; الإسلاميون قوة معتبرة.. قراءة في خريطة موريتانيا السياسية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلاميون قوة معتبرة.. قراءة في خريطة موريتانيا السياسية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-2000

مشاهدات 124

نشر في العدد 1419

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 26-سبتمبر-2000

الموقع الذي تتبوؤه الجمهورية الإسلامية الموريتانية في ملتقى منطقتي المغرب العربي وغرب إفريقيا يشكل جسرًا ثقافيًّا وجغرافيًّا رابطًا الشمال بالجنوب. هذا الموقع هيأها لدور تاريخي متميز في نشر الإسلام وعلومه والقيام بأمره في قاصية الديار الإفريقية.. ومعروف أن هذه البلاد لم تعرف نظام الدولة إلا حديثًا بعد استقلالها عن الاستعمار الفرنسي عام ١٩٦٠م الذي نالته دون أن تملك المقومات السياسية والمادية للدولة الحديثة.

ومنذ الاستقلال شهدت البلاد بروز تيارات سياسية عديدة كان أبرزها التيار القريب من فكر الغرب الذي ورث الدولة من المستعمر وسيطر على أجهزتها من خلال حزب الشعب الموريتاني الحزب الوحيد الذي حكم البلاد حتى الانقلاب العسكري سنة ۱۹۷۸م، مقابل هذا التيار، ظهرت في البلاد توجهات يسارية ذات طابع ماركسي- لينيني- شكلت المعارضة الأساسية لنظام المختار ولد داداه أول رئيس لموريتانيا.

ومع وجود نزعة عروبية وإسلامية ظاهرة إلا أن معظم قياداتها وأشخاصها كانوا على الهامش بحكم ثقافتهم ومواقعهم المهنية. 

استمر حزب الشعب بقيادة المختار ولد داداه في إدارة الدولة الموريتانية ١٨ سنة عرفت فيها البلاد تحولات سياسية مهمة كان آخرها الحرب التي دخلتها في الصحراء الغربية ولم تتحملها القدرات العسكرية والاقتصادية للدولة الناشئة مما هيأ الأرضية لانقلاب عسكري جرى في ١٠ يوليو ۱۹۷۸م، ومن حينها حكم الجيش وتعاقبت على منصب الرئاسة شخصيات عسكرية عديدة من العقيد المصطفى ولد السالك والمقدم أحمد ولد يوسيف إلى المقدم محمد خونا ولد هيداله. الذي تميز حكمه ببعض القوة، في حين لم يخل من قرارات دالة كان أهمها قراره بتطبيق الشريعة الإسلامية الذي حظي بتأييد التيار الإسلامي البادئ في الظهور حينها، ثم جاء انقلاب12/12/1984م الذي حمل العقيد معاوية ولد سيد أحمد الطايع إلى السلطة لتبدأ مرحلة سياسية من تاريخ موريتانيا مازالت مستمرة حتى الآن.

وقد عرفت البلاد طيلة المراحل السابقة الذكر وخلال المرحلة الأولى من حكم ولد الطايع (١٩٨٤- ۱۹۹۱م) ظهور طيف سياسي توزعته مجموعات عديدة من الشيوعيين الذين استفادوا من درية الصراع مع ولد داداه إلى القوميين العرب بجناحيهم الناصريين والبعثيين إلى الإسلاميين المتأثرين بفكر ومنهج الإخوان المسلمين إلى القوميين الزنوج الذين غلب على دعوتهم التوجه الفرانكفوني والعنصري إلى تيارات اجتماعية كان أبرزها حركة الحر، وهي تجمع يدعو لتحرير فئة الحراطين والقضاء على ظاهرة الرق.

 إلا أن البلاد شهدت تحولًا سياسيًّا مهمًّا سنة ۱۹۹۱م، أي في المرحلة الثانية من حكم ولد الطابع، تمثل في الإعلان عن إقرار التعددية وإجازة الدستور وبدأت الخريطة السياسية تأخذ شكلًا مختلفًا منذ بدأ التطور السياسي من بعد دستور ۱۹۹۱م بإقصاء الاتجاه الإسلامي الذي منعت له مبادرتان حزبيتان.

● الجبهة الإسلامية التي هيأت لها وأشرفت عليها الحركة الإسلامية، وإن وسعتها لأطراف أخرى في الساحة الإسلامية العامة.

● حزب الأمة الذي بادرت به شخصيات إسلامية مستقلة كان للحركة فيها حضور ولها عليها تأثير.

كان واضحًا أن النظام القريب من فرنسا حينها والمعجب بالنموذج التونسي قد أصر على رفض التشريع للإسلاميين مهما حاولوا التكييف مع قانون الأحزاب، وقد اختار الإسلاميون- رغم حماس شارعهم وإمكانات النجاح لمشروعهم الحزبي- عدم المواجهة ولم يصعدوا مع الرئيس ولد الطايع مع أنهم ساندوا- في قطاعهم الأوسع ممثلًا في حزب الأمة الممنوع- منافسه الرئيس في رئاسيات ۱۹۹۲م أحمد ولد داداه الأخ غير الشقيق للرئيس الأسبق.

ومع تهميش الإسلاميين- الذين فضل أغلبهم التوجه للعمل الدعوي والثقافي مؤثرًا عدم المغالبة تكونت خريطة سياسية جديدة أملتها أجواء التعددية يمكن تصنيفها على النحو التالي:

أحزاب التجمعات:

وهي الأحزاب الكبرى التي لا تجمعها رؤية أيديولوجية واحدة، تتجمع حول شخص قائد أو برنامج محدود وهي ثلاثة:

1- الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي (PRDS): وهو الحزب الحاكم يرأسه الرئيس معاوية ولد الطابع ويضم إداريي الدولة وشيوخ القبائل وبعض التكنوقراط، ولا يخلو من حضور متفاوت القيادات تاريخية من مختلف التيارات السياسية يسارية وقومية أساسًا.. يسيطر هذا الحزب على الحكومة والبرلمان ومختلف أجهزة الدولة.

ويوجد في صفوف هذا الحزب بعض أصحاب التوجه الإسلامي آثروا السلامة وربما ظنوه مجالًا لخدمة بعض مبادئهم.

2- اتحاد القوى الديمقراطية– عهد جديد (UFD/EN) وهو أبرز أعضاء جبهة أحزاب المعارضة، ويوصف في الأوساط السياسية بأنه حزب المعارضة الرئيس، يتجمع حول زعيمه أحمد ولد داداه المنافس الرئيس لولد الطايع، ويحظى هذا الحزب بحضور مقدر ساعده على الصمود في وجه مضايقات السلطة ومكايداتها، يعتمد على بعض المجموعات السياسية منها.. ليبراليون وناصريون وقوميون زنوج وبعض الإسلاميين، فضلًا عن شخصيات كبيرة من الحكم المدني الأول، ويتعايش كل هؤلاء في جو حذر، كما استطاع زعيم الحزب حفظ التوازن فيه، ولا يخلو الحزب من حضور وإن كان نسبيًّا لبعض. الكتل الجهوية التي التحقت به أخيرًا خطابه معارض، ويعتبر عند المراقبين في الداخل والخارج المنافس الأساسي للنظام.

3- حزب العمل من أجل التغيير (AC): وهو تكتل لتيار الحر، وبعض المجموعات الزنجية ولا يخلو من عناصر عربية محدودة العدد والتأثير يقوده وزير سابق وشخصيات بارزة في المعارضة مسعود ولد بلخير الذي مازال يتمتع بشعبية معتبرة في أوساط فئته الاجتماعية الحراطين ورغم المشكلات التنظيمية والمادية والسياسية التي عرفها هذا الحزب أخيرًا، فإنه ما زال يصنف في نادي الأحزاب الكبيرة وهو عضو بارز في جبهة أحزاب المعارضة.

الأحزاب الأيديولوجية:

وهي أحزاب صغيرة لأن معظم عناصر الجيل الأول في الحركات السياسية التحق بأحزاب التجمعات، وأهم الأحزاب الأيديولوجية: 

أ- جناح منشق من حزب المعارضة الرئيس يعرف باتحاد القوى الديمقراطية. عهد جديد «ب»: وهو إطار للحركة الوطنية الديمقراطية (MND) ذات التوجه الشيوعي، وهو أكبر الأحزاب الأيديولوجية وصاحب تجربة في الممارسة السياسية، وإن كانت عزلته الشعبية بالمقارنة مع الكبار بادية، ويقود هذا الحزب أستاذ في الجامعة يدعى محمد بن مولود.

 2- التحالف الشعبي التقدمي (APP) وهو حزب ناصري التأم فيه بعض الشباب الناصري المتشبث بطروحات تقليدية للفكر الناصري، يقوده محمد الحافظ ولد إسماعيل. وينتمي هذا الحزب لجبهة أحزاب المعارضة.

3- حزب الطليعة الوطنية (PAN): وهو حزب بعثي على الطريقة العراقية حضوره محدود والدعاية حوله أكبر منه، تم حله أخيرًا بقرار من مجلس الوزراء الموريتاني بتهمة ربط صلات مع العراق وتلقي الدعم المادي منه.

أحزاب الأشخاص:

وهي أحزاب تعرف بأسماء زعمائها، لا هي بالأيديولوجية كالسابقة ولا بالقمعية كالأسبق. وأهم هذا النوع من الأحزاب:

 ١- الجبهة الشعبية (FP) ويقودها الوزير السابق محمد الأمين أشبيه وينتمي حاليًّا لجبهة أحزاب المعارضة، وهو أكثر أحزاب الأشخاص نشاطًا.

۲- الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم (UDP) وهو حزب ينسب لرئيسه ومؤسسه وزير الخارجية السابق حمدي بن مكناس الذي توفي العام الماضي وخلفته في قيادة الحزب ابنته ويتحالف هذا الحزب مع الحزب الحاكم وتشغل رئيسته مستشارة في رئاسة الدولة.

٣- التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة (RDU) سبق الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم في التحالف مع السلطة ورئيسه أحمد ولد سيد باب، وهو وزير في حكومة ولد الطايع وقريبه قبليًّا.

ورغم هذا العدد المعتبر من الأحزاب السياسية. ومعه أحزاب صغرى حمد بعضها واختفى البعض الآخر فإن الحزب الحاكم يحتكر البرلمان وأغلب البلديات، وذلك لأن الانتخابات تجري في جو من التزوير دفع أهم أحزاب المعارضة وتياراتها إلى المقاطعة.

ومع اقتراب نهاية سنة ٢٠٠٠م وعلى مشارف السنة السياسية المقبلة، يعرف المشهد السياسي قدرًا من المبادرات والتحركات، استعدادًا فيما يبدو لتشريعات أكتوبر ۲۰۰۱م التي يرجح بعض المراقبين أن يسبقها بعض الانفراج يسمح لمختلف القوى بالمشاركة.

وفي هذا الصدد سجل اهتمام بالملف الإسلامي الذي لا شك أن أصحابه كسبوا بعض الدربة أكثر من الماضي وبالتالي أصبحوا أكثر استعصاء على التوظيف أو الاستغلال. ورغم اعتزال كثير من الإسلاميين للعمل السياسي الحزبي، فإنهم قوة معتبرة قد يكون لها شأن إذا ما قررت دخول الميدان مستقلة أو ضمن تحالف مع آخرين. 

الرابط المختصر :