العنوان الإسلام والكونجرس «الحلقة الثانية»- شهادة السفير ايلتز ٢
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1989
مشاهدات 89
نشر في العدد 915
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 02-مايو-1989
عرضنا في الحلقة الأولى وقائع اجتماع الجلسة الأولى للجنة الفرعية لشؤون أوروبا والشرق الأوسط التابعة للكونغرس (التاسع والتسعون)، والتي كانت تناقش ما يسمونه (بالأصولية الإسلامية والتطرف الإسلامي)، وقد استمعت اللجنة في هذه الجلسة للدكتور (جون إسوسيتي) الذي طالب المسؤولين الأمريكيين بإعادة دراسة سياستهم واتجاهاتهم في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي؛ لأن الأصولية الإسلامية -كما قال- أصبحت حقيقة تعيش مع الأمريكيين، وسوف تستمر في صياغتها لسياسة "الشرق الأوسط" في المستقبل القريب، نتابع في هذه الحلقة وقائع هذه الجلسة التي استمعت فيها اللجنة للسفير الأمريكي (د.هيرمان البتر) الذي قضى في منطقة الشرق الأوسط خمسة وثلاثين عامًا.
رئيس الجلسة – السفير "ايلتز":
د. ايلتز: إن الكثير مما كنت أود أن أقوله تعرض له الدكتور "إسبوسينو"، ولهذا فإني أكرر ما قاله، لكن هناك عدد من النقاط التي سردتموها –يا سيدي– أثناء ملاحظاتكم في بداية الجلسة، وأخرى للدكتور "إسبوسيتو" أود أن أعلق عليها.
عدد المسلمين:
أولًا- أشرتم -يا سيدي- أن عدد المسلمين في الكرة الأرضية يبلغ حوالي البليون نسمة، هذا رقم مثير لكن الذي يساويه في الإثارة هو أن الإسلام هو أسرع الديانات التوحيدية انتشارًا في العالم اليوم، وهذا شيء لابد أن نضعه في حساباتنا، هناك إذن شيء حقيقي في الإسلام يجذب إليه العديد من أفضل الناس وخاصة في العالم الثالث.
ثانيًا- أن الإسلام دين توحيدي كالمسيحية (؟) واليهودية وهو دين أخلاقيات ودين عدل، ولهذا فمن الصعب أن نحكم على ما نراه اليوم من تصرفات للإرهاب مما يجري في "لبنان" أو في "إيران"، لكن المهم هنا هو أن سمعة القادة الإسلاميين الناجحين في وقتنا هذا إنما تقوم على أساس أنهم يقيمون العدل، وهذا شيء أعتقد أننا يجب ألا ننساه أبدًا.
ثالثًا- أنني سعيد –يا سيدي– لأنكم أشرتم إلى أنكم قد أعددتم الخطط للنظر في مشكلة الأصولية الإسلامية ليس ببساطة في إطار قضايا خطف الطائرات، وإنما في الإطار الواسع للمشكلة، وهي مشكلة هامة جدًا، وأعتقد أن كل من تشغل هذه المشكلة اهتمامه يجب أن يتعلم شيئًا حولها، كما أنها في نفس الوقت مشكلة الكثيرين في الشرق الأوسط الذين يجب عليهم أن يعرفوا الكثير عنها أيضًا، إنها حقيقة تعيش معنا تحتاج إلى المزيد من الدراسة سواء على المستوى الأكاديمي، أو على المستوى السياسي.
- الأمريكان يرون صعوبة الحوار مع الإسلاميين الذين يطلقون عليهم صفة الأصوليين.
الأصولية:
والأصولية الإسلامية –يا سيدي من خلال خبراتي معها في العديد من دول الشرق الأوسط– نتاج عدة أسباب:
أولًا- أنها حركة احتجاج ضد أمر حقيقي أو أمر يدركون أنه يسير في المجتمع على غير وجهه الصحيح، سواء أنتج هذا الأمر بفعل عامل داخلي، أو بفعل مزيج من العوامل الداخلية والخارجية، وأنا أؤكد على هذه الأمور الحقيقية أو المدركة على أنها خطأ في المجتمع، ومن الواضح تمامًا أن إدراك الإسلاميين لأمر ما بسبب حدث ما ليس بالضرورة هو نفس إدراكنا نحن عن نفس هذا الحدث، نعم إنها حركة احتجاج ضد أزمة ما، أزمة أخلاقية أو اجتماعية، أزمة هوية، أزمة تشريع، تناقضات اقتصادية، حكم فاسد، قهر، وهم يدركون بالطبع أن هناك تأثيرات خارجية، وما الذي يمكن أن يفعلوه لمعالجة الأخطاء القائمة في المجتمع.
ثانيًا- إن الإسلام وخاصة الإسلام الأصولي يسعى لتصحيح مواقف العلماء، وهم القادة الدينيون في المجتمع الإسلامي، ويعتبر الأصوليون منذ زمن بعيد أن هؤلاء العلماء مسؤولون عن إفساد المعنى الحقيقي للإسلام؛ لأنهم -أي العلماء بتبعيتهم للدولة- قد وظفوا الإسلام لخدمة مصالحهم الخاصة، وهذه هي واحدة من أسباب احتجاج الأصولية الإسلامية، وحينما ننظر إلى الأصولية الإسلامية في حدود تهديدها للغرب وللولايات المتحدة يجب أن نتذكر هذا الجانب وهو عدم ارتياحهم للعلماء الدينيين الرسميين، فكل حركة أصولية تريد أن تصحح شيئًا في هذا الصدد، وقد يكون ذلك أمرًا أوليًا أو ثانويًا، لكنه يجب أن يكون في قمة الأمور التي يجب أن توضع في الاعتبار.
التغيير والتهديدات:
ثالثًا- لقد أشرت إلى أن الأصولية الإسلامية تأخذ في اعتبارها التهديدات الخارجية، وأعتقد أن أحد مآسي هذا الموقف -بالنسبة لي على الأقل بعد أن قضيت خمسة وثلاثين عامًا من أفضل أيام حياتي في الشرق الأوسط - هو هذا التغير الهائل في اتجاهات المسلمين والشرق الأوسط نحو الولايات المتحدة، وأستطيع أن أتذكر جيدًا حينما ذهبت للشرق الأوسط –كدبلوماسي أمريكي في عام ١٩٤٧ وقبلها كجندي– كيف كان كل واحد منهم يستقبلنا هناك بما فيهم القادة المسلمون، لقد كانوا يضعوننا في مركز عال جدًا، من على قاعدة التمثال وقتها كنا كنتوء صغير، ولم يكن العالم يعترف بنا تمامًا؛ ذلك لأن كل كراهية المسلمين في هذا الوقت وفي الشرق الأوسط كانت منصبة على الإنجليز والفرنسيين الذين عرفوهم كاستعماريين لفترة طويلة، ولم يكونوا يروننا بوضوح في ذلك الوقت.
يجب أن نضع في اعتبارنا أنه لم ينظر إلينا ولن ينظر إلينا كأبطال معادين للاستعمار أو مؤيدين لمبدأ تقرير المصير الذاتي، كما تحدث عن ذلك الرئيس ولسون في نقاطه الأربع عشرة، ومن هنا يمكن القول إن قصورهم في تصورنا كان تطورًا طبيعيًا لمواقفنا.
رابعا- نأتي إلى مشكلة أخرى مع الأصولية الإسلامية وهي التي ألمح إليها حالًا الدكتور إسبوسيتو، وهي مشكلة علاقاتنا الخاصة بإسرائيل، إن الاعتقاد القائم بين المسلمين الآن -وأتصور أنه موجود في كل مكان- هو أن تصرفات إسرائيل ناجمة بدرجة كبيرة عن تشجيع الولايات المتحدة لها، وسواء أكان ذلك صحيحًا أم غير صحيح، فإن هذا ليس هو بيت القصيد، وما أريد أن أركز عليه هنا هو أن هذا الإدراك قائم بين المسلمين، خاصة وأن مساعداتنا العسكرية والاقتصادية الضخمة لإسرائيل تعتبر في نظرهم خير شاهد على ذلك.
وحقيقة الأمر أن "الولايات المتحدة" لم ترغب في الوقوف بحزم في مواجهة إسرائيل أو أن تنتقد تصرفاتها حتى تلك التي تراها أحيانًا غير مناسبة، ومن أمثلة تصرفات إسرائيل غير المناسبة إقدامها على أخذ أكثر من سبعمائة رجل خارج "لبنان"، والذي فعلناه نحن إزاء موقفها هذا هو صياغة احتجاج مؤيد لها.
إني أقول بجرأة إنه مع اعترافنا بالمشاكل التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية كان يجب أن يكون لنا ولو بعضًا من القوة في احتجاجنا على تصرفها هذا.
- القدس وفلسطين نقطة أساسية في تشكيل موقف الإسلاميين من "الولايات المتحدة".
مشكلة "القدس":
هناك فكرة قائمة في أذهاننا –تصور مظهرًا آخر من مظاهر هذه القضية– وهي مشكلة القدس، نحن نتصور أن هذه المشكلة يمكن أن تحل لو سمح للجميع بحرية الدخول للأراضي المقدسة بما فيها الأماكن المقدسة للمسلمين، وهي فكرة معقولة جدًا، وأعتقد أنها واحدة من المسائل التي لا تمانع فيها إسرائيل، ومع ذلك فإن هذه المسألة يرفضها الأصوليون الإسلاميون تمامًا.
إن مفهوم سيادة الدولة -كما نعرفه نحن في القانون الدولي- لا يعترف به القانون الإسلامي إنما يفهمه المسلمون هو أن هناك دولة أجنبية ودين آخر يسيطر سيطرة كاملة على القدس، وهذا أمر غير مقبول لديهم تمامًا، ولهذا فإني أعتقد أننا يجب ألا ننسى أن "القدس" تعني الكثير للمسلمين، كما تعني الكثير لليهود، أريد أن أؤكد مرة أخرى –يا سيدي– على ما قلته حالًا وهو أني لا أتحدث عن صواب أو خطأ سياستنا في الشرق الأوسط، بل إني أريد فقط بهذه الأمثلة أن أدلل على أننا نتسلق مرتفعًا وعرًا مع الأصولية الإسلامية.
قضية أخرى الأصوليون دائمًا ضدنا؛ لأننا نعتبر اليوم بالفعل الممون الرئيسي للمدنية الغربية، لم أعرف –يا سيدي– طوال حياتي في الشرق الأوسط مسلمًا واحدًا لا يريد حياة أفضل لنفسه ولأسرته، لكن مشكلة المسلمين هو نوعية التحديث المستخدم، ونحن من منظور المسلمين أناس بلا قيم أخلاقية حطمنا روابط الأسرة، وقللنا من أهمية الدين ولا شك أن لمثل هذا المنظور آثارًا سلبية، يضاف إلى ذلك -يا سيدي- إن جهدنا الإعلامي قوي، وإن إدماننا للعلاقات العامة يشكل جانبًا كبيرًا من هذا التحديث الذي نزودهم به.
ويرى العديد من المسلمين ومن الأصوليين أننا -نتظاهر- في كل شيء نفعل تقريبًا، ولكي أكون أمينًا معكم فإني قد رأيت العديد من الأمريكيين عبر سنوات خدمتي في "الشرق الأوسط" يسلكون ذلك السلوك في العديد من المناسبات، وكنت أتعاطف معهم، وهناك اعتقاد سائد بين الأصوليين الإسلاميين أننا لسنا مهتمين حقيقة بمجتمعاتهم أو بدولهم، إننا نريد منهم ببساطة أن يقفوا إلى جانبنا في صراع القوتين العظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) ولا تهتم بهم خارج هذه الدائرة.
- الإسلامية في التصور الأمريكي أصولية قائمة على الاحتجاج ضد أمر حقيقي.
صعوبة الحوار:
هذه هي إدراكاتهم الآن، وأنا أؤكد على هذه النقطة أثناء عملي كسفير كنت أحاول أن أجادل الواحد من هؤلاء الأصوليين، لكنه تبين لي أنه من الصعب (جدًاجدًا) أن تدخل مع واحد منهم في حوار؛ فهناك حدود لهذا الحوار، وقريبًا جدًا ستصلون إلى خط واضح تمامًا من عدم الثقة والشك فيما بينكم وبينهم، إذن ما الذي يمكن أن نفعله؟ أي نوع من المواقف يجب أن نتخذه، وأي نوع من التوصيات يجب أن نصيغها حتى نحسن من صورتنا أمام الأصوليين وإدراكهم لنا؟ لقد وضعت -يا سيدي- سلسلة من التوصيات أكدت فيها حقيقة هامة وهي أن حكومتنا والكونجرس في حاجة -بطريق أو بآخر- إلى فهم أفضل للإسلام.
إذا فكرتم في ذلك فإني أعتقد أن السياسيين في عالم اليوم يعرفون القليل عن الإسلام، كما نعرف نحن القليل، وأقول بصراحة مطلقة إننا نجهل الإسلام تمامًا، الإنجليز يعرفون الكثير عنه وكذلك الفرنسيون والألمان؛ فهم احتكوا بالمسلمين لسنوات طويلة، وكانوا على اتصالات وثيقة بهم، وكما يبدو كأننا بعدنا عن ذلك عن عمد، نحن فصلنا لسوء الحظ الدين عن الدولة، وسواء أكان الواحد منا يريد ذلك أم لا فإن هذا الفصل أمر يرفضه المسلمون تمامًا، ولن أنطلق في الحديث عن سلسلة التوصيات التي وضعتها لوجودها في مذكرتي المرفقة، ولكني أقول إننا بحاجة إلى حوار أفضل مع المسلمين عن قرب بين القادة المسلمين والقادة الأمريكيين، وأن هناك جهدًا لابد أن يبذل لتوجيه المساعدات الأمريكية في البلاد الإسلامية لكي تسهم في مشروعات تساعد مجتمعاتهم حقيقة، على سبيل المثال -يا سيدي الرئيس- لو أن بعضًا من المال كنا قدمناه في العام الماضي للإسهام في إعادة بناء القرى المدمرة في جنوب "لبنان"، فإن رد فعله سيكون أفضل لو قدمناه الآن، وفوق كل ما ذكرت وأشد منه ضرورة أن نحافظ على الحوار مع الأصوليين، وعلى قنوات اتصال مفتوحة دائمًا مع قادتهم، وذلك شيء لم نكن نفعله دائمًا.