطانية التي أجريت يوم 18/3 في إسطنبول حول الحزب الفائز قالت: إن الاجتماعي سيحصل على المركز الأول بنسبة 29% يتبعه الوطن الأم بنسبة 21% ثم الطريق القويم بنسبة 19% ثم «الرفاه» بنسبة 15% أي المركز الرابع.
وفي أنقرة قال الاستطلاع البريطاني إن الاجتماعي سيحصل على 27% والوطن على 24% ثم «الرفاه» 17% والطريق القويم 9% واليسار 8% والحركة القومية 5% والشعب الجمهوري 4%. وصدقت الاستطلاعات فقط في إزمير حيث قال: إن الطريق القويم سيحصل على المركز الأول ثم يتبعه الاجتماعي، فالوطن الأم في المركز الثالث، أما اليسار فسيحصل على 7% والرفاه 3%.
وكانت شركتا موري والاستراتيجية التي تمت في 50 ولاية ومركز التي تمت في مارس أيضًا أشارت إلى حصول الوطن الأم على 25.66% والرفاه 17.7% والطريق القويم 14.71% والاجتماعي 12.40% واليسار الديمقراطي 10.48% وذلك في حالة إجراء انتخابات عامة حاليًا. وفي حالة الانتخابات المحلية أشار الاستطلاع إلى فوز الوطن الأم بنسبة 20.37% و«الرفاه» في المركز الثاني 17.2% والاجتماعي في الثالث بنسبة 16.5% والطريق القويم في المركز الرابع 13.55% واليسار الديمقراطي 8.31% والحركة القومية بنسبة 3.55% والشعب الجمهوري 2.04%.
من ناحية أخرى كان استطلاع شهر فبراير الماضي، الذي أجرته «كوندا» في إسطنبول هو الأكثر مصداقية؛ حيث ذكر تقدم «الرفاه» في المركز الأول بنسبة 25% يتبعه الوطن 24% فالطريق 22% ثم الاجتماعي 15% واليسار 11% وباقي الأحزاب 3%. وهو ما أشارت إليه استطلاعات «سونار» و«قامار» عن الشهر نفسه إلا أنها تراجعت في شهر مارس لتذكر نتائج معاكسة؛ حيث تم توظيفها لصالح الحملة الإعلامية الموجهة لـ «الرفاه» في محاولة لإقناع الجماهير بأنه في حالة التصويت لصالح «الرفاه» ستكون أصواتهم مهدرة لذلك عليهم دعم الوطن أو الاجتماعي اللذين لهما النصيب الأكبر في الفوز.
وعمومًا فإن النتائج التي حققها «الرفاه» تعتبر الترجمة الحقيقية لواقع تركيا المسلم الذي يتجاوب مع أسلوب الرفاه الذي يعتمد سياسة النفس الطويل من خلال تربية الجماهير على المدى الطويل للوصول بها إلى الخيار الإسلامي دون حدوث أية مواجهة. المراقبون يؤكدون بأنه في حالة قيام «الرفاه» بأي تصرف يمس النظام العلماني للدولة؛ فإن الجيش لن يظل صامتًا خاصة في ظل تصريحات دوغان جوريس رئيس هيئة الأركان التركية قبل الانتخابات بعدة أيام؛ حيث قال إنه لا يهم من سيحكم تركيا خاصة وأن الجيش يحترم الديمقراطية إلا أنه سيشعر باستياء في حالة قيام الرفاه أو أي حزب آخر بالمساس بالنظام العلماني أو «أتاتوركنا».
وهو الأمر الذي كان سليمان دميريل رئيس الجمهورية قد أكده أيضًا عندما صرح بأن هناك قوانين ودستورًا ومحكمة دستورية تحمي النظام العلماني ولا يمكن لأي حزب خرقها، وهو إشارة لحزب الرفاه الذي يخوض مواجهة معقدة تحتاج إلى وقت طويل جدًا لأن ما تم بناؤه خلال الـ 70 عامًا الماضية يحتاج مدة طويلة لتغييره عبر النظام القائم نفسه وهو ما يعيه «الرفاه» جيدًا.
النظام العادل يزلزل عرش العلمانية ويدك قواعد اليسار في تركيا.
الجماهير تكذب تنبؤات شركات استطلاع الرأي العام
ردود الفعل حول فوز حزب الرفاه
كنعان إيفرين: رئيس الجمهورية السابع وزعيم انقلاب 1980 طالب زعماء أحزاب اليمين، وكذلك اليسار بتوحيد صفوفهم مشيرًا إلى أن حالة الانقسام الحالية ستؤدي إلى وصول «الرفاه» إلى السلطة. وقال إن في اليمين حزبين وفي اليسار ثلاثة وطالبهم بالوحدة الفورية وأضاف بأنه لا يعتقد أن تصبح تركيا جزائر أخرى.
تانسو تشيللر: رئيسة الوزراء التركية اعتبرت نفسها ناجحة - على أساس حساب عدد الأصوات التي حصلت عليها على مستوى كافة البلديات العامة والتابعة، ودعت إلى وحدة اليمين ووجهت الدعوة إلى حزب الوطن الأم لمشاركتها الحكومة.
نجم الدين أربكان: رئيس حزب الرفاه الفائز بالانتخابات المحلية على مستوى رئاسات البلديات العامة في المدن الكبرى والمراكز قال إن حزب «الرفاه» هو حزب القرن الـ 21، واستبعد أن تتحول تركيا إلى جزائر أخرى أو حدوث انقلاب عسكري ضد «الرفاه»، مبررًا ذلك بحصول «الرفاه» على أعلى نسبة من الأصوات في مناطق سكن العسكريين مثل: دائرة القاعدة الجوية في قونية ودائرة توزلا التي تتواجد فيها معسكرات الجيش.
بدأت اتصالات مع زعماء الأحزاب التركية لمناقشة موضوع تغيير النظام الانتخابي لعرقلة «الرفاه».
دعم أمريكي ونصائح غربية:
في اتصالات تمت بين سفراء الدول الغربية وزعماء الأحزاب التركية قبل الانتخابات بيومين طالبوا هؤلاء بتوحيد صفوفهم لمواجهة تنامي شعبية «الرفاه»، وكان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قد بعث بخطاب دعم لتشيللر قبل 5 أيام من الانتخابات، وعدها فيه بدعم إصلاحاتها الاقتصادية وضخ 5 مليار دولار من أكسيم بنك لتركيا ومساعدتها في الحصول على قرض من البنك الدولي قيمته 2.5 مليار دولار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل