العنوان الورقة الأخيرة
الكاتب علي بن عمر بادحدح
تاريخ النشر الجمعة 01-نوفمبر-2013
مشاهدات 56
نشر في العدد 2065
نشر في الصفحة 44
الجمعة 01-نوفمبر-2013
في كل يوم ننزع ورقة من التقويم إيذانًا ببدء
يوم جديد، تلك حركة معتادة نكررها كثيًرا، وقريبًا جدًا سننزع الورقة الأخيرة من تقويم
هذا العام، لكنها ليست كغيرها، لأنها إعلان نهاية عام وبداية عام جديد، وها هنا وقفات:
الهجرة والورقة الأخيرة: لا بد أن بداية
العام تذكرنا بالهجرة النبوية مبدأ التاريخ الهجري، وفيها نرى:
١-أمانة الرسالة: تحمل المصطفى ﷺ أمانة الدين الخاتم،
فبذل لأجل تبليغه كل جهده وسلك في الدعوة إليه كل طريق، وتحمل في سبيل بيانه كل أذى،
ولما أوصدت مكة في وجهه أبوابها يمم شطر الطائف يحمل أمانته ويبلغ دعوته، ولما صدته
بعث أصحابه إلى الحبشة في هجرتين، ثم التقى أهل يثرب في العقبة وكانت بيعتين، ثم كانت
الهجرة إلى المدينة، فلا توقف أمام العقبات، ولا ينس عند الملمات، بل عمل بلا كلل،
وإصرار واستمرار.
٢-إتقان التخطيط:
الهجرة نموذج تخطيط رائع، وظفت فيه المعلومات والدراسات وسخرت فيه الطاقات والإمكانات،
وحددت فيه الأهداف والغايات، ووضعت له الوسائل والآليات، فاختار الرسول ﷺ الرفيق، وحدد الدليل، ووفر التموين وأمن التمويه،
وقبل ذلك كله كان قد أرسل مصعبًا داعيًا، وقدم جل أصحابه قبله، فهيأ الأسباب للنجاح
مع كمال التوكل والاعتماد على الله تعالى.
٣-قوة البناء: إقامة
المجتمع المسلم والدولة المسلمة في المدينة المنورة، تأسيس المجتمع والدولة تجسيدًا
للمبادئ العقدية وتطبيقًا للأحكام التشريعية، ومن ثم بدأ بالمسجد لتحقيق العبودية لله
تعالى، والأخوة بين المهاجرين والأنصار للصلة بين المسلمين، ووثيقة المدينة للصلة بين
مواطني المدينة من المسلمين وغير المسلمين، فأرسى دعاة الإيمان، وأقام أخوة الإسلام،
وحدد معالم المواطنة.
عامنا المنصرم والورقة الأخيرة: إذا تأملنا في عامنا المنصرم فنحن نجزم أن
الورقة الأخيرة إنما هي مرحلة استئناف، فأحداث مصر كشفت ازدواجية المعايير والانقلاب
على خيارات الشعوب وعدم القبول بالصبغة الإسلامية أشخاصًا وأحزابًا وتوجهات، وسورية
التي ما زالت تجري فيها الدماء أكدت ذلك من قبل، واضطرابات تونس وليبيا واليمن لا تخرج
عن هذا السياق ومن ثم فلا بد أن تتشبث أمتنا بأمانتها ورسالتها. وتراجع خططها وتصحح
مسيرتها، وتسعى إلى بناء لحمتها وتحقيق وحدتها، ولا بد من التأكيد أنه لا مكان لليأس
والقنوط، وأنه لا استسلام للبغي والطغيان مع ترسيخ اليقين بأن العاقبة للمتقين، وأن
النصر للمؤمنين.
الورقة الأخيرة
هذه الومضة أشد عمقًا وأعظم تنبيهًا، ففي
يوم من الأيام ستنزع من التقويم ورقة وستكون هي الأخيرة في حياتك: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ
ذَائِقَةُ الْمَوْتِ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥) والعاقل من يفكر في هذا اليوم ويتهيأ له لأنه
قادم لا محالة، وتأمل معي هذه المواقف:
- بل الرفيق الأعلى... قالها النبي ﷺ في آخر
لحظات حياته إيثارًا لما عند ربه، وإلى آخر نفس وهو يوصي أمته ويؤدي أمانته ويبلغ دعوته.
- عمر بن عبد العزيز سمعته زوجته يقول: «اللهم
أخف عليهم أمري ولو ساعة» قالت: فقلت له: ألا أخرج عنك فإنك لم تنم! فخرجت فسمعته يقول:
﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: ٨٣)
- المزني تلميذ الشافعي يقول: دخلت على الشافعي
في مرضه الذي مات فيه، فقلت: يا أبا عبد الله كيف أصبحت؟ فرفع رأسه وقال: «أصبحت من
الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا ولسوء عملي ملاقيًا، وعلى الله واردًا، ما أدري روحي
تصير إلى جنة فأهنيها، أو إلى نار فأعزيها»، ثم بكى وكان هذا من آخر قوله يرحمه الله
تعالى.
اللهم أحسن ختامنا واجعل حياتنا عامرة بطاعتك
ومرضاتك.