; الوجه الإسرائيلي لواشنطن | مجلة المجتمع

العنوان الوجه الإسرائيلي لواشنطن

الكاتب أحمد كرماوي

تاريخ النشر السبت 15-مارس-2003

مشاهدات 63

نشر في العدد 1542

نشر في الصفحة 22

السبت 15-مارس-2003

ثمة محاولات أمريكية حثيثة لتبني الموقف الإسرائيلي الذي يربط بين الفصائل الفلسطينية والحرب التي أعلنتها واشنطن على ما تسميه الإرهاب وهي محاولات بدأت عندما ضمت الإدارة الأمريكية التنظيمات الفلسطينية المجاهدة في قائمة المنظمات الإرهابية. لكن الخطوة الأخطر اتخذتها واشنطن في سياق الربط بين هذه الفصائل وبين تنظيم القاعدة العدو الأول لإدارة بوش.

وربما كان الإعلان عن اعتقال عضو مجلس شورى حزب التجمع اليمني للإصلاح محمد المؤيد ومرافقه في ألمانيا وبطلب أمريكي بتهمة وجود علاقة لهما بالقاعدة، مؤشرًا على النفوذ الصهيوني في الإدارة الأمريكية بعد أن أعلن وزير العدل الأمريكي أن المؤيد متهم بتمويل كل من القاعدة وحركة حماس فالجمع بين الاثنين في هذه المرحلة يمكن أن يقود إلى هذه الفرضية. 

وربما جاء في نفس السياق اعتقال الدكتور سامي العريان الشهر الماضي مع عدد من الفلسطينيين المقيمين في الولايات المتحدة بتهمة العضوية في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. وما دامت الأصابع الصهيونية تتلاعب بقرارات وسياسات الإدارة الأمريكية فإن هذه الحملة مرشحة لأن تتخذ بُعدًا آخر وخطيرًا في المستقبل القريب، فاستهداف المقاومة الفلسطينية ورموزها مسألة مُلحة بالنسبة للكيان الصهيوني.

ويبدو أن الولايات المتحدة قررت أن تخوض حروبًا بالوكالة عن «إسرائيل» سواء في موضوع العراق أو قضية فلسطين واختارت إدارة بوش هذا التوقيت لخوض هذه الحروب ليخدم في الأساس مصالح الدولة اليهودية إضافة إلى سياسات المسيحيين الصهاينة والمحافظين الجدد، وإلا فإن حماس والجهاد وعددًا من الفصائل الفلسطينية موجودة على قائمة «الإرهاب» الأمريكية منذ سنوات وتحديدًا منذ بداية العهد الثاني للرئيس السابق كلينتون، لكن إدارة كلينتون لم تتخذ خطوات عملية في مجال محاربة التنظيمات الفلسطينية على اختلافها. 

كما أن قضية الدكتور العريان تعود إلى عام ١٩٩٤، عندما أنتج الصحفي الأمريكي ستيفز إيمرسون فيلمه الوثائقي المعروف الجهاد في أمريكا، وزعم فيه أن الدكتور العريان هو قائد حركة الجهاد في أمريكا الشمالية لكن إدارة كلينتون لم تتحرك بالطريقة التي فعلتها إدارة بوش التي وجهت له تهمًا جنائية أخرى منها التآمر لقتل أشخاص خارج الولايات المتحدة وتقديم الدعم لحركة الجهاد وقد حظرت إدارة الرئيس كلينتون عرض فيلم إيمرسون، كما دعت الدكتور العريان إلى البيت الأبيض في ثلاث مناسبات بينما قام الرئيس بوش بدعوته مرة واحدة في بداية حكمه إذا ما الذي تغير في وضع الدكتور العريان حتى ينال هذا الجزاء لولا دخول حكومة شارون على خط الإرهاب الأمريكي.

معاهدة دولية لحظر العمليات الاستشهادية

النفوذ اليهودي في البيت الأبيض والكونجرس والأوضاع الدولية شجعت -على ما يبدو - حكومة شارون على محاولة استغلال هذا النفوذ وتقديم مشروع معاهدة دولية ضد عمليات الاستشهادية فقد كشفت صحيفة هآرتس العبرية في عددها يوم 5 مارس الحالي أن وزارة الخارجية الصهيونية أعدت مسودة معاهدة دولية ضد العمليات الاستشهادية وأنها ستبدأ عما قريب بتوزيعها على الدول الأجنبية في محاولة لنيل موافقة أكبر عدد من دول العالم عليها وتتألف مسودة المعاهدة من ثلاث مواد رئيسة كما قالت الصحيفة الإسرائيلية:

1-يعتبر جريمة دولية كل تحريض على هجمات انتحارية وكذلك أي مساعدة على مثل هذه الهجمات بأي شكل من الأشكال ومن ذلك تجهيز الأحزمة الناسفة.

2-سيتم حرمان الدول والمنظمات من تقديم أي دعم مادي لعائلات منفذي الهجمات انتحارية.

3-يتم تأسيس منظمة دولية جديدة بالتنسيق مع الأمم المتحدة لمساعدة الدول على محاربة هجمات الانتحارية.

 إذن فهذه معاهدة دولية ومنظمة دولية يتم تفصيلها لمصلحة الدولة العبرية وباسم مكافحة رهاب بدعم من الإدارة الأمريكية التي تستخدم نفوذها ووزنها من أجل عيون الدولة يهودية. وعلى ذمة الصحيفة فإن هذه المعاهدة ن بنات أفكار الآن بيكر، المستشار القانوني في زارة الخارجية الإسرائيلية الذي وجد أنها ضرورية، بعد أن تبين له أن الاتفاقات الدولية الموجودة لا تغطي الهجمات «الانتحارية».

والغطاء الأمريكي للأعمال الهمجية الإرهابية التي تمارسها حكومة شارون يوميًّا بحق الفلسطينيين العزل ليس بحاجة إلى برهان تفسير، وهي حقيقة بات حتى الرسميون العرب يتحدثون بها خصوصًا عند حديثهم عن معايير المزدوجة في السياسة الأمريكية كما أن مجرد السكوت الأمريكي عن هذه الأعمال هو في حد ذاته دعم للسياسات الصهيونية في زمن أصبحت «لا» غائبة عن التصريحات الرسمية الأمريكية عند التعليق على «أعمال العنف» في فلسطين ونحن نعلم قيمة هذه الـ «لا» عندما تكون صادرة من القوة الوحيدة المسيطرة في العالم الآن.

... ومعاهدة أخرى لحظر استعمال الصواريخ التي تحمل على الكتف

كما أن تل أبيب وبدعم مضمون من واشنطن تحاول الآن صياغة معاهدة دولية جديدة تحظر بيع واستعمال الصواريخ التي تطلق من على الكتف وهي التي كادت تسقط طائرة مدنية إسرائيلية بعيد إقلاعها من أحد مطارات كينيا في شهر نوفمبر الماضي وستقدم إسرائيل مسودة المعاهدة إلى المنظمة الدولية للطيران المدني وبالطبع بمساعدة ودعم من الولايات المتحدة.

إذن فقد دخلت حكومة شارون الإرهابية -دائرة مكافحة ما يسمى بالإرهاب وذلك بأنفاس إدارة الرئيس الأمريكي بوش بل أصبحت عنصرًا موجهًا ومحركًا في هذه الدائرة وهو ما لم تكن تل أبيب تحلم به منذ تأسيسها على أرض فلسطين المغتصبة. وعندما تتحدث حكومة مثل حكومة شارون عن الإرهاب وتزعم أنها ضحية له، لا يمكن إلا أن نضرب أخماسًا بأسداس ونحن نرى هذه الاستباحة الصهيونية للدم الفلسطيني والأرض الفلسطينية والممتلكات الفلسطينية وبصورة يومية حتى أضحت معها مشاهد تقتيل الفلسطينيين منظرًا عاديًا ومألوفًا فمن الضحية ومن الجلاد؟

تلاقح مصالح في مسألة العراق

وعند الحديث عن الحرب المحتملة على العراق لابد من الإشارة إلى تلاقح المصالح فضلًا عن التلاقي الإستراتيجي بين إدارة بوش وحكومة شارون، إلى الحد الذي دفع بكثير من المراقبين إلى القول بأن حرب بوش على العراق ليست سوى حرب يقوم بها بالوكالة عن إسرائيل. ولا ينفي هذا التوصيف وجود مصالح حقيقية للولايات المتحدة في العراق وخصوصًا آبار النفط، فكما يقول الكاتب الإسرائيلي يوري أفنيري فإن الحرب على العراق هي حرب بالدرجة الأولى على أوروبا الصناعية واليابان لأن احتلال الأمريكان للعراق سيضمن هيمنة واشنطن ليس فقط على احتياطي النفط في العراق بل في المنطقة كلها وكذلك نقط بحر قزوين والإمساك بصنبور النفط في العالم يمكن أن يخنق ألمانيا وفرنسا واليابان بسبب قدرة الأمريكان في هذه الحالة على التلاعب بأسعار النفط، فتخفيض سعر برميل النفط سوف يخنق روسيا «المنتجة للنفط»، ورفع سعره يخنق أوروبا واليابان ولذلك تسعى هذه الدول جاهدة لمنع الحرب من خلال توحيد مواقفها .

