; تأملات إسلامية:: الزواج... في المجتمع الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان تأملات إسلامية:: الزواج... في المجتمع الإسلامي

الكاتب محمد جابر سلطان

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1987

مشاهدات 75

نشر في العدد 840

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 27-أكتوبر-1987

تأملت الحديث الشريف الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم قاعدة كبرى لمسألة الزواج في المجتمع الإسلامي للسير بها في طريق الأمان وشاطئ السلامة المرتجَى على وفق شرع الله ومنهجه وهذا الحديث هو قوله صلي الله عليه وسلم «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه أو فزوجوه إلَّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (أخرجه ابن حجر، وابن عدي) هذه الفتنة التي وردت في طيات الحديث الشريف والتي حذَّر منها الرسول صلى الله عليه وسلم من أن تبرز كظاهرة مرضية وتتفشى في طيات المجتمع الإسلامي، فهي فتنة متعلقة في قضية هامَّة من قضايا الوجود البشري ألا وهي قضية الغريزة الجنسية، والفتنة في قضية الغريزة الجنسية خطيرة، وعاصفة هوجاء مدمرة تدمر كيان المجتمعات الإنسانية متى انحرف بها عن مسارها السليم، وتهوِي بها في مهاوي الانحطاط والرذيلة والانهيار الخلفي، وذلك لأن قضية الزواج هاجس فطري جُبِل عليه الإنسان؛ لأنه السبيل نحو تكاثر الجنس البشري وعمارته لهذه الأرض التي يحياها، وبالتالي هي الحفاظ على نوعه الإنساني من الانقراض والفناء، وما دام الأمر كذلك فإن الإسلام كان أول من اهتم بهذه القضية وأوجد السُّبُل الكفيلة والنواجع الشافية للعبور بها نحو مرافئ الأمان، وذلك كله حماية للمجتمع الإسلامي من مؤثرات الانحراف والزلل والضياع والدمار في هذه القضية الهامَّة.

 فهو يشجع الزواج مبكرًا ويدعو إليه في بداية تيقظ الغريزة الجنسية ولهذا نجده صلى الله عليه وسلم يبين هذا الأمر أجلَّ بيان في حديث آخر فيقول «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج...» إلخ الحديث. (متفق عليه)

لأن مرحلة الشباب هي مرحلة فوران الغريزة الجنسية وبداية يقظتها وكما قيل «الشباب شعلة من الجنون» ومن هذا الجنون الاندفاع العنيف وفوران الغريزة، ومتى لم تتدارك هذه الغريزة في هذه السن بالذات نحو دروب العفاف والحصانة في إطار الزواج الشرعي، فإنها تتجه إلى دروب الفساد والفتنة والسقوط في حمأة الرذيلة ومواخير الشهوات لا سمح الله... ومن هنا يأتي دور المجتمع الإسلامي بحكوماته وهيئاته الشرعية وأفراده بالعمل على تشجيع الزواج وتذليل عقباته، وبذل كل سبيل نحو المساعدة والعون للراغبين في إتمام الزواج من الجنسين حتى يؤدي ذلك كله نحو حماية المجتمع الإسلامي من تلك الفتنة وذلك الفساد الذي حذر منه رسول البشرية.

 إن المجتمعات الإسلامية متى وضعت هذا الاعتبار في نظرها فإنها بلا شك ستكون بعيدة عن مهاوي هذا الفساد وهذه الفتنة ولكنها متى أخلت بذلك ودعت هذه القضية الهامَّة تسير بدون إيجاد الوسائل والإمكانات السليمة والشافية فإن الفساد والفتنة ستغرقها، وهذا ما هو حاصل فعلًا، فالمجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة أصبحت اليوم تموج وتخوض في واقع مريض غرقت فيه مجتمعاتها بحب المادة والتعلق بزينة الحياة الدنيا، والتفنن في إبراز ملذاتها وشهواتها وبدون التقيُّد بفواصل الحلال والحرام في نُظمها وأطُر حياتها وخصوصًا في الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية، فعبر واقعنا المريض في مجال الأسرة حيث لا يراعي الآباء لهذه القصة حقها وإطارها الصحيح بحيث أصبحت نظرتهم إلى هذه القضية نظرة مادية بحتة تحيط بها معالم المظاهر الجوفاء... والبذخ إقامة حفلات الزواج... والمباهاة والفخر في إظهار سمعة هذه العائلة... ورفع قيمة هذا النسب دون مبالاة بما يعكس ذلك من آثار خطيرة على مستقبل أبنائهم وبناتهم وبحيث أصبحت بناتهم تبعًا لذلك عرضة للمداولة والمساومة... وعرضة لأن يبقين عوانس في البيوت قد فاتهن قطار الزواج وأفقدهن الانتظار الطويل نضارة الشباب.. وتكوين أسرة مسلمة تمد المجتمع الإسلامي بالجيل الصالح والذرية الطيبة وبحيث أصبح هذا الأمر حجر عثرة في طريق الشباب التقي المؤمن الصالح الذي يجد نفسه أمام هذا الواقع المريض الذي يوصد الأبواب أمام وجهه وأمام هذا السيل الجارف من هذه المظاهر الزائفة والغارقة في البذخ والإسراف. إن المسار الصحيح للتوازن في هذه القضية هو إعادة مفاهيم الإسلام ونظمه وأحكامه في مجتمعاتنا الإسلامية في مجال علاقاتنا الأسرية والزوجية ففي أحكامه ومبادئه الشفاء الناجع لأمراض المجتمع، وقضايا الشباب ومشاكل الأسر.. ووطأة الغرائز.. وتسهيل أمور الزواج للراغبين من الشباب في إقامة أسر إسلامية قوية وسليمة ومتماسكة بعيدًا عن أمر دروب الفتن... والفساد... والضياع... والانحلال الأخلاقي الذي تكتوي بناره تلك الدول التي سببت لقضايا الزواج الإفراط والتفريط فكانت النتيجة الفوضى... والفساد... والانحلال الخلقي بكل أشكاله وأنواعه.

فهل لنا أن نعي هذا الحديث النبوي الشريف... وهل لنا أن نقف من تحذير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لنا موقفًا يجعلنا نقف صفًّا واحدًا لمواجهة الأخطار التي سوف تتعرض لها في الإخلال بمعالم النجاح والعلاج في قضايا الزواج لحماية بناتنا وأبنائنا وشبابنا وفتياتنا من الفتنة والفساد الكبير والذي يتجلَّى في قوله صلى الله عليه وسلم «إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».

فهل نفعل ذلك... وهل نتكاتف جميعًا... لإخماد مثل هذه الفتنة وكل الفتن... التي تحيط بنا... وبالتواصِي بالحق... وبالتواصي بالصبر أرجو من الله ذلك؟؟؟

الرابط المختصر :