العنوان الوعي الفقهي وقضايا الفن المعاصر
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 11-يوليو-2009
مشاهدات 89
نشر في العدد 1860
نشر في الصفحة 48
السبت 11-يوليو-2009
- العقل الفقهي المعاصر مطالب بتحويل التهافت نحو الفنون إلي خيارات محببة لترسيخ القيم والمقاصد الدينية.
- وجوب البحث عن مبادرات عاجلة وبرامج ناضجة تقدم كبديل مشروع للأعمال الفنية.
هناك دور وجداني تثيره الفنون في نفوس الناس، كما إنها تغير أفكارهم عبر أدوات الفن وتعبيرات المشاعر المتنوعة؛ كالقصيدة واللوحة واللحن الجميل الملتزم والأدب النثري المتعدد، إلى المسرحية الهادفة والتمثيليات السامية، كل هذه الأدوات وغيرها أصبحت في عالم اليوم رهانات التأثير على عقول وقلوب الناس أجمعين شئنا أم أبينا.
والواقع المعاصر أثبت دور هوليود في تمرير أفكار العنف والتسامح الأمريكي والتعالي الأبيض على الآخر، ونشر الأنموذج الغربي على العالم كله ما لم تستطع القيام به كل مؤسسات الحكومة الأمريكية على مدار عقود من الزمن ومثلها «والت ديزني» وأفلام الكرتون الياباني وبرامج (BBC) و(CNN) و(ABC) وغيرها من أدوات سيطرت على الوعي لدى الكثير من العوام، وعلى اللاوعي عند المتمنع من النخب المثقفة أو السياسية.
هنا نتساءل أمام تلك النازلة عن الموقف الشرعي جراء هذه الأدوات الاستعمارية الجديدة؟ وما هو الدور الفقهي الذي يجب أن يقدمه العلماء المسلمون؛ كخطاب جديد يستشرف المستقبل، ويقرأ الواقع بفقه ودراية علمية، وكبديل مباح يمنع الناس من التهافت نحو المخالف للدين والعقل؟
كما أني لست بصدد تأصيل الموقف الشرعي للتعامل مع الفنون المختلفة بذكر النصوص والشواهد النبوية في تسويغ هذا العمل؛ لأن القاعدة في هذا الشأن هي الإباحة الأصلية ما لم يرد دليل من الشرع على البطلان والمنع؛ كإبراز مفاتن النساء في الرسومات والصور والتمثيليات، أو تسويغ الشرك والمضاهاة لخلق الله تعالى كما في المجسمات والتماثيل، أو إشاعة الفواحش والبذاءة والأخلاق الرديئة في الشعر والغناء والأدب النثري، كل ذلك وغيره مرفوض ممنوع في الشريعة، كما أن العقول السليمة لا ترضاه وتأباه على الناس.
وأعتقد أننا يجب أن نتجاوز هذه المرحلة إلى البحث عن مبادرات عاجلة وبرامج ناضجة تقدم كبديل مشروع للأعمال الفنية الملتزمة، وهذا لا يتأتى إلا من خلال مؤسسات مالية تقوم بالإنتاج الفني وتراعي قيم الشريعة، وتحافظ على الجودة العالمية في تقديم برامجها وأعمالها. وهذا يحتاج جرأة وعملاً محسوبًا، ولن يعدم من الناقدين المتخندقين للذم وسب الواقع فقط، بينما طبيعة المعركة تحتاج إلى إقدام ووعي وإيغال في ساحة المقابل، وسحب البساط من تحته، وقديمًا سوغ الإمام ابن القيم –يرحمه الله –أن يتجاوز العالم ببعض الرخص لتحصيل مقاصد أكمل في نفوس الناس لترشيد غرائزهم في اللعب واللهو؛ وفي ذلك يقول: «وهل الاستعانة على الحق، بالشيء اليسير من الباطل إلا خاصة الحكمة والعقل، بل يصير ذلك من الحق إذا كان معينًا عليه، ولهذا كان لهو الرجل بفرسه وقوسه وزوجته من الحق؛ لإعانته على الشجاعة والجهاد والعفة، والنفوس لا تنقاد إلى الحق إلا ببرطيل، فإذا برطلت بشيء من الباطل لتبذل به حقًا وجوده أنفع لها وخير من فوات ذلك الباطل كان هذا من تمام تربيتها وتكميلها، فليتأمل اللبيب هذا الموضوع حق التأمل، فإنه نافع جدًا، والله المستعان».
ولا أظن عاقلًا اليوم يرى أن موقف التفرج والصمت عما يحدث لعقولنا وقيمنا وأجيالنا القادمة أنه المطلوب شرعًا؟ بل أعتقد أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصح الخلق، وقول الحق يقتضي العمل الجاد والمبادرة العاجلة لتحويل هذا الإقبال الشديد نحو الفنون إلى خدمة للدين ومشروع للإصلاح الرشيد.
والعمل الفقهي المعاصر أبدع في حلول كثيرة مرت بها المصرفية الإسلامية، ونوازل الطب الحديث وغيرها من المستجدات، وهو اليوم في محك البحث عن البدائل المشروعة للفنون العالمية المتنوعة، وأقترح أن يقوم مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بالبحث وتجلية الأحكام حول نوازل الفن المعاصرة، ولا بأس من جمع الفقهاء وأهل الصناعة الفنية في البحث عن الحلول والعلاجات السديدة لهذه القضايا الطارئة، ولنا في مقاصد الشريعة مسوغ للعمل وحافز على البحث وسياج من الخلل والزلل؛ فالفن الفارق في الوثنيات وتجسيد الأصنام والشركيات والسحر مخالف لحفظ الدين، والفن الذي يدعو للبشاعة وانتهاك الحرمات الخاصة وتسويغ الدماء والعنف أو العنصرية يعد إخلالًا بحفظ الأنفس، والفن المشيع للفساد والحب الرخيص المكشوف من الحياء والداعي للعلاقات المحرمة خارج إطار الزوجية مخل بمقصد حفظ النسل، كما أن الفن المهمش للعقل والفكر الصحيح والمسوغ للإلحاد والفجور مخالف لحفظ العقل، والفن الهابط في معناه والمزور على الناس في أصله، والسارق لجهود الآخرين، والمبالغ في قيمته مخالف لحفظ المال. فهذه المقاصد الشرعية هي الإطار الخلقي الذي ينبغي مراعاته في صحة الفن من عدمه. بقي أن أقول إن نجاح المبادرات العملية مرهون باستجابة العقول الواعية لتنفيذها!
فهل العقل الفقهي المعاصر قادر على تحويل هذا التهافت العالمي نحو الفنون التي فرضتها العولمة المادية إلى خيارات محببة لزرع القيم وترسيخ المقاصد الدينية من خلال ثورة الفنون الجامعة؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل