العنوان الوطنية الربانية.. جذورها.. مدلولها.. آفاقها
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1997
مشاهدات 77
نشر في العدد 1266
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 09-سبتمبر-1997
لم يعرف العرب قبل الإسلام مفهوم الدولة اصلًا، فضلًا عن مفهوم الدولة الوطنية، وباستثناء عدة ممالك قامت قبل الإسلام على أطراف جزيرة العرب سواء في اليمن جنوبًا، مثل مملكة سبأ وحمير ودول معين وحضرموت وقتبان أو في شمال الجزيرة كممالك الحيرة بالعراق، أو الغساسنة في بادية الشام فقد كان العرب يعيشون في ظل العصبية القبلية.
وإذا كانت الوطنية من لوازم الطبيعة الأوروبية، حيث كانت اظهر واقوى فيها منها في آسيا، كما يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه القيم «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» وقد أغرى بذلك الطبيعة الجغرافية، حيث ضيق المكان وتزاحم العمران وقلة وسائل المعيشة، وحصار الجبال والأنهار للأجناس الأوروبية، فنشأت فيها ممالك ضيقة صغيرة فلا عجب إذا كان اليونانيون يدينون بالوطنية وينتحلونها (في مفهوم دويلة المدينة المشهور Polrs)، وكان حب الوطن يتقدم فضائل الأخلاق التي أجمع عليها حكماء اليونان وكان نظام أرسطو الاخلاقي مبنيا على أساس التمييز بين اليوناني وغير اليوناني (فلم يكن للأجانب حق المواطنة ولا للرقيق ولا للنساء).
وانتقلت الفلسفة اليونانية إلى الروم، فكان لديهم فيما ورثوه عن الإغريق اعتزاز بالوطنية وتعصب لها، وحب مفرط للوطن، وتمييز شديد بين الرومان الأصليين ورعايا الإمبراطورية والأجانب حتى يعتبر صدور قانون الشعوب تطورًا نحو الأفضل في معاملة الغير.
وكانت هذه هي الجذور التي أخمدتها المسيحية عندما دان بها قسطنطين في القرن الرابع الميلادي، ثم انطلقت من عقالها بعد أن أطبقت العصور الوسطى بظلامها على الحياة الأوروبية، فظهرت الدولة الوطنية والقومية من جديد (ص ۲۲۸ - ۲۳۲)، وظل العرب بعد إقامة دولة الإسلام وترامي إمبراطوريته التي دخل فيها أجناس أخرى عديدة لا يعطون اهتمامًا كبيرًا لفكرة الدولة الوطنية القطرية، وذلك رغم أنه قد قامت دويلات عدة على أطراف دولة الخلافة بخاصة في أواخر العصر العباسي الأول، وازداد عددها في العصر العباسي الثاني وما بعده إلا أن فكرة الأمة، كانت هي محور الفكر السياسي وجاء الاحتلال العسكري الأوروبي على أنقاض الدولة العثمانية الإسلامية وفي أخريات أيامها وجاء الاستعمار معه بمؤسسة الدولة العصرية، ولم تصاحبها نظريتها الفكرية أو أسسها الاجتماعية، إلا أن المسلمين توافقوا معها وعاشوا تحت لوائها مع احتفاظهم بدينهم ومحاولة التوفيق بين عقائدهم والنظم المعاصرة.
وذلك لأن الفكرة الإسلامية والحضارة الإسلامية احتضنت على مر العصور كافة حضارات الدول التي فتحتها، بل والشعوب التي انتصرت على المسلمين كالمغول والتتار، وهضمتها وقيلت الصالح منها، وأسبغت عليه الصبغة الإسلامية.
فهل عرف المسلمون معنى الوطنية وهل نجد في تراثنا الفقهي والشرعي جذورًا لفكرة الدولة التي تقوم على المواطنة؟.
الجواب هو نعم لقد عرف العرب والمسلمون معنى الوطنية بالمعاني التي مرت بنا من قبل وطنية الحنين، ووطنية الحرية والعزة ووطنية المجتمع. ووطنية الفتح ونحن نجد في تراثنا السياسي والفقهي، وفي عهد النبي r الجذور العميقة لفكرة المواطنة التي تقوم عليها الدولة العصرية الحديثة.
ونحن المسلمين عندما ننادي بالوطنية الربانية فإننا نضفي على الفكرة معاني سامية تربطها بالعقيدة فتتدرج بالفكرة نحو الآفاق العليا للعالمية أو الإنسانية، وهي مبتغى البشر جميعًا، بخاصة في عصرنا هذا الذي عانى من ويلات القومية وحروبها من جهة، وانهارت فيه الحركة الشيوعية التي خلبت ألباب الكثيرين بفكرة الإنسانية.
وهي أيضًا. الوطنية الربانية - تسبغ حماية دينية قوية على حقوق المواطنة للمختلفين مع الدولة (النظام) أو المخالفين للأغلبية في الديانة ألا وهم أتباع الديانات الأخرى أو حتى الذين لا يدينون بدين سماوي أصلًا.
إننا إذا تأملنا الدساتير المعاصرة، والفكر السياسي المعاصر حول حقوق المواطنة وما يقابلها من التزامات تجاه الدولة والنظام فإنها لن تخرج عن الإطار التالي أنها مجموعة حقوق في مواجهة الحكومة والإدارة أو أمام القضاء أو الحق في تكوين التكتلات الحزبية والنقابية وجماعات المصالح.
وتتجلى هذه الحقوق أوضح ما تكون في:
-حق الانتخاب والترشيح
-الحق في تولي الوظائف العامة.
-الحق في صياغة القانون.
وفي مقابل هذه الحقوق نجد الالتزامات التالية:
-الالتزامات المالية كالضرائب والرسوم المختلفة.
-الدفاع عن الوطن أو ضريبة الدم.
-الالتزام بالقانون أو الخضوع لأحكامه.
وقد أضيف في القرن الأخير إلى قائمة الحقوق الحق في الرعاية الاجتماعية أو ما يسمى بالتضامن الاجتماعي عندما تحولت الدولة إلى دولة رعاية كالحق في التعليم والعمل والرعاية الصحية.. إلخ.
وسنكتفي في هذا السياق بإيراد نص قرآني يوضح جذور فكرة المواطنة في الفقه الإسلامي الذي يستند إلى فهم القرآن الكريم، ونص من سيرة النبي أولًا الآية ٧٢ من سورة الأنفال، يقول الله تعالي:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال: 72) ويتضح من هذه الآية الكريمة ومن خلال مراجعة أقوال المفسرين مثل ابن كثير والقرطبي والظلال أن الآية تقرر الحقائق التالية:
١-الموالاة بين المؤمنين جميعًا مهاجرين وأنصارًا بحكم انتمائهم إلى دولة جديدة لم تكن موجودة من قبل، وإنهاء العصبيات القبلية القديمة. وهذه الموالاة ترتب حقوقًا والتزامات أهمها النصرة...
2-إن أحد شروط الموالاة والتمتع بحقوقها هو الهجرة إلى دار الإسلام المدينة المنورة، أي التمتع بجنسية الدولة في المعنى القانوني الحديث والمعاصر.
3-إن حق النصرة مكفول لكل مسلم حتى ولو لم يهاجر بشرط ألا يكون ذلك على حساب عهد أو اتفاق مع غير المسلمين أو المشركين.
4-إن المعاهدات الدولية التي يعقدها المسلمون كدولة - وحتى كأفراد عند من يجيز ذلك- محترمة ومنفذة حتى في مثل هذه الحالات التي يطلب فيها المسلم الذي لا يتمتع بجنسية الدولة الإسلامية «حق المواطنة» النصرة والتأييد من دولة الإسلام.. إن هذا الصنف الثالث من المؤمنين، الذين لم يهاجروا لا حق لهم في الأموال والنفقات التي تقدمها الدولة لرعاياها (راجع ابن كثير). وهكذا يتضح لنا أن هناك ملامح أساسية واضحة لفكرة المواطنة، طبقها رسول الله r في حالات مثل قصة أبي جندل، وهي بذرة صالحة للاستنبات في بيئة مواتية ومناخ مناسب فلماذا لم تتأصل مع الوقت في دولة الإسلام؟ قد يكون من التسرع الجواب على مثل هذا السؤال، وليس ذلك مما يعنينا الآن، إلا أن الأمة الإسلامية شغلت لمدة طويلة بالفتح والغزو ونشر دعوة الإسلام لعدة قرون وما استقرت الأوضاع في نهاية الدولة العثمانية كانت هناك. جهود المحاولة التأصيل. في مختلف نواحي الحياة تحتاج إلى مراجعة وتعرف عليها حتى يمكن الاستفادة منها، والبناء على ما انقطع منها ونحن نعد الآن لبناء جديد لدولة الإسلام على أسس عصرية تستقى من منابع الإسلام.
المواطنة كإحدى دعائم مجتمع المدينة المنورة
ليست الأمة الإسلامية جماعة من الناس همها أن تعيش بأي أسلوب، أو تخط طريقها في الحياة إلى أي وجهة وما دامت تجد القوت واللذة فقد أراحت واستراحت كلا كلا كما يقول الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله: فالمسلمون أصحاب عقيدة تحدد صلتهم بالله وتوضح نظرتهم للحياة. وتنظم شؤونهم في الداخل على أنحاء خاصة وتسوق صِلاتهم بالخارج إلى غايات معينة، من هنا شغل رسول الله r له أول مستقرِّهِ بالمدينة بوضع الدعائم التي لابد منها لقيام رسالته، وهي:
١-صلة الأمة بالله وكان ذلك بإرساء المسجد وبنائه.
2-صلة الأمة بعضها بالبعض الآخر وكان ذلك بتحقيق الأخوة.
3-صلة الأمة بالأجانب عنها ممن لا يدينون بدينها.
ثم يستعرض الشيخ الغزالي في كتابه القيِّم فقه السيرة، بنود المعاهدة التي عقدها الرسولr مع يهود يثرب وبين كيف الإسلام سن قوانين التسامح والتجاور التي لم تُعهد في عالم مليء بالتعصب والتعالي لم يتجه فكر الرسول r إلى رسم سياسة الإبعاد والمصادرة والخصام بل قبل عن طيب خاطر وجود اليهودية والوثنية. لقد كانت معاهدة المدينة المنورة بين الرسول r وبين اليهود والمشركين نموذجًا هذا بمقاييس ذلك الزمان في الاعتراف بالآخر، وحقه في الوجود والتعايش والاشتراك في الأعباء التي يفرضها العيش المشترك، وهذا هو جوهر فكرة المواطنة ولم يكن ذلك إلا تطبيقًا لمبادئ الإسلام التي تظهر في آيات القرآن الكريم، كقوله تعالى في التعارف بين الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13) وقول رسول الله r «الناس لآدم وآدم من تراب» وكذلك اعتراف الإسلام بكل من سبق من الأنبياء والمرسلين، وجعل ذلك من أسس الإيمان لا يكتمل إيمان مسلم إلا به وبمراجعة هذه الوثيقة المؤسسة لدولة الإسلام (الروض الأنف للسهيلي، الجزء ٢ ص ٢٤٠ –٢٤٢) نجد أنها معاهدة مكتملة الأركان بين الطراف ثلاثة المسلمين واليهود، والمشركين تحدد الحقوق والواجبات على كل طائفة، وأيضًا تلزم الجميع بواجب الدفاع عن المدينة، والمساهمة في النفقات الحربية. فالتزامات المسلمين أوضح ما تكون في مجال التضامن الاجتماعي واحترام القانون ورعاية العهود والمواثيق، وإلا تعرض للعقوبات التي تقررها السلطة العامة، ويؤيدها المجتمع المسلم ومن أهم واجبات المشركين عدم إجارة افراد الأعداء أو إجارة أموالهم، وقد كانت قريش في ذلك الوقت هي معسكر العداوة، أما اليهود فقد احتفت بهم الوثيقة أيما احتفاء. وبينت حقوقهم والتزاماتهم مما يبين لنا أن فكرة المواطنة مؤصلة تمامًا، وأن غير المسلمين يتمتعون بحقوق المواطنة ويلتزمون في مقابل ذلك بالتزامات وواجبات مما يدحض شبهة المخالفين الفكرة المواطنة على أساس الإسلام، وما ذلك إلا تطبيقًا للقاعدة الأصولية العامة «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» وهي تطبيق عملي لقول الله تعالى في سورة الممتحنة ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8) وإليك أهم الحقوق التي أرستها الوثيقة
أولًا: الحق في حرية الإعتقاد فلا إكراه في الدين، وحرية الدين مكفولة.
ثانيًا: الحق في الإقامة المستقرة الآمنة بما يحقق بالتبعية حقوق العمل والتعليم والانتقال وغيرها، فلا يخرج أحد إلا بجرم وبإذن السلطة العامة ولا يكون ذلك إلا عند الإخلال بالتزاماته.
ثالثًا: الحق في المشاركة في الشؤون العامة بإبداء الرأي والمشورة، بل إنه واجب عليه إبداء النصيحة.
رابعًا: الحق في الحماية وفي مقابل ذلك تأتي الالتزامات والواجبات، فلا يوجد حق لا يقابله واجب واجب الإنفاق والمشاركة في النفقات الحربية، وكان ذلك قبل فرض الجزية عدوان الدفاع بالنفس عن المدينة ضد أي الالتزام بعدم التعاون مع الأعداء الخضوع لأحكام القانون ومواجهة من يخرج على المعاهدة وقد حددت الوثيقة المرجعية عند الاختلاف وهي الشريعة العامة التي تحكم المجتمع، ويحسم الخلاف الرسول الله بوصفه الحاكم العام للمدينة. فهو حكم بين الجميع مسلمهم وكافرهم وزميهم، وتعد هذه الوثيقة كما يقول المجاهد المغربي المرحوم علال الفاسي - مؤسس حزب الاستقلال. الأساس القانوني لدولة المدينة، وهذه الرابطة القانونية لا تتنافى مع رابطة الدولة العقائدية (مقاصد الشريعة ومكارمها، الطبعة الثانية، ص ٢١٧، عن الإصلاحية العربية والدولة الوطنية. د.علي أو مليل، ط ۱۹۸۰م، ص ۱۰۲) ورغم الحديث المطول عن اليهود وطباعهم في القرآن الكريم، ومع أن الأحداث أظهرت نقض اليهود للمواثيق والعهود -كعادتهم المتأصلة فيهم- إلا أن الرسول r لم يعاملهم ككتلة واحدة بل أجلاهم على ثلاث مراحل، كلما نقضت قبيلة منهم عهدها معه، بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. ثم كانت النهاية مع يهود خيبر وهذا يؤكد التزام المسلمين بمضمون ونص روح هذه الوثيقة الدستورية التي تمثل لنا نموذجًا ومثالًا يمكن القياس عليه لقد قدمت هذه الوثيقة الدستور، إرهاصات فكرة الدولة بجوار الفكرة الأساسية والأمة، بمعنى الجماعة العقيدية، وتمثل ذلك كما يقول نزيه نصيف الأيوبي، في.
1-فكرة دار الإسلام كتعبير أولي عن أهمية عنصر الإقليم.
2-فكرة الجوار الذمي الذي يمثل جزءًا أساسيًّا وإستراتيجيًّا من مفهوم الجماعة يخضع لالتزامات مختلفة في بعض المجالات، ولكنه اختلاف قابل للتعديل.
٣-فكرة الآخر، الذي يعيش خارج الدولة الإسلامية بصرف النظر عن ديانته (العرب ومشكلة الدولة، ص ٦٤).
وإذا عدنا إلى أهم حقوق المواطنة كما حللها الحقوقيون والسياسيون، وكما تقرها الدساتير المعاصرة سنجد أن معظمها تحقق بالفعل في وثيقة تأسيس دولة الإسلام في المدينة المنورة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل