العنوان رأي المجتمع .. الحرب الأخرى على أفغانستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2001
مشاهدات 72
نشر في العدد 1479
نشر في الصفحة 9
السبت 01-ديسمبر-2001
ظل الشعب الأفغاني متمسكًا على مدار تاريخه بعقيدته الإسلامية، وقيم الإسلام وأخلاقه، وبعادات وتقاليد اصطبغت في أكثرها بالصبغة الإسلامية، وقد كانت تلك الصفات وراء صمود الأفغان على مدار تاريخهم للغزو الخارجي العسكري والثقافي على السواء. وقد شكلت أفغانستان على مدار العقدين الأخيرين حالة خاصة في المجتمع الدولي، وأبرز الصمود الكبير أمام الغزو الشيوعي أن في هذا الشعب خصالًا لا تنسجم مع حالة التدجين والانقياد، والسمع والطاعة التي يريد النظام العالمي الجديد أن يصبغ بها شعوب الأرض.
ولا يخفى أن الحرب على أفغانستان لم تتوقف منذ أكثر من عشرين عامًا، وإن اتخذت أشكالًا وصورًا مختلفة، كان منها الغزو الشيوعي المباشر الذي صاحبته محاولات حثيثة لتبديل العقلية الأفغانية، ولا ننسى عشرات الآلاف من الأطفال الأفغان الذين اقتيدوا إلى موسكو لتتم صياغة عقولهم بعيدًا عن العقيدة الإسلامية والقيم والأخلاق الإسلامية، وبعد أن حقق الأفغان نصرهم الكبير على الشيوعية المحلية والغازية، ظهر شكل آخر من أشكال الحرب على الأفغان، إذ نشطت المؤامرات والدسائس ليتفرغ مجاهدو الأمس لحرب بعضهم بعضًا، وفتحت ترسانات السلاح أبوابها لكل طرف ليقتل أخاه ويقتل معه الشعب الذي جرى إهماله فلم ينل أدنى قدر من الرعاية. وحين تمكنت طالبان من السلطة لم تتوقف المعارك ضدها وزادت الأوضاع سوءًا بإعلان العقوبات عليها.
واليوم بعد أن دخلت قوات التحالف الشمالي العاصمة كابل، وأكثر المدن الأفغانية وهجرتها طالبان، فإن أول مظاهر «التحرير» التي اهتم بها الغرب وساعد عليها هو إشاعة المجون والفساد بشكل سبق أي جهود للإصلاح السياسي أو الاقتصادي، وافتتح مرقص كبير في كابل، وأعيد ترميم دور السينما والمسرح قبل ترميم المستشفيات والمدارس، وجاءت أفلام السينما وشرائط الأغاني على وجه السرعة قبل الغذاء والدواء، واحتشدت كاميرات محطات التلفاز العالمية لتصور المشهد الأهم في أفغانستان -وفق نظرتهم- وهو إعادة فتح دور السينما، وحلق اللحى، وخلع الحجاب، حيث حُملت نصيرات السفور من أوروبا على وجه السرعة ليقمن بمظاهرة في شوارع كابل ويخلعن الحجاب، ويطالبن بالمساواة مع الرجل، وتبارت مسؤولات غربيات وزوجات مسؤولين بارزين في المطالبة بما زعموا أنها حقوق مهضومة للمرأة الأفغانية.. لم يتذكروها إلا اليوم.
إن هذه المظاهر المتهافتة تكشف عن أكثر من جانب في المأساة الأفغانية: فالغرب لا يهدف إلى مساعدة أفغانستان على النمو والتطور، وإنما يسعى لخلع الأفغان عن عقيدتهم وقيمهم وأخلاقهم. والترحيب بتلك الممارسات الشائنة التي تخالف مبادئ الإسلام، لا يمكن أن يفسر على أنه نكاية بطالبان.. فتلك ممارسات تخالف الشرع ويرفضها الشعب الأفغاني إلا النذر اليسير من المنساقين وراء نزواتهم وإغراءات الغرب، وبذلك يظهر الغرب جزءًا من حقيقة أهداف حملته على أفغانستان، ويزيد السخط الشعبي الإسلامي ضد تلك الحملة.
واقتران تلك الممارسات الشائنة بتولي التحالف الشمالي السلطة، يصم هذا التحالف بالخروج على تعاليم الإسلام، ويخلق فجوة واسعة بينه وبين الشعب الأفغاني. كما أن ذلك يعطي صورة سيئة عن الشعب الأفغاني في عيون الشعوب الإسلامية التي طالما تعاطفت معه وساعدته. وإذا كان الحال كذلك، والمعارك لا تزال مستمرة في أفغانستان، والقصف الجوي يحصد الكثير كل يوم، فكيف الحال إذا توقفت الحرب وانفتحت الأبواب المغلقة على مصاريعها؟.
وكيف إذا تدخلت المؤسسات الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين تحت اسم إعادة إعمار أفغانستان؟ والمعروف أن تلك المؤسسات لا تقدم مساعداتها أو قروضها إلا مقرونة بشروط إحداث تغييرات اجتماعية وثقافية واسعة تصب في خانة التخلي عن العقيدة الإسلامية والقيم والأخلاق الإسلامية.
من الواضح أن أفغانستان تمر بمرحلة خطيرة لا على صعيد الوضع العسكري فحسب، ولكن على أكثر من صعيد، والأمل في أن الشعب الأفغاني -الذي قاوم وصمد طوال تاريخه- سوف يستمر في الصمود في وجه تلك الثقافات الغربية مهما أثخنته الجروح.. وفي هذا الصدد نشير إلى ما بثته هيئة الإذاعة البريطانية من أن بعض الصحفيين وموظفي الإغاثة قد أصيبوا بالصدمة، وقد تخيلوا أن كل نساء أفغانستان سوف يخلعن الحجاب بعد أن توهموا أن طالبان هي التي فرضته، ثم وجدوا أن الحجاب لا يزال يزين رؤوس الأفغانيات، وقد عبرت عن ذلك امرأة أفغانية بقولها: «إن البرقع عمره قرون وليس سنوات» ستبقى عقيدة الإسلام وقيمه راسخة في أعماق الشعب الأفغاني، وسيخرج -بإذن الله- من محنته وتتكسر على جباله الشاهقة كل الهجمات الثقافية واللا أخلاقية..