لكن مصلحة «إسرائيل» تبقى مهمة هي الأخرى، لأن ضرب العراق ومن ثم تغيير الخارطة الجغرافية للمنطقة، كما أعلن ذلك كولن باول، يصب أيضًا في صالح الدولة اليهودية والمشروع الصهيوني الذي يدعمه ويتبناه التيار المسيحي الصهيوني المتعاظم أو المحافظون الجدد في الولايات المتحدة.

ودعوة الحرب على العراق تلقى قبولًا من الجمهور الإسرائيلي، فضلًا عن المسؤولين. فقد أشار استطلاع للرأي أجرته صحيفة «معاريف» إلى أن ٥٧% من الإسرائيليين يؤيدون الحرب بينما ۲۸ % فقط يعارضونها أما رسميًّا فإن وزير البنية التحتية الأسبق أفيغادور ليبرمان طالب حكومته قبل سنة ونصف باتخاذ قرار لضرب العراق بدون تأخير، بغض النظر عن الموقف الأمريكي أو الخطط الأمريكية في هذا المجال، بدعوى أن هدف «إسرائيل» من ضرب العراق يختلف عن الهدف الأمريكي على حد قوله.

وقد أشارت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية قبل سنتين إلى أن شارون أوعز إلى رئيس أركانه في ذلك الوقت شاؤول موفاز «وزير الدفاع الحالي» للاستعداد لتوجيه ضربة مبكرة المنصات إطلاق الصواريخ غربي العراق وعلى ذمة الصحيفة كان شارون يفكر في ضرب تلك المنطقة بقنابل نيوترونية تكتيكية، بعد أن ادعت أجهزة الاستخبارات أن العراق كان على وشك ضرب «إسرائيل» بأسلحة دمار شامل واليوم فإن شارون إن لم يبق على مواقفه وحاله السابقة، فهو أشد تطرفًا ووحشية مما كان عليه في حكومته السابقة. 

ولا يخفي مسؤولو الدفاع والاستخبارات الأمريكية حديثهم عن الدور الذي ستلعبه إسرائيل في الحرب على العراق وعلى ذمة صحيفة يو إس توداي الأمريكية فقد حدد مسؤولون في البنتاجون الدور الإسرائيلي في الحرب القادمة على العراق بالتالي: 

-قامت قوات كوماندوز إسرائيلية -مستعينة بالصور التي التقطتها أقمار التجسس الإسرائيلية بعمليات مسح ومراقبة واسعة المواقع صواريخ سكود غربي العراق وهي صواريخ تخشى تل أبيب أن يتم إطلاقها من هناك كما حدث عام ۱۹۹۱، مع احتمال أن تحمل أسلحة بيولوجية أو كيماوية ويضيف هؤلاء أن الفرق الإسرائيلية وضعت خرائط المنصات إطلاق الصواريخ في تلك المنطقة مما سيساعد القوات الأمريكية في ضربها.

-خلال الانتفاضة الفلسطينية الحالية، قامت وحدات مشاة إسرائيلية ذات خبرة في حرب المدن بتدريب قوات أمريكية برية ومارينز خلال الصيف والخريف الماضيين على حرب مدن محتملة في العراق.

-قام البنتاجون بتخزين ذخيرة ووقود ومعدات عسكرية أساسية في ستة مستودعات في فلسطين المحتلة.

ومن المؤكد أن حكومة شارون ستقوم باستغلال الحرب على العراق عن طريق تنفيذ مخططات خطيرة لا تستطيع في الوقت الحالي تنفيذها لاعتبارات مختلفة، مثل ترحيل جماعي للفلسطينيين من الضفة الغربية واغتيال القيادات والرموز الفلسطينية الإسلامية وغيرها، وضرب حزب الله في لبنان بل وضرب قيادات وأهداف فلسطينية في لبنان وسوريا على حد سواء، وهو ما دفع أمين عام حزب الله حسن نصر الله، إلى تحذير «إسرائيل» من استغلال أي حرب على العراق المهاجمة لبنان وسورية وتوعدها بالانتقام والرد الموجع.

 المنطقة مقبلة قريبًا جدًّا وربما خلال هذا الشهر على مرحلة مفصلية وخطيرة من مراحل تاريخها، يحدد ملامحها هذا التلاقح المصلحي بين إدارة بوش والحكومة الصهيونية.

الرابط المختصر :