العنوان الإرهاب .. هل هو مسيحي أو بوذي؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995
مشاهدات 92
نشر في العدد 1148
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 02-مايو-1995
العنف الذي يظهر في العالم هنا وهناك يدل على جنوح
حقيقي يجب أن يؤخذ على يديه، والإرهاب الذي يجتاح المعمورة هذه الأيام يدل على
وحشية ضارية ينبغي أن يأخذ جزاءه، سواء أكان من أفراد أو جماعات أو حكومات، فليس
هناك عنف أو إرهاب مدني يحرم، وعنف وإرهاب حكومي يباح، وليس هناك أحد من نسل
الآلهة والآخر من نسل الشياطين، فالناس سواسية كأسنان المشط، ولكن قبل الحساب وقبل
إصدار الأحكام يجب أن تعرف الأسباب وتدرك الدوافع، لا لتبرير العنف ولكن لمعالجته،
ولا للتستر عليه ولكن لتشخيصه، ولا يجب أن يتعامى الناس عن قانون السببية الراسخ،
فلا يوجد شيء من لا شيء ولا يتحرك ساكن بغير محرك، فقد يكون العنف والإرهاب وليد
تناقضات فكرية، وضياعات اجتماعية، وشرود ثقافي ونهم مادي، فتتحرك العنصريات
لتنفجر، وتموج الشطحات لتدمر، وتتلاطم الأحقاد ويتعاظم القهر ويتراكم الحرمان
فيحرق الأخضر واليابس، ويأتي على بنيان أي أمة من القواعد، وقد يكون العنف
والإرهاب لفراغ روحي وخواء عقائدي وانحطاط خلقي وقيمي وصدام أيديولوجي، ومحاولة
لقوى معينة -قد تكون الدولة- لقهر هذا المعنى في الإنسان وترذيله في النفس وتجريمه
في المجتمع وتحريمه في القانون، والتعامل معه بالقوة، فيدافع ذلك الإنسان عن نفسه
بثورة وعن ذاته وعمقه وفطرته بهياج، فيكون ما لا يحمد عقباه من الإرهاب والعنف،
ويؤدي ذلك إلى تجريم طرف وترك الآخر طليقًا يحضر لعنف آخر ويؤسس لإرهاب لاحق، هذا
فضلًا عن أن العنصر الطليق المؤسس والمحضر لذلك الهياج، يستغل معاناة الآخر وخطاه
في تنفيذ مآربه، بل قد يدفعه إلى الخطأ حينًا ويفتري عليه حينًا آخر ليزداد القهر
وتقوى المعاناة وينعم الجاني مستترًا بدخان الحوادث، وينطلق الجهلة عراض الأقفية
ملتاثو الأفهام يهرفون بما لا يعلمون فيزيدون الطين بلة والمريض علة، لا ينظرون في
الأسباب ولا يعون الحوادث والألاعيب:
إن الرواة على جهل بما حملوا مثل الجمال عليها يحمل الودع
لا الودع ينفعه حمل الجمال له ولا الجمال بحمل الودع تنتفع
فكم كشفت لنا حوادث كثيرة في
الشرق المسكين عن خلافات وظلمات وعن خدع وضلالات لا تلبث أن تنجلي عنها الفتنة
فيظهر الفاعل الحقيقي الطليق كالح الوجه صفيق النفس منعدم الضمير، كم دبرت حكومات
حوادث وأحدثت انفجارات لتلصقها بآخرين من الأبرياء الناقمين على ظلمها والحانقين
على تصرفها، وكم وصفت قوى بالإرهاب وما زالت وهي ضالعة فيه، وكم لطخت جبين حركات
إسلامية بالعنف وجرتها إليه وهي قواه المحركة ومخططه النجيب وداهيته الرهيب، وتعدى
ذلك إلى الإسلام والمسلمين كراهية للملة والدين واستعدت عليه كل حاقد ولئيم، فتجيّش
الإعلام ضد المسلمين، وتعبأت الشعوب بعداوتهم، وكشرت لهم عن أنيابها وصاروا كأنهم
مطاريد الأمم، ووافق ذلك هوى عند اليهود ومن شايعهم وعند النصارى ومن ناصرهم، وعند
الظالمين ومن عاونهم، حتى إذا وقعت جريمة في أقصى الأرض يبحث لها عن مسلم، وإذا
نزلت كارثة في أدنى المعمورة تنتقى لها جماعة إسلامية.
وقد تعجبت عندما حدث الانفجار في
مدينة أوكلاهوما الأمريكية إذ انطلقت الألسنة وأسرعت الأقلام وانطلقت أجهزة
الإعلام وسارع المسؤولون بإلصاق التهمة بالمسلمين، ففي البداية وجهت أصابع الاتهام
فورًا إلى عرب وأصوليين إسلاميين وأناس ذوي سمات وملامح شرق أوسطية، كأنما الإرهاب
حكر على هؤلاء، وافترض المحققون في البداية وأيقنت المخابرات أن مرتكبي تلك
الجريمة عرب، وسارع الإسرائيليون إلى الإدلاء بدلوهم فزكوا شكوك الأمريكيين وقاموا
بعرض المساعدة في التحقيقات ليعمقوا الافتراء، وقالوا إننا حذرنا الأمريكان من
هجوم وشيك في أمريكا من الأصوليين، وصرح الرئيس الأمريكي مفترضًا أن العمل البشع
من تخطيط وتنفيذ أطراف خارجية والأرجح أنها شرق أوسطية، ويقال إنه أمر البنتاجون
يوم الأربعاء بعد الحادث بتحديد أهداف في إيران والسودان استعدادًا لضربها عندما
ينجلي الأمر وتلصق التهم، ثم قال: لا أحد يستطيع أن يختبئ في أي مكان في هذا البلد
ولا أي مكان في العالم من عواقب هذا العمل الرهيب، وسارعت الشرطة الأمريكية بتجهيز
الأدلة ضد المسلمين، فقال بعض الخبراء: إن الانفجار يشبه انفجار السفارة الأمريكية
في بيروت في أوائل الثمانينيات، وأنه يشبه حادث مركز التجارة العالمي قبل عامين،
وسرت العدوى إلى مطارات العالم لتطارد كل مسافر عربي يصل من أمريكا، فألقت بريطانيا
القبض على مهندس أمريكي وصل إلى لندن للمشاركة في حلقة نقاش علمية وأعادته إلى الولايات
المتحدة دون أدلة لتوجيه التهمة إليه، وقد وصل إلى مطار روما وفتشت حقائبه التي ما
كانت تحوي شيئًا، ولكن سلطات المطار صرحت بأن الحقائب قد وجد فيها آلات ومواد
متفجرة وأسلحة، وطار الإعلام العالمي بالخبر الكاذب، وسارع كثير من رؤساء الدول
بالاتصال بالرئيس الأمريكي لتقديم التعازي، دون أن ينسوا أن يحرضوا على الإرهاب
القادم من الشرق الأوسط الإسلامي، وشاءت عناية الله بعد ذلك أن تظهر الحقيقة قدرًا
بالقبض على الفاعل الحقيقي لتجاوزه سرعة المرور وبالها من عناية برأت الإسلام
والمسلمين، وأظهرت أن الحقائب التي فتشت ما كان فيها شيء إلا الملابس، وأن الحادث
التفجيري أمريكي صرف لمسيحي متطرف مقهور يأخذ بالثأر من الدولة لقتلها أفراد ملته
قبل عام، وفي نفس الأيام يظهر أن الذي سرب الغاز السام في محطات المترو في اليابان
ياباني بوذي، وقد وجد عنده غاز قاتل يقتل حوالي 20 مليونًا أو أكثر، فقلت: سبحان
الله! لم يقل أحد إن الإرهاب مسيحي أو بوذي وهو حقيقة، ولكنهم قد يطلقون الإرهاب
على الإسلام وهو وهم، وهو منه براء، بل هو السلام والأمن.
صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
إن يوهموا ريبة طاروا بها فرحًا وإن هموا علموا من صالح دفنوا
ولكن هل يعلم المخدوعون من
المسلمين ذلك؟ وهل ينفضون الغبار عن جباههم؟ نسأل الله ذلك.