; مجلس جديد يضم حلف الأطلسي وروسيا.. باتجاه هدف: الإسلام.. عدو بديل | مجلة المجتمع

العنوان مجلس جديد يضم حلف الأطلسي وروسيا.. باتجاه هدف: الإسلام.. عدو بديل

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الأربعاء 08-مايو-2002

مشاهدات 75

نشر في العدد 1504

نشر في الصفحة 32

الأربعاء 08-مايو-2002

• روسيا في طريقها لخسارة عنصر الردع في قوتها النووية.. ولن تقبل منها واشنطن بأقل من الإذعان بزعامتها المنفردة للعالم.

ولأول وهلة تعطي هذه الحصيلة الانطباع بأنها أكبر بكثير مما كان ينتظره معظم المحللين والمراقبين في ضوء حقيقة الخلافات القائمة بين القوى الدولية الرئيسة في الشريط الشمالي من الأرض والواقع أن التأمل بعمق في هذه الحصيلة يؤكد أن ارتكاز النظام الدولي عليها يعني التحرك فوق الألغام في المستقبل المنظور، فالمشكلة ليست في الاتفاقيات وإنما في المعطيات الواقعية للعلاقات القائمة بين الأطراف المعنية بتلك الاتفاقيات، وهي معطيات قد يكون العنصر الرئيس فيها في الوقت الحاضر هو العداء تجاه المنطقة الإسلامية، ولكنها بغض النظر عن ذلك تزرع على المدى البعيد لدى الحلفاء القدماء والجدد بذور التمرد على الزعامة الانفرادية المهيمنة وليس الانضواء تحت لوائها والانسياق معها إلى حيث تريد.

موسكو.. شريك حسب الطلب

عندما سئل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب توقيعه الاتفاق الجديد مع المحيط الأطلسي عن المعارضة التي يجدها داخل موسكو تجاه مثل هذه الخطوة، تجنب الجواب المباشر، وقال: إن بلاده لم تحقق الميزات من خلال المواجهة في حقبة الحرب الباردة، وإن أحداث التفجير في نيويورك وواشنطن فتحت الأبواب أمام إعطاء العلاقات الروسية- الأطلسية نوعية جديدة.

والواقع أن السؤال ينطوي على الإشارة إلى ضآلة ما تحصل عليه موسكو عبر المجلس الجديد رغم ما أحاط الإعلان عنه من مظاهر التضخيم على أعلى المستويات فالمجلس الذي أصبح الاتحاد الروسي فيه عضوًا على قدم المساواة مع الدول التسع عشرة الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، لا يختلف كثيرًا عن الترخيص للاتحاد الروسي في عهد يلتسين من قبل بحضور لقاء السبعة الكبار، ولكن شريطة عدم المشاركة في مناقشة القضايا ذات الأهمية الحقيقية في نظر السبعة الكبار، فأصبحت مجموعة الثمانية سياسية تتناول أحداث الساعة وتصدر بيانًا مشتركًا دون إجراءات عملية، بينما بقيت الدول الصناعية السبع الرئيسة كما كانت في متابعة القضايا الاقتصادية والمالية على المستوى العالمي وفق مصالحها الذاتية والمشتركة.

مكافحة الإرهاب، ومكافحة الجريمة المنظمة، ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، وإجراءات توليد الثقة ومناقشة الأزمات الدولية، هذه هي المحاور التي تشارك موسكو فيها عبر المجلس الجديد، وجميعها لا يحتاج واقعيًّا إلى خطوة من هذا القبيل، وكان يمكن إضافتها إلى جدول أعمال اللقاءات الدولية التي تتم منذ نهاية الحرب الباردة على مستوى مجلس التعاون والتنسيق بين الحلف ومن أراد من الدول الناشئة عن انهيار المعسكر الشرقي، وسبق أن أعطي الاتحاد الروسي في هذا الإطار مكانة متميزة، بحكم حجمه، ولكن لم يصل ذلك إلى مستوى العضوية في الحلف أو الوعد بها مستقبلًا، ولا تحقق هذا عبر المجلس الجديد أيضًا، ما يقرب موسكو من عضوية كاملة لا يتمثل في النقاط المذكورة التي قيل: إن المجلس الجديد تشكل من أجلها، وقد كان مما يلفت النظر على سبيل المثال، عدم ذكر شيء يتعلق بميدان التنسيق الروسي، الأطلسيعند المشاركة في مهام عسكرية جماعية، كما كان فيالبوسنة والهرسك ثم في كوسوفـا عقب الصرية الأطلسية لصربيا، وهذا رغم أن المهام العسكرية المشتركة وسيلة مباشرة لإقامة بنية عمل هيكلية مشتركة تفتح أبواب الحلف أمام الاتحاد الروسي، أما قضايا مكافحة الجريمة المنظمة والمخدرات والكوارث الطبيعية، فقد ذكرت في المهام المعدلة لحلف الأطلسي وباتت تتردد كثيرًا في الحديث عن مهام الأمم المتحدة، ولكن ليس مجهولًا أنها لا تعتبر إلا مهام ثانوية بالمقارنة مع قضايا الحرب والسلام التي نشأ الحلف على أرضيتها، وبها يبرر بقاءه رغم اضمحلال العدو الشيوعي القديم.

يبقى عنوان «مكافحة الإرهاب»، هو الأهم عند الجانبين بغض النظر عن اختلاف الأسباب والأهداف، فليس خافيًا أن التأييد الروسي السريع للولايات المتحدة عقب تفجيرات نيويورك وواشنطن، صدر في الدرجة الأولى للربط بين ما قدرت موسكو أن الحكومة الأمريكية ستصنعه، وبين ما تصنعه الحكومة الروسية نفسها منذ سنوات في الشيشان على وجه التخصيص علاوة على المساعي المتواصلة للحيلولة بكل وسيلة ممكنة دون ازدياد نمو التيار الإسلامي في البلدان المستقلة وسط آسيا، وتلك التي لم تحصل على استقلاها في القوقاز.

العداء للمنطقة الإسلامية

أرضية ما يسمى الحرب على الإرهاب، جمعت مصلحيًّا بين موسكو وواشنطن، وبالتالي بين روسيا وحلف الأطلسي، وكان في الإمكان أن يتم التعاون والتنسيق بالوسائل المتبعة إلى الآن تحت عنوان التحالف الدولي ضد الإرهاب.. ولكن وضع هذا العنوان في الصدارة للمجلس الجديد، يؤكد أن المطلوب منه أوسع نطاقًا مما توحي به كلمة «الإرهاب»، وهذا ما يربط المجلس الجديد بالهدف الذي طرح رسميًّا منذ عام 1991م على لسان ديك تشيني، وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ونائب الرئيس حاليًا- شعار «الإسلامعدو بديل»، وجرى تعديل التعبير دون المضمون أثناء صياغة الوثائق الرسمية الأولى لتعديل مهام حلف الأطلسي عامي ۱۹۹۳ و١٩٩٤م فاستخدم تعبير الأصولية الإسلامية واستقر الأمر في واشنطن عام ۱۹۹۹م على استخدام تعبير الإرهاب، ذلك قبل وقوع تفجيرات نيويورك وواشنطن وقبل توجيه أصابع الاتهام إلى منظمات إسلامية ودول ترعاها.

ولعل المهمة الثانية التي ذكرت للمجلس الجديد وتنطوي على مضمون حقيقي أيضًا هي التعاون في مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، وهو التعبير المتداول من جانب القوى الدولية التي ابتكرته والمتداول للأسف أيضًا من جانب المسؤولين ووسائل الإعلام في كثير من الدول المتضررة به- ليعبر عن احتكار تلك الأسلحة، وكذلك لمنع توفير قوة عسكرية رادعة تمنع استخدامها ضد البلدان المستهدفة بها إذا ما رأت الدول التي تملكها ذلك، وهنا أيضًا يمكن أن نرصد أن الدول الإسلامية في الدرجة الأولى هي المقصود بمعظم الإجراءات ذات العلاقة بحظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، وحظر التقنيات والأجهزة التي قد توصل إليها، وبالتالي حظر كثير مما تحتاج النهضة التقنية والصناعية عمومًا وليس الصناعة العسكرية بالذات.

المجلس الجديد إذا انطوى على مضمون حقيقي ولم يبق مجرد ترضية لموسكو قبل أن يبدأ حلف الأطلسي توسعه باتجاه حدودها فسيكون وسيلة إضافية للتنسيق بين القوىالدولية من داخل الحلف وخارجه في حرب بدأت منذ فترة ضد المنطقة الإسلامية، حصارًا وحملت في المرحلة الراهنة عناوين مبتكرة ولكن الأهداف لم تتبدل.

من الردع المتبادل إلى الهيمنة الأحادية 

من المؤكد أن الولايات المتحدة العاملة على توسيع الحلف شرقًا خطوة بعد خطوة، لا تريد أن تبقى روسيا خارج إطاره على المدى البعيد، ولكنها لا تريد أن يكون انضمامها الكامل الآن وقبل اضمحلال مفعول قوة الردع النووي لديها، فدخولها إلى الحلف قبل ذلك يزيل الميزة الرئيسة التي تستفيد واشنطن منها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي الهيمنة على الدول الأعضاء الأخرى نتيجة الفارق الكبير في مستوى التسلح وتقنيته.

ومنذ انهيار حلف وارسو وجدت دول شرق أوروبا- فضلًا عن دول وسط آسيا- نفسها مخيرة بين «الانضواء» تحت مظلة الأطلسي، وأن تكون عرضة لخطر ما من جانبه في المستقبل، بعد أن زالت مظلة وقاية الردع النووي السوفييتي وحاولت موسكو فيمايسمى الكتاب الأبيض لوزارة الدفاع قبل سنوات، ومن خلال بعض الاتفاقيات مع البلدان الأعضاء في رابطة الدول المستقلة، أن تثبت لنفسها منطقة حماية جغرافية جديدة، تحت مظلة واقية بما ورثته من قوة رادعة نووية، ولكن لم تكن الدول المعنية نفسها راغبة في ذلك، والواقع هو أن الاتحاد الروسي على الطريق إلى خسارة عنصر الردع في قوته النورية، فمفعوله مرتبط بأنه ربع متبادل، وإذا مضى الأمريكيون قدمًا في نشر درع صاروخي نووي فستضيع قيمة الأسلحة النووية لدى الدول الأخرى، وتدرك الدول الأوروبية ذلك، ولكن محاولات تنسيق الموقفين الروسي والأوروبي أخفقت من قبل، كما أخفقت محاولات موسكو للتحرك آسيويًّا، ويبدو أن القبول بالقليل الذي تحصل عليه حتى الآن على طريق الاندماج في العالم الغربي هو البديل الذي رأته رغم اقترانه بقبول الزعامة الانفرادية الأمريكية أو السكوت عنها في المرحلة الراهنة على الأقل.

أبواب الحلف بقيت مؤصدة في وجه موسكو لأسباب عديدة منها المخاوف الأوروبية من تجدد سيطرة الشيوعيين على السلطة، ومنها التدرج في توسيع الحلف زمنيًّا وجغرافيًّا، ومنها إيجاد شروط أفضل لصالح الحلف من خلال امتداده على مقربة من حدود روسيا، ولكن لا ريب أن أحد الأسباب الرئيسة لدى واشنطن- إلى جانب الرغبة فيإضعاف مفعول الردع النووي أولًا- هو استكمال إعادة تشكيل الحلف بما يتوافق مع الرغبات الأمريكية لحقبة ما بعد الحرب الباردة.

وليس مجهولًا أن الأمريكيين كانوا من وراء الإبقاء على الحلف عندما أظهر الأوروبيون الغربيون الاستعداد للتخلي عنه لصالح نظام أوروبي أو دولي مشترك، يقوم على أساس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أو هيئة الأمم المتحدة، ويعمل الأمريكيون منذ ذلك الحين لـ:

1- تحقيق مزيد من الاستقلالية للحلف عن الأمم المتحدة بأسلوب فرض الأمر الواقع على القوالب التقليدية للشرعية الدولية.

2- مزيد من التوسع الجغرافي المزدوج، أي لتوسيع رقعة انتشار الأسلحة والقيادات العسكرية وبالتالي تسهيل الوصول السريع أو التهديد العسكري القريب لأي بقعة في العالم، وكذلك لتوسيع النطاق الجغرافي لما يوصف بمهام الحلف.

وهو ما لم يعد يقتصر على المجال الجغرافي لدوله الأعضاء كما هو معروف، بل وصل إلى ما بين أفغانستان والصومال.

وموسكو ترقب تطور الحلف في هذا الاتجاه، ولهذا كانت رغبتها متركزة على المشاركة في اتخاذ القرار وليس مجرد إجراءات توليد الثقة بمراقبة المناورات، أو بالتشاور غير الملزم حول مناطق النزاع في العالم، أو ما شابه ذلك، وهذه المشاركة الفعالة بقيت محظورة على موسكو بعد تشكيل المجلس الجديد أيضًا، ويبدو أنها ستبقى كذلك إلى أن تكتمل إجراءات التعديل واسع النطاق على بنية الحلف وقياداته تشكيلاته العسكرية في اتجاه أن يكون قوة عسكرية ضاربة، يتعاظم دورها عالميًّا على حساب مختلف الأجهزة والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى، دون أن تفقد واشنطن مكانتها المهيمنة في الحلف، وبالتالي على الجهاز العسكري الفعلي لنظام عالمي جديد وفق التطلعات الأمريكية.

حدود المجاملات السياسية

الواقع أن جولة الرئيس الأمريكي في أوروبا وزيارته لموسكو في مكان الصدارة منها، علاوة على اللقاء الذي تم قرب روما لم تحمل لموسكو سوى مظاهر الشراكة على قدم المساواة، وشكليات العلاقة الودية بين البلدين، وكان إبراز ذلك مقصودًا في برنامج الزيارة الذي أعطي طابعًا عائليًا إلى جانب الطابع السياسي، مع تبادل عبارات الود، والحديث عن مرحلة جديدة من العلاقات وعن طي صفحة الحرب الباردة مرة أخرى وما شابه ذلك، كان حديثًا، لا يكلف تنازلًا سياسيًّا أو اقتصاديًّا ما.

الرئيس الروسي بوتين لاحظ ردود فعل القوى السياسية الأخرى في موسكو بشأن سيادة أوكرانيا على قرارها في إشارة ضمنية لانضمامها المحتمل إلى حلف الأطلسي، وربما كان ذلك سبب إشارته أثناء زيارة بوش لموسكو إلى أن الاتحاد الروسي لا يتراجع عن معارضته للتوسع الأطلسي شرقًا، وهنا توضع حدود المجاملات السياسية، على المحك فتظهر على حقيقتها، وقد ظهرت بالفعل فيما ورد على لسان الرئيس الأمريكي بوش نفسه بأسلوب دبلوماسي، ثم لاحقًا على لسان وزير خارجيته باول بأسلوب فظ نسبيًّا، من أن توسعة الحلف شرقًا ستتم سواء وافقت موسكو أم عارضت.

وشبيه بذلك الموقف الرسمي الأمريكي من الرغبة الروسية في الانضمام إلى منظمة التجارة الدولية؛ حيث تعد نفسها بنصيب من المكاسب المالية التي سبق أن حققتها الدول الصناعية الغربية، فقد جاء الرفض الأمريكي بصيغة دبلوماسية، ولكنها واضحة بالتأكيد على ضرورة أن يمضي الاتحاد الروسي شوطًا أبعد في الأخذ بنظام السوق الحرة أي الرأسمالية، وهو ما أزعج موسكو، فكان في مقدمة ما رغبت فيه وحصلت عليه من جانب الاتحاد الأوروبي بعد أيام تصريح رئيس المفوضية الأوروبية برودي في موسكو بأن الاتحاد يرى أن الاقتصاد الروسي يوفر شروط اقتصاد السوق.

ويظهر من المثالين أن النتائج الملموسة لم تكن تنطوي على ما يفيد موسكو على أرض الواقع، ويمكن القول إن هذا يسري جزئيًّا على الأقل على ما وصف بالمعاهدة الثالثة للحد من الأسلحة النووية، رغم أن موسكو هي التي كانت تطلب الاتفاق الثنائي على تخفيض الرؤوس النووية المتفجرة التي يحق لكل منهما الاحتفاظ بها في وضع التأهب، وهو طلب روسي قديم بسبب العجز المالي عن صيانة ما يوجد لديها من هذه الرؤوس النووية، وقد جاء الاتفاق على المعاهدة التي جرى توقيعها بصورة مفاجئة قبل زيارة بوش بأسابيع معدودة، رغم أن المفاوضات جارية بين الطرفين منذ سنوات، ثم تبين أن الأمر أقرب إلى بيان إعلان عن النوايا، وليس اتفاقية بمعنى الكلمة ما تشير إليه المقارنة المتكررة بأن حجم هذه المعاهدة الثالثة لا يزيد على ثلاث صفحات، وكان حجم المعاهدة السابقة يتعدى مئات الصفحات.

لقد كانت المشكلات الرئيسة في وجه عقد معاهدات الحد من التسلح سابقًا هي قضايا الرقابة من تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، ومن السذاجة للتأكد القول إن الشقة بلغت بين الطرفين درجة تغني عن الحاجة للرقابة المتبادلة، إنما كان رفض الرقابة ولا يزال من الجانب الأمريكي، علاوة على أن الاتفاق الجديد يترك الخيار لكل من الدولتين أن تصنع ما تشاء بالرؤوس النووية التي يجري تخفيضها، ولا يخفى أن توافر القدرة المالية لدى الطرف الأمريكي يجعله قادرًا على إتلاف ما لم يعد يفيد بقاؤه عسكريًّا،وصيانة ما يحتفظ به في المخازن ربما لحين الحاجة،ولا يعني عدم وجود رقابة على الحد من الرؤوس النووية المتفجرة عدم الالتزام بالتنفيذ، فموسكو تنفذ التعهد اضطراريًّا لأسباب عديدة منها السبب المالي، وواشنطن لا تحتاج إلى ألوف الرؤوس النووية لردع أي طرف آخر يمتلك أسلحة الدمار الشامل، إنما تحتاج إلى أسلحة تمنع سواها من تهديدها، وهذا ما يراد تحقيقه عبر شبكة الدرع الصاروخي بالنسبة للأسلحة النووية، وهو ما جعل واشنطن تنسحب من أهم اتفاقيات الحد من التسلح دون جدال، وهي اتفاقية عام ۱۹۷۲م فلا تأتي الاتفاقية الجديدة مع موسكو نتيجة الرغبة في مزيد من الحد من التسلح قدر ما تمثل إطارًا للاستغناء عن أسلحة لا حاجة إليها، وهو ما كان قابلًا للتحقيق دون اتفاق، ولكن يبدو أن المقصود هو تمكين بوتين من توظيف الاتفاق داخليًّا لتمرير سياسته الراهنة، وقد بانت في عهده امتدادًا لسياسة خلفه يلتسين، حتى بات التقارب الروسي الأمريكي مع الخلل في توازن القوى يساهم في تمكين واشنطن من تحقيق هدف الزعامة الانفرادية، ويقلص الدور الروسي إلى موقع دولة كبرى تابعة.

الضغوط الشعبية واحتمالاتها المستقبلية

الزعامة الانفرادية أو الهيمنة بتعبير أصح يمكن أن تستقر اعتمادًا على القوة، إنما لفترة زمنية محدودة، ولا سيما أن محاولة ترسيخها على المستوى العالمي تأتي في فترة نهوض القوى الأخرى وليس في فترة ضعف أو انهيار. على أن الأشد من تمرد القوى الدولية الأخرى، هو ما بدأت تواجهه السياسات الأمريكية على المستوى الشعبي، ولا تفيد هنا محاولات السياسيين التهوين من شأن المظاهرات التي رافقت جولة بوش الأوروبية كما كان في جولته الأولى أيضًا قبل عام واحد.

وتعتبر برلين مقياسًا متميزًا على هذا الصعيد، فمنذ حصارها سوفييتيًّا بعد الحرب العالمية الثانية مع إقامة جدار برلين لاحتوائها شيوعيًا، أصبحت المدينة رمزًا للارتباطات الوثيقة بين جانبي المحيط الأطلسي والاعتماد أوروبيًّا على الحليف الأمريكي، وقد وجد بعض الرؤساء الأمريكيين الترحيب الحار لدى سكان برلين، كما كان مع كينيدي عام ١٩٦٣م، وكارتر عام ١٩٧٨م. بينما كانت المظاهرات الحادة ضد السياسة الأمريكية تستقبل رؤساء آخرين مثل نیکسون عام ١٩٦٩م بسبب حرب فيتنام وريجان عام ۱۹۸۲م بسبب ما عرف بالسياسة الرأسمالية المتشددة في عهده، والتي كانت حاضنة للمرحلة التالية من مسيرة العولمة الاقتصادية والمالية عهد الرئيس الأمريكي الحالي جمع بين السببين معًا، فقد تحولت العولمة ببعديها الاقتصادي والمالي إلى هيمنة علنية وحادة من جانب الشركات المتعددة الجنسيات مع غلبة الأمريكية بينها، فضلًا عن دعم ذلك سياسيًّا، وتلا ذلك توظيف أعباء الديون السابقة والرغبة في الحصول على ديون جديدة من أجل تطويع البلدان الأخرى وفتح أسواقها للبضائع والاستثمارات العربية، ثم تحويل، الطريقة الغربية في الحياة، إلى شرط من شروط التعامل مع هذه الدولة أو تلك، علاوة على تحويل مبدأ تحرير التجارة دوليًّا والحرية الشخصية قطريًّا إلى مصادر للثراء الفاحش وتوظيفه في الهيمنة على السياسة وصناعة قرارها، إلى جانب زيادة أرباح الأطراف الثرية وزيادة فقر الفئات الفقيرة إلى حد لا يطاق، داخل كل بلد على حدة وعلى المستوى العالمي كما أن جانب الحرب قد برز في عهد الرئيس الأمريكي الحالي كما لم يبرز في عهد أحد قبله، بشمول الحرب المعلنة مختلف الميادين لا الميدان العسكري فقط وامتداد أهدافها عالميًّا، فضلًا عن اقترانها بسعي واشنطن كي ترسخ نفسها فوق القانون الدولي وتطبيقاته وأجهزته، وهو ما انعكس في التنصل من اتفاقيات ومنظمات دولية سابقة ورفض التحرك وفق مواثيق ومنظمات جديدة، كما جرى مع ميثاق مكافحة الألغام الأرضية والمحكمة الجنائية الدولية الجديدة، واتفاقية كيوتو للمناخ العالمي، والانسحاب من معاهدة حظر الأسلحة النووية الدفاعية وغير ذلك مما أضيف إلى سجل طويل سابق كالامتناع حتى الآن عن الانضمام إلى مواثيق دولية من مستوى البيان العالمي لحقوقالإنسان، وميثاق حماية الطفولة ورعايتها.

لقد كانت المظاهرات الشعبية في أوروبا ضد بوش تعبيرًا عن سخط يتنامى في المجتمعات الغربية بسرعة ملحوظة، ويكفي التنويه بأهمية هذا السخط الشعبي، أن تسترجع كيف كانت المظاهرات الأولى في النصف الثاني من الستينيات الميلادية الماضية، نواة ما عرف بحركة السلام وحركة حماية البيئة من التلوث، فأصبح ظهورها بداية تغيير في البنية السياسية والاجتماعية للدول الغربية عمومًا؛ إذ سرعان ما تحولت «ثورة الطلبة- كما قيل عنها- إلى ثورة الإنسان الغربي، وهذا بالذات ما بدأت معالمه بالظهور وكانت المظاهرات المضادة للرئيس بوش معلمًا- من تلك المعالم أيضًا، ولن تكون الأخيرة.

الرابط المختصر :