; اليهود والعلمانيون.. والأسئلة المستحيلة | مجلة المجتمع

العنوان اليهود والعلمانيون.. والأسئلة المستحيلة

الكاتب د. أحمد عبدالرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1994

مشاهدات 98

نشر في العدد 1109

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 26-يوليو-1994

سئل النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة كثيرة جدًّا، وسجل القرآن الكريم الكثير منها، ومن الأجوبة عليها، وتحفل كتب السنة بمثل ذلك، مما يصعب حصره، وكأن الناس يسألون في الأغلب عن مسائل عملية، طلبًا لمعرفة الصواب والخطأ في الاعتقاد، والحلال والحرام في العمل، نشدانًا لمرضاة الله تعالى.

لكن اليهود كانوا يسألون الأسئلة المستحيلة، بغية إحراج النبي صلى الله عليه وسلم والتشكيك في دينه، وصار منهجهم هذا الخبيث هو الطريق المفضل عند كثير من أعداء الإسلام في كل عصر.

كان الناس يسألون عن الأهلة، والأشهر الحرم، والخمر والميسر، وغير ذلك من المسائل الاعتقادية والعملية، وكان اليهود يسألون عن: الروح، ما هي؟ وعن «الساعة» ومتى هي؟ وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخلافهم اليوم يسألون عن خلق آدم وكيفية الوحي، والبعث والحساب.

ومن الطريف حقًا أن العلوم الحديثة لم تستطع أن تقدم أجوبة لتلك الأسئلة حتى اليوم، بل إنها بحكم مناهجها التجريبية لا تستطيع أن تعالجها، وأما الفلسفة فقد اختارت الطريق الأسهل، وأعلنت في معظم مذاهبها الحديثة والمعاصرة كفرانها بالروح، وبالأديان عامة، ولم يجن الإنسان المعاصر من ورائها إلا القلق والاغتراب والأمراض النفسية والعقلية والإدمان، ومن وراء ذلك كله الجريمة المنظمة الرهيبة.

وقد كان بوسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقدم أية أجوبة لتلك الأسئلة لأن أحدًا لم يكن يستطيع أن يحكم بصوابها أو خطئها، فلو أجاب قائلًا: إن الساعة ستقع بعد ألف عام، مثلًا، لما استطاع أحد أن يكذبه، ولو قال: إن الروح كائن نوراني، مثلًا، لما استطاع اليهود أن يكذبوه، فلم يكن في أيديهم شيء يُعتمد عليه سوى التوراة المحرفة، ولو أنهم قالوا للناس: إن التوراة تقول غير ما يقول محمد، لما كان ذلك محرجًا له عليه السلام، إذ كان بوسعه أن يرد قائلًا: إن التوراة محرفة، وإن تاريخ قيام الساعة المنصوص عليه فيها هو مجرد تخمين بشري، ولم يكن بوسع أحد أن يحسم المسألة، أو يتذرع بكلام اليهود للتشكيك في الإسلام، ولابد أن نذكر هنا أن العلم الحديث أثبت خطأ ذلك التاريخ.

لكن أخلاقيات النبوة أسمى من كل تلك المغالطات والأكاذيب، ولذلك صمت النبي صلى الله عليه وسلم حين سألوه عن الروح، ولم يرد عليهم انتظارًا لكلمة السماء، فقد روى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: «بينا أنا والنبي في حرث، وهو متكئ على عسيب(1) إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح.. فسألوه عن الروح، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليهم شيئًا»(2).

ولفظ الروح لفظ مجمل، يحتمل معاني عديدة، والخلاف حول الروح قديم ومتجدد بين الأديان والفلسفات وعلوم النفس والتصوف، وقد اختلف المسلمون أيضًا في تفسير هذا اللفظ، فقال بعضهم: إن الروح ملك من الملائكة «وذهب أهل التأويل إلى أنهم - أي اليهود - سألوه عن الروح الذي يكون به حياة الجسد، وقال أهل النظر منهم - أي من المسلمين المتأولين - إنما سألوه عن كيفية الروح ومسلكه في بدن الإنسان وكيفية امتزاجه بالجسم واتصال الحياة به، وهذا شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل»، وقد علق القرطبي - رحمه الله - قائلًا: إن الله تعالى قد استأثر بعلم الروح «ليعرف الإنسان، على القطع، عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها، وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا، كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى، وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز»(3).

ونحن نعلم أن القرآن الكريم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء: 85).

وفيما يتعلق بالسؤال الثاني، أي: «متى الساعة؟»، يذكر أيضًا أن اليهود قد اتخذوا منه وسيلة للتشكيك والتحدي، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن كنت نبيًا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم»(4)، ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم متقولًا فما أيسر عليه من المسارعة إلى «جواب مستحيل» مثل السؤال نفسه! لكنه كان أسمى وأرفع من تلك الأساليب غير الأخلاقية، ولذلك لم يجبهم، ترقبًا لجواب الوحي الذي أمره أن: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأعراف: 187).

وحين بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود يطلبون منهم دليلًا على صدق محمد أو كذبه، فاقترحوا عليهم السؤالين السابقين المستحيلين، وأضافوا إليهما سؤالًا ثالثًا ظنوه خطأ من المستحيلات وكان عن ذي القرنين، الذي أجابت عنه سورة الكهف.

واليوم يسير العلمانيون على هذا النهج اليهودي نفسه، فلا يكفون عن السؤال عن خلق آدم، وهل نصدق القرآن أم نظرية دارون، وعن الوحي وهل نصدقه أم نأخذ بنظرية فرويد في اللاشعور، وعن البعث والحساب والجنة والنار، وعن معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، ولا هدف لهم إلا التشكيك في الإسلام، والانتصار لمذاهبهم الوضعية المنطقية، أو الماركسية، أو الوجودية، أو البراجماتية، ومن ورائهم قوى عاتية تمولهم وتسلحهم، وتمكن لهم في كل مجالات السياسة والاقتصاد والتربية والإعلام والفنون، وعلينا نحن المسلمين أن نتنبه إلى أبعاد هذه المعركة الثقافية وأصولها ومناهجها، وأهدافها، وأن نجند كل طاقاتنا ونستثمر كل قوانا والله تعالى معنا، وسوف ينصرنا إذا نحن نصرنا دينه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ (الحج: 40).

__________________

الهوامش

1- العسيب: جريدة النخل.

2- القرطبي: الجامع جـ 5 ص 3939.

3- المصدر السابق ص 2940.

4- نفسه جـ 4 ص 2771.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل