العنوان النفوذ اليهودي في فرنسا
الكاتب محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1996
مشاهدات 73
نشر في العدد 1200
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 21-مايو-1996
النفوذ اليهودي في أوربا
تهدف الملفات التي نقدمها إلى قرائنا من آن لآخر إلى تعميق الذاكرة العربية والمسلمة وتوعيتها ببعض القضايا الهامة، والموضوعات الرئيسية التي ينبغي أن تلم بها، ورغم ما تأخذه الملفات من جهد ووقت وتنسيق بين فريق العاملين فيها، إلا أنها تظل إحدى الصور المميزة التي انفردت بها المجتمع بين المجلات العربية خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك من حيث الشكل أو المضمون أو التوالي والتتابع أو نوعية الموضوعات التي نقدمها للقارئ.
ومع بروز النفوذ اليهودي في مناطق مختلف من العالم نقدم لقرائنا في هذا العدد أحد نماذج هذا النفوذ وأماكنه، حيث نخص في ملف هذا العدد «النفوذ اليهودي في أوربا» ونظرًا لاتساع حجم النفوذ في القاهرة الأوربية، فقد أخذنا الدول الرئيسية وهي: فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وسويسرا، ثم أخذنا أوربا الشرقية بإجمالها، ونظرًا لضخامة الملف فقد بقيت إيطاليا والنمسا وتركيا لنعالجها في أعداد قادمة -إن شاء الله- فإلى صفحات الملف....
النفوذ اليهودي في فرنسا
باريس: محمد الغمقي
* تعتبر الثورة الفرنسية بمثابة نقطة الإرتكاز لتكريس التواجد اليهودي في فرنسا.
* مع وصول اليسار الفرنسي إلى الحكم في فرنسا عام 1981م شهد النفوذ اليهودي انتشارًا واسعًا في كل المجالات.
* اللوبي اليهودي في فرنسا يتخوف من الجبهة الوطنية ونشاطها المعادي للمسلمين واليهود.
بالرغم من التواجد القديم لليهود في فرنسا، فإن نفوذهم شهد هزات كبرى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث وظف اليهود استهدافهم في عهد هتلر لاسترجاع نفوذهم، مستفيدين من إقامة الكيان الصهوني الذي كرَّس اللوبي اليهودي في كل مكان، وفي الغرب على وجه الخصوص، وتطور هذا اللوبي في فرنسا ليبلغ أوجَه خلال حكم اليسار من 1981 إلى 1995م، لكن ظروفًا قاسية جديدة «بروز «الجبهة الوطنية» أساسًا» باتت تشكل عامل إرباك كبير للنفوذ اليهودي المتصاعد.
إن العