; الإسلام وفكرة المستقبل (1 من 3) | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام وفكرة المستقبل (1 من 3)

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر السبت 28-سبتمبر-2002

مشاهدات 70

نشر في العدد 1520

نشر في الصفحة 66

السبت 28-سبتمبر-2002

الإسلام دين تقدمي، بمعان كثيرة منها: أولًا إنه يحمل تصورًا يدفع معتنقيه إلى التحرر من سجن الماضي والحاضر على حد سواء في اتجاه التطلع إلى المستقبل، بما يحشر أعداءه في إحدى حالين: 

1- في خانة الماضويين الرافضين للتغيير والتطور تشبثًا بما ورثوا من تصورات وقيم وأنماط حياة وإنتاج وتلك كانت أهم حجة استخدمتها ضد دعوته القوى المحافظة في مكة دفاعًا عن تميزها الطبقي والاقتصادي وما يسنده من عقائد وأوثان وتصورات وأنماط حياة. كانت أهم حجة في مواجهة الدعوة الجديدة أنها تسفه آلهتهم وتشكك في أحلامهم وما ورثوه عن آبائهم أما الأخطر من ذلك فهو أثرها الاجتماعي: أنها تسوي بينهم وبين عبيدهم، من خلال إصرارها على دحض كل أصل للتمييز بين البشر وتأكيدها المتكرر لحقيقة أنهم جميعًا- سادة وعبيدًا- من آدم، وهو ما يسقط كل وجه للتفاضل والتميز غير ما كسبت يداك من فكر وقيم وعمل. أما التشنيع على الدعوة الجديدة وردها بتهمة مخالفتها لما كان عليه الآباء والأجداد، فشرف لا تبرأ منه الدعوة بل تعتز به، إذ بأي وجه يكون الماضي حجة على الحاضر إلا أن يشهد له دليل من نقل أو عقل أو تجربة؟ 

إن أصحاب المصالح والرئاسات الظالمة لا مناص لهم- من أجل حماية مراكزهم- من أيديولوجيا تستر عوراتهم وتسبغ عليهم مسحة أو صبغة من الحق والخير مما يتمسك به الناس كالمحافظة على الوحدة الوطنية أو الصالح العام أو الدفاع عن المقدسات أو تراث الآباء أو مواجهة الأعداء وقوى الاستعمار الطامعة في أوطاننا، بينما يركز سحرة فرعون إعلامهم على وضع دعاة التغيير في موقع التهديد لتلك القيم ولحالة الاستقرار الداعين للفتنة الطامحين للرئاسة المتآمرين مع الأعداء.

وتراهم بالمقابل دائبين بالليل والنهار على إظهار الطاغوت في مظهر المدافع عن تلك القيم المعلي شأنها الحريص على عقائد الناس وسعادتهم ووحدة جماعتهم. ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (الزخرف: 23-24). وفي سورة البقرة نفس المعنى والمحاجة القوية لتعرية الباطل من أثوابه التنكرية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (البقرة:170). ذلك أن الباطل لا يمكن أن يحكم إلا بانتحال وصف الحق واستعارة أثوابه للتفكر فيها والتلبس بها من ناحية وتضليل الناس من ناحية أخرى عما يحمله لهم دعاة التغيير من حق وعدل وخير لا مناص للطغاة من تشويه تلك الصورة والتخويف منها واتهام حامليها بأنهم مجرد طلاب دنيا بالدين أو متمردون على تراث الآباء والأجداد أو مخرفون دجالون. ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ (المؤمنون: 24). ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (طه: 63).

﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (يونس: 78).

﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (القلم:15).

﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (ص: 4).

﴿افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ (الفرقان: 4).

﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (سبأ: 8).

﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (الزخرف: 31).

ولقد أبدأ القرآن وأعاد في تفنيد كل ما يصنعه الطغاة من حجج لتضليل الجماهير عن وجه الحق الناصع، كما نجح في تعريتهم من كل ما تصنعوا من أثواب الحق؛ إذ الشرط الأول الذي لا غنى عنه في نجاح مهمة التغيير هو من وجه ظهور الطاغية عاريًا من كل ما تصنع من أثواب الحق للتنكر بها. ومن جانب آخر ظهور وجه الحق سافرًا بلا غبش ولا لبس. 

عندها يغدو التغيير مسألة وقت بعد أن حسم نظريًا، شأن أصنام قريش بعد أن تعرت في قلوب الناس وأعينهم من كل قداسة وتلبس بالحق فبرزت على حقيقتها أحجارًا صماء وظهر المتشبثون بها بين أبله ساذج ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (البقرة:170). وخبيث طاغ نهاز يصر على استعباد الناس ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (النازعات: 24). فكانت الإشارة إليها كافية للسقوط الأبدي ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (الإسراء: 81).

وما من شك في أن قوى الجمود والمحافظة والطغيان وأصحاب المصالح ليست من النزاهة العقلية والعدالة الخلقية، بل هي أبعد ما تكون عن الرشد والنظر البعيد واحترام الرأي العام. 

إن الرغبات الجامحة والمصالح المحرمة ونزعات التأله والعلو في الأرض-فضلًا عن التورط في الدماء والأعراض والسطو على الأرزاق- أصلب وأشد عتوًا من أن ينصاع المتورطون فيها لنصح أو لحكم عقل أو خلق. إنهم ما يترددون عندئذ في امتشاق سلاح العنف والتنكيل بأصحاب دعوة التغيير لكسر إرادتهم وتطويعهم بالسوط بعد عجز التضليل والإغراء والتهديد.

ولا يفعل الطاغية ذلك عادة اشتهاء وإنما عجزًا كآخر سلاح للدفاع عن مصالحه. فإذا نجح دعاة التغيير في الانتصار في هذه المعركة أيضًا: معركة الصمود، صمود الحق في مواجهة القوة يكون الشرط الثاني للتغيير قد تحقق وما يبقى غير توافر الظروف المناسبة كما تقدم. 

والمحافظة قد تأخذ كما رأينا شكل الانحشار في سجن الماضي ورفض الخروج منه والتحذير من ذلك استغلالًا من الطغاة لبعد أساسي يميز الإنسان بأن له ماضيًا هو مستودع تجاربه وتراث آبائه، إذ يعمدون إلى تضخيم هذا البعد واستخدامه سجنًا يحول بين الناس والتفاعل الإيجابي مع دعاة التغيير بحجة أن هؤلاء يستهدفونه. 

2- شكل التشبث بالحاضر ورفض التطلع إلى آفاق المستقبل: ومن اليسير على الطغاة استغلال هذا البعد في الجماهير ركونًا إلى ما تعرف والتجهم من المجهول الذي لا تعرف فيعمدون إلى المبالغة في تزيين الواقع وستر عوراته والتحذير من المجهول الذي يسوقهم إليه داعي التغيير بتصويره حالمًا مغامرًا صاحب مصالح وأغراض ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ (المؤمنون: 24). ويعرض للخطر والضياع ما تنعمون به من خيرات ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (طه: 63).

الرابط المختصر :