; الولاء للأعـداء وأسبابه | مجلة المجتمع

العنوان الولاء للأعـداء وأسبابه

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1974

مشاهدات 75

نشر في العدد 204

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 11-يونيو-1974

الولاء للأعـداء وأسبابه بقلم: الأستاذ أحمد لطفي عبد اللطيف يطلق كثير من الناس كلمة «عميل» على قائد أو وزير أو أي شخص ذي شأن ويريدون بها ذمه واتهامه بخيانة بلاده بتقديم مصالح دولة ما على مصلحة بلاده. ولو أردنا استقصاء المعنى اللغوي لهذه الكلمة لما وجدنا لها في المعاجم هذا المدلول الخاص، وإنما يردد معناها في المعاملة الخالصة أكانت مع أصدقاء أو أعداء، والتعامل مع العدو قد لا يكون بالضرورة خيانة، إذ ربما كان لمصلحة البلاد. فماذا نطلق إذن على أولئك الأشخاص الذين يختانون أوطانهم وأنفسهم بتقديم مصالح أعدائهم على مصالح أوطانهم؟  إن التدبر في آيات القرآن الكريم يهدينا إلى أن الكتاب الحكيم استعمل لمثل هذه الحالة كلمة الموالاة:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ (سورة الممتحنة الآية: ١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ أن اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة المائدة الآية: ٥١). فالذين يقدمون مصالح أعدائهم على مصالح أوطانهم ويرتكبون مثل هذه الخيانة هم أولياء الأعداء وأولياء الكفار وأولياء الاستعمار.. إلخ، وواحدهم ولي كذا وليس عميلًا كما يقولون.  ولكن هل عرف العرب موالاة العدو حديثًا، أم هو داء فيهم قديم؟ وهل لانتشار هذه الظاهرة من أسباب حتى نبينها كي يسهل علاجها؟  نبادر إلى القول بأن العرب عرفوا هذا النوع من الزعماء منذ الجاهلية، وأن أسباب هذا الداء الخبيث تكمن فيما يلي:  أولًا: التهافت على كرسي الحكم من ذوي النفوس الضعيفة، إذ لو درسنا مثلًا حالة الموالاة لدى الغساسنة والمناذرة في العصر الجاهلي لوجدنا أن تهافت ملوكهم على الحكم كان السبب الرئيسي الذي دفعهم إلى موالاة الفرس والروم، وقد دفعهم هذا الولاء إلى حروب طاحنة فيما بينهم، وما يوم حليمة بسر (۱)! وقد كان ملوك الغساسنة والمناذرة ألعوبة في أيدي أسيادهم، يقتلون من يقتلون، ويملكون من يريدون ويعزلون من يشاءون.   ومثل آخر من القرن الثامن عشر الميلادي، ظاهر العمر، الذي ارتمى في أحضان الروس ثائرًا على العثمانيين باحثًا عن كرسي الحكم، فساعده الروس بسفنهم الحربية فاحتل صيدًا وأعلن تمرده فماذا كان من شأنه بعد (۲)؟!!  ومثل ثالث محمد علي في مصر، استقل بها عن الدولة العثمانية بمساعدة الإنجليز، وكان من ضمن الثمن الذي دفعه لقاء وعد بتزعمه على مصر والبلاد العربية القضاء على الدولة الإسلامية الفتية التي أقامها المصلح الكبير محمد بن عبد الوهاب في نجد، ثم السماح لليهود بإقامة مستعمرة لهم في فلسطين فأقاموا مستعمرة «مونته غيبري» (۳) ثانيًا: الانهيار الخلقي، لم يعرف تاريخ الأمة العربية موالاة أسوأ من موالاة ذوي الأخلاق المنهارة، فالدول الكبرى التي تتحكم في العالم في كل عصر -حاشا الدولة الإسلامية- تلجأ إلى ذوي الأخلاق الفاسدة وتستعملهم على شعوبهم وتمد لهم حبل الفساد على غاربه، وفي البلاد العربية تعتبر مسألة الأخلاق مسألة حساسة للغاية، فالحاكم أو القائد لا يريد أن تفتضح أخباره اللاأخلاقية لدى شعبه فيلجأ إلى شدها بكل وسيلة، ومن ضمن هذه الوسائل تمرير مصالح الأعداء وتقديمها على كل مصلحة نظير سكوتهم وتسترهم على فضائحه. أن القادة اللاأخلاقيين هم الذين أهدوا أعداءهم الانتصارات المتوالية منذ انحيازهم لأعداء الدولة العثمانية وحتى هزائم ١٩٤٨، ١٩٥٦، ١٩٦٧م.   ثالثًا: اختلاف الدين. لقد سيطر الإسلام على بلاد شاسعة قرونًا طوالًا، وأعطى اتباع الديانات الأخرى كل الامتيازات، ولكن هؤلاء لم يرقهم أن يروا الإسلام يسود ويحكم فراحوا يتصلون بالدول التي تدين بدينهم ومنحوها ولاءهم المطلق وخانوا الدولة التي يعيشون فيها، لذا فقد انتشر مثل هذا الولاء لدى أتباع الديانات المختلفة، وقد اتبع هؤلاء طرقًا شتى في حرب الإسلام ودولته، من أخبثها تأليف الأحزاب السياسية في العصر الحديث وإغراء الشباب المسلم بالانضمام إليها تحت شعارات براقة، ولو تتبعنا أسماء زعماء الأحزاب في الدول العربية اليوم لمرت معنا أسماء مثل ميشيل وجورج وأنطون، ولأدركنا مصداق ما نقول.  رابعًا: التزوج بالأجنبيات: للمرأة مكانة كبيرة في نفس زوجها، وكثير من الأزواج لزوجاتهم كلمات مسموعة لديهم، بل أن كثيرًا من القادة تعتبر نساؤهم مستشارات لهم، لذا كان تزوج القائد أو المسئول من أجنبيات سببًا في اضطراب حكمه، ثم تقديمه مصالح قوم زوجته حتى يصل الأمر إلى تقديم مصالحهم على كل مصلحة، بل أن كثيرًا من القادة لجأوا إلى أنسبائهم الكفار لينصروهم على إخوانهم المسلمين في نزاعاتهم على الحكم، وكثيرًا ما جر هذا إلى ضياع البلاد من أيدي المسلمين، ودارس تاريخ الأندلس لا ينفك يمر على أمثلة لما نقول، أوضحها في موقف عثمان ابن أبي نسعة الذي تزوج من الأميرة «لمبيجيا» ابنة دوق «اكيتانيا» في شمال الأندلس ففتن بجمالها، وكان عثمان واليًا لعبد الرحمن الغافقي أمير الأندلس على سردانة في جبال البرانيه، ولما أمره الغافقي بغزو دوق اكيتانيا والد زوجته رفض، وأبلغ الدوق بما نواه عبد الرحمن حتى يستعد له، فكان جزاؤه على خيانته هذه القتل وبئس المصير (٤) ولقد أدركت بعض الدول حديثًا خطر هذه الظاهرة فلجأت إلى سن القوانين التي تمنع المسئولين فيها من الزواج بالأجنبيات وذلك حفاظًا على مصالح البلاد وأسرارها!  خامسًا: ضعف الوازع الديني: أن ديننا الحنيف ربى أبناءه على العزة والأباء، فمن المستحيل أن تجد مسلمًا متفهمًا لدينه يواد من حاد الله ورسوله ولو كانوا أولي قربى، ولكن عندما بدأ الوازع الديني يضعف لدى القادة والحكام ووجدنا من بينهم من يجهل أبسط أمور دينه، ثم وجدنا من بينهم من يمنع الزكاة وانتهك حرمة رمضان وترك الصلاة ونكل بدعاة الإسلام، وجدنا من بينهم أولئك الذين بزوا غيرهم في منح ولائهم لعدوهم، وأمثال هؤلاء في عصرنا أوضح من أي عصر مضى. وبعد أن الضمانة الوحيدة لاستقامة القائد وعدم انحرافه هي التمسك بالمبادئ الإسلامية العظيمة، وإن عظمة هذه الأمة منوطة بدينها الحنيف، فلا عزة لها ولا كرامة ولا نصر إلا به وبرجاله الأوفياء المخلصين.  (١) يوم حليمة من الحروب الطاحنة بين المناذرة والغساسنة من أجل أسيادهم الفرس والروم، ولهول هذه الحرب ضرب بها المثل فقيل: وما يوم حليمة بسر! (۲) تاريخ العرب لمحمد القيمري ص ٢٧ (۳) المجاهدون في معارك فلسطين لمحمد طارق الأفريقي ص ۱۰  (٤) غزوات العرب في فرنسا لشكيب أرسلان ص ۹۸
الرابط المختصر :