العنوان الإسلام وفكرة المستقبل (3 من 3)
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 64
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 66
السبت 12-أكتوبر-2002
تحدثنا في العددين الماضيين عن ثلاثة أوجه للتقدمية في الإسلام، وهي: أولًا أنه يدفع معتنقيه إلى التحرر من سجن الماضي والحاضر في اتجاه التطلع للمستقبل، وثانيًا أنه يطمح ويسعى إلى المثالية في حدود الطاقة، وثالثًا أنه خص المستضعفين من الرجال والنساء والولدان بمكانة متميزة، ونتحدث في هذا العدد عن آخر وجهين، وهما: رابعًا استثمار الإسلام في الأجيال الجديدة، وخامسًا أن هذا الاستثمار له الأولوية المطلقة.
غير أنه ينبغي علينا أن نضع أنفسنا في سياق التاريخ، وسوف يتبين لنا أنه على القوى الحية في الأمة ألا تضيع أوقاتها هنا أو هناك، فواجب الوقت أن نضع أنفسنا في سياق التاريخ، وأن ننخرط في التيار الرئيس في الأمة من أجل استعادة وصنع الإجماع الوطني، أو ما سماه البعض الكتلة التاريخية للنهوض بمهام التغيير ومواجهة التحديات الكبرى المطروحة على الأمة والبشرية، على أساس رؤية إسلامية سمحة تستوعب في إطارها كل تكوينات شعوبنا القائمة دون إقصاء لأي منها، فالمتدين يجد مكانه، والوطني غير المتدين يجد أيضًا مكانه في جبهة الذب عن قيمة من قيم الإسلام، قيمة الوحدة، أو قيمة الحرية، أو قيمة العدالة، أو التقدم، الجميع تتسع لهم صحيفة المدينة الجديدة بمثل ما استوعبت صحيفة مدينة رسول الله ﷺ -في إطار الإيمان- كل سكان المدينة المنورة على اختلاف عقائدهم.
إنه الإجماع الذي تحتاجه أمتنا والعالم حاجة وجودية للتصدي لرياح عولمة قارونية بسبيلها إلى التهام كل القيم التي ناضلت البشرية من أجلها: قيم الحق، والخير، والجمال، والعدالة، والأخوة الإنسانية، والمساواة، والسماحة، إن القدرة على صنع هذا الإجماع وبسطه في أمتنا والعالم -وهو شرط استمرار الحضارة- ليست في المستوى النظري ميسورة لغير الإسلام، شرط أن يُدرك على حقيقته، وأن تتوافر له القاعدة الاجتماعية التي تنهض بأعبائه وتقدمه للعالم، مستوعبة كل الإرث الحضاري في إطار إنساني جديد، وهو شرط الترشح لحضارة المستقبل.
إن هجمة العولمة المتوحشة تستهدف الإسلام بحكم موقعه الرئيس في التصدي لها، إن المستهدف كل جبهات المقاومة على اختلاف ملل وقوميات أصحابها ما داموا يذبون عن هوياتهم واستقلال قرارهم، وتحكمهم في ثرواتهم ومصائرهم في مواجهة أخطبوط العولمة المهيمنة، الزاحف على العالم بتقنياته العسكرية المتقدمة وشركاته العابرة للقارات وثقافته الاستهلاكية، بما يجعل جبهة المقاومة تتسع اتساع مخطط الهيمنة الذي لا يفرق بين دين وآخر إلا بمقدار مقاومة أهله.
الاستثمار في الأجيال الجديدة:
رابعًا ولعلي لا أجد نصيحة في اختيار حقل للاستثمار المستقبلي أهم من الاستثمار في الأجيال الجديدة بدءًا بأطفالنا، فهم الرصيد المستقبلي الأعظم لدعوتنا، فمن فرط فيهم فهو لمن سواهم أضيع، ولا نكون قد كسبنا شيئًا إذا نحن كسبنا العالم وضيعنا أنفسنا، وأطفالنا من أنفسنا وبعض منا، فضلًا عن كونهم أمانة سنحاسب عليها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (سورة التحريم: 6)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (سورة التغابن: 14).
ثم إن الاهتمام بالمرأة مقصود لذاته بدعوة الإسلام، فهي شريكة التكريم الإلهي، وهي تربو عددًا على نصف الإنسانية، وبين أحضانها يتربى النصف الآخر؛ أعني فلذات أكبادنا، رصيد المستقبل، لا سيما وأن وطأة العولمة على البشرية كلها شديدة، وهي على المرأة أشد رغم ما يبدو من زخرف خادع، وهو ما يجعل مدى الاهتمام بهذا الرصيد والنجاح في إشراكه الفاعل في حمل هموم النهضة وراية المقاومة- أحد أكبر مؤشرات كسب المستقبل، بينما واقع الدعوة يشهد أن تقصيرها في هذا المجال غير قليل؛ ربما بسبب غلبة فكر التشدد في هذا المجال كرد فعل على فكر التحلل.
وكل ذلك مجافٍ لنهج الوسطية الإسلامية فيجب التدارك؛ إذ الشأن في دعوة الإسلام أنها لا تجد من حق مضيع إلا جاهدت لاستعادته، ولا حقًا قائمًا إلا حفظته، ولا حقًا منتقصًا إلا استكملته، ويبدو أن ذلك أحد شروط وراثة أية حضارة للأخرى، فما لم ننجح في تقديم ضمانات للعدل والتحرر أوفر مما تقدمه النماذج العلمانية؛ فليس من مسوغ للحديث عن مستقبل إسلامي للحضارة.
الاستثمار في الإنسان أولوية مطلقة:
خامسًا إن مهمة الأنبياء الأولى -عليهم السلام- الدعوة إلى الله -عز وجل- وهي بالتأكيد وظيفة أتباعهم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة فصلت: 33). ومعنى ذلك أن الاستثمار في الإنسان بدعوته إلى الخير وتنفيره من الباطل والشر والظلم، بما ينقذ روحه من أسر الشيطان وأجناده، ويعينه على نيل السعادتين في الأولى والأخرى، والعمل على توفير مناخات اجتماعية تعين على ذلك هو الأولوية المطلقة لعمل الدعاة إلى الله؛ لأن الاستثمار في هذا الحقل لئن كان عطاؤه أبطأ فهو أدوم، بخلاف الإصلاح من فوق، عبر أجهزة الحكم، فهو على أهميته وسرعة نتائجه سريع العطب والتحلل، وذلك ما يجعل وجهة الدعاة الرئيسة تتمركز أولًا حول الإنسان الفرد من طريق بسط ثقافة تجعله أكثر تفكرًا وتدبرًا في نفسه وأحوال مجتمعه والكون من حوله، وأكثر تحررًا من أهوائه وانفتاحًا على كل الحقائق، ولا سيما أساس ومنتهى كل الحقائق حقيقة واجب الوجود سبحانه، وحقيقة بعث الرسل، وما أرسلوا به من رسالة جوهرها الإيمان بالله، وتكريم خليفته في الأرض الإنسان.
ثقافة تتمركز ثانيًا حول المجتمع ومؤسساته، بما يقوي جانبه، ويرفع من كفاءة أدائه في الدفاع عن كرامة أفراده، وعن مقومات استقلاله عبر تشجيع وحماية مبادراته الطوعية المنظمة، بما يضمن قوامته على دولته وسيادته عليها، وتحوله فضاءً حرًا مفتوحًا وأرضًا خصبة لازدهار كل الطاقات، وتطوير المعارف والعلوم والفنون في مناخات مشبعة بحب الحق والمعرفة وتقدير أهلهما، واحترام العدالة، والمساواة، والسماحة.
تلك هي الحضارة كما عاشها المسلمون في عصور ازدهارهم. والإسلام -على حقيقته- يقدم أخصب أرضية لحضارة إنسانية تعبر عن كل أبعاد الإنسان وأشواقه الأرضية والسماوية، وهو ما يرشحه -إزاء تفاقم أزمات حضارة المادة- إلى أن يكون الحضارة البديلة، حضارة المستقبل، شريطة اقتدار دعاته على حسن استيعابهم لكسب الحضارة المعاصرة، كاقتدارهم على تجاوز أزماتها، بما يعيد التوازن المفقود فيها لمختلف أبعاد الإنسان، وكذا التوازن بين القلة المترفة المستكبرة وغالبية الشعوب المقهورة، كما هو مقتضى العدل الإلهي في استخلاف آدم وذريته، بما يعهد لقيام حضارة في حضارة المستقبل إن شاء الله، وتلك بعض شروط الترشح لها.