; الوعي الجمعي.. رهان الثورات الناجحة والفاشلة | مجلة المجتمع

العنوان الوعي الجمعي.. رهان الثورات الناجحة والفاشلة

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر السبت 21-مايو-2011

مشاهدات 51

نشر في العدد 1953

نشر في الصفحة 46

السبت 21-مايو-2011

(*)كاتب وأكاديمي سعودي

● الثورات العربية خاصة في مصر وتونس أعطت للتاريخ المعاصر دروسا وعبرا لا يتجاوزها إلا جاهل أو مكابر

●  المجتمع السعودي أثبت وعيه الكبير بالطريق الأسلم للوصول إلى مطالبه وحقوقه

الثورات الجماهيرية تمر عادة في عمر الشعوب خلال بضعة عقود وأحيانا تحصل بعد قرون من الانتظار وشهود الانفجار، لكن تلد معها الحرية ويبدأ التغيير من أول صيحة مكلوم أو مظلوم أو معتقل وولادتها غالبا ما تكون عسيرة المخاض ومؤلمة حتى في نجاحها والدافعية للتغيير عن طريق الثورة تفتح أبوابا شتى ومداخل عدة، يطرقها الثوار كلها رغبة في مخرج عاجل ينقذهم من الفشل أو الانتقام، لذلك تصاب بعض الثورات بالعمش وضعف الرؤية في تحديد المسار عند بداياتها ، وقد تنجح في الوصول للهدف، وكثيرا ما تفشل ويلتهمها التاريخ دون ذكر.

ومن الشواهد على تلك الثورات الشعبية المعاصرة التي سطرت نجاحا تاريخيا مذهلا ؛ الثورة الأمريكية ضد الإنجليز عام ۱۷۷۰م والثورة الفرنسية ضد الملكية والكنيسة عام ۱۷۸۹م، والثورة الروسية الاشتراكية ضد الحكم القيصري عام ۱۹۱۷م، والثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي عام ١٩٥٤م.. وغيرها من ثورات أحدثت أثرا تاريخيا وعهدا جديدا من النظم والأفكار بالرغم من المآسي والآلام.

والثورات العربية المعاصرة في مصر وتونس على وجه الخصوص بالرغم من قصر عمرها وسرعة أحداثها وحداثة أسنان قادتها ؛ أعطت للتاريخ المعاصر دروسا وعبرا لا يتجاوزها إلا جاهل أو مكابر، فالشعوب العربية تجاوزت أنظمتها العتيقة وعيا بالحقوق ووضوحا في الأهداف المطلوبة وحفظا وحقنا للدماء والمكتسبات من الهدر أو الضياع، وهو ما فاجأ العالم كله أن تنجح هذه الثورات وتكسر كل قيود الخنوع والذلوالاستكانة للفساد والاستبداد بأقل الخسائر حتى الآن.

المدهش أيضاً في الحالة العربية أن الشعوب لم تنجر كلها وراء دعوات التغيير بالثورة والصدام مع الحكومة حتى الإسقاط بل أثبتت بعضها وعياً آخر له حساباته الواقعية وإدراكاته لطبيعة البيئة ونوعية المطالبات وطريقة الإصلاح الملائم للظرف والحالة الراهنة.

ولعل أبرز مثال في ذلك موقف الشعب السعودي من ثورة ١١ مارس الماضية بكل أطيافه وتنوعاته، حيث وقف مع حكومته واختار التغيير وفق القنوات الرسمية والمناصحة المباشرة وغير المباشرة لمن ولي أمر البلاد، وسطر هذا الموقف إنجازا آخر لوعي الشعوب بدورها التغييري متى كان الظرف والتغيير هو الأصلح والأنسب أمام هذه الحالة من المشهد السعودي على وجه الخصوص، أذكر بعض التأملات والصور التي ارتسمت في ذهني حينئذ، أختصرها في النقاط التالية:

أولا : أثبت المجتمع السعودي على خلاف التوقعات الغربية وبعض العربية وعيه الكبير بالطريق الأسلم للوصول إلى مطالبه وحقوقه فبالرغم من التهييج الإعلامي وفرح الشارع العربي بانتصار ثورة مصر وتونس وخروج المظاهرات في عدد من الأقطار العربية، إلا أنه كان أكثر واقعية وإدراكا بمآلات الأمور التي يمكن أن تحدث داخل النسيج المجتمعي صحيح أن البعد الديني المحرم للتظاهر قد أثر في معنويات الراغبين، ولكن يكفي أن الطيف الديني حتى المبيح للمظاهرات لم يشرع المشاركة في هذه الحالة من المطالبات بطريقة الخروج للشارع والصدام المتوقع مع رجال الأمن، ومع ذلك التنادي من الهيئات الشرعية بالمنع استجاب الناس كقناعة لها دوافعها الأخرى في الامتناع، هذه الحالة الفريدة التي توافق فيها المجتمع على اختيار طريقته في الإصلاح، يجب أن تستغل ويتم الرهان على هذا الوعي الجمعي في إصلاح الكثير من الظواهر السلبية في مجتمعنا المحلي مثل ضعف الجودة والإتقان الالتزام بآداب التعايش واحترام الآخرين في الطريق وأماكن الترويح والإفادة من الخدمات والمرافق العامة، كما يمكن الحد من بعض العادات والأعراف الخاطئة كالإسراف والمغالاة في الأفراح وطريقة الضيافة وأساليب العيش السلبية التي تهدر فيها الأوقات والأموال والصحة، إلى غيرها من المظاهر التي يمكن أن يكون للوعي الجمعي دور رائد في تخفيفها إذا لم يكن القضاء الكلي عليها .

ثانيا: ظهور الأثر الديني والالتزام الفردي بالفتاوى الرسمية في تلك الأزمة وهذا البعد الضارب في العقل السعودي منذ القدم يمكن أن يكون صمام أمان ومكمن هداية للمجتمع، ولكن بشروط أراها ضرورية في إكمال هذا الدور الحيوي، وهو أن يجدد الخطاب الدعوي في المملكة روحه ومضمونه كما عليه أن يغير في طريقته وأسلوبه، وهذا لا يعني حداثة الوسائل فقط كالخروج في الفضائيات والمواقع الإلكترونية، ولكن أقصد تحديث الخطاب في مضمونة وطريقة عرضه بالتركيز على خطاب الإعمار الدنيوي في مقابل العمل الأخروي، كذلك الموازنة بين الطرح المثالي للمسلم المتورع عن كل شبهة والمسلم الواقعي المتعرض لكل شهوة، كما نحتاج إلى المزاوجة بين الإقناع العقلي عند التعليل الشرعي للأحكام، والرد إلى المقاصد الكلية عند الترجيح والاستدلال، هذه الأمثلة للتوضيح، وإلا فالحاجة عظيمة في خلق هذا النوع من الخطاب المناسب لعصرنا وانفتاح مجتمعنا وتنوع الأفكار بيننا . ثالثا: أن الثقة بين الحاكم والمحكوم تتكامل بمدى مصداقيتها بين الطرفين أما وقد أبدى طرف الشعب ثقته بقياداته في أن تتولى الإصلاح دون إملاءات الشارع ومطالباته الصارخة، بقي أن تمارس المؤسسات الرسمية دورها الأكبر في تنفيذ الوعود وتصحيح الأخطاء الماضية، التي ظهر للجميع خصوصا في المؤسسات الخدماتية قمة استخفافها بحقوق الفرد عندما يرغب في إيجاد وظيفة أو الحصول على مقعد في الجامعة أو إيجاد سرير للعلاج أو معونة تخفف عنه أعباء الحياة، كما يحتاج المجتمع إلى انتفاضة عاجلة تزيح ديناصورات الفساد وتزلزل كيانات المفسدين، فأغلب المراقبين للشأن السعودي يؤكدون وضوح الأوامر الملكية التي قدمها خادم الحرمين بعد عودته سالما من رحلته العلاجية، ولكن عندما يدخلها التأويل في تنزيلها أو التأخير في تنفيذها فإن أزمة ثقة قد تنشأ من جديد بسبب سوء التدبير من قبل بعض التنفيذيين المتنفذين، مما يجعلنا جميعا أمام تحد آخرللصدام وانفكاك اللحمة الوطنية.

 رابعا: المرحلة التي نعيشها - كسعوديين - اليوم تتطلب وبأسرع وقت تحديد أهداف غائية وجوهرية عليا ، تحمل الوضوح للجميع ويستلهمها المواطن والمسؤول في عمله ومعاشه، وتعلن على الشعب كخطة تحد تشعل في نفوس الجميع الوصول لها، وتخفف من كل الخلافات الجانبية وآثارها المحبطة. وتساعد على النمو والبعث من جديد، كقوة ناهضة في المنطقة العربية والعالم أجمع. هذه الفكرة هي أساس التقدم التي نظر لها عدد ممن درس قيام الدول وسقوطها که ابن خلدون وشبينجلر، وتوينبي، ومالك بن نبي، كما أن المملكة تملك كل مقومات البداية لنهضة حضارية متميزة في جانبها المادي والمعنوي، بالإضافة إلى أن الشعوب لا تتفق وتتناغم إلا على أهداف تنموية واضحة المعالم يستهدي بها كل الفرقاء والمختلفين وفي تجارب بعض المجتمعات مثل الهند وماليزيا دليل واضح على تلاشي الخلافات والتنوعات الدينية والعرقية مادام هناك أهداف واضحة تحقق الرفاة والرغد للفرد والوطن. ومن المؤكد أن المملكة ليست لديها مشكلة مع عدو خارجي، فمكانتها الدينية وقدسيتها في قلوب المسلمين لوجود الحرمين تمنحها حماية شعبية من كل العالم الإسلامي، ولكن مشكلتنا الحقيقية هي مع بنية التخلف والجهل وضمور الوعي وقصور مؤسساتنا التنموية، وهو التحدي الذي ينبغي أن تبذل فيه الجهود والميزانيات والثمرة ليست ببعيد.. أليس الصبح بقريب ؟!

الرابط المختصر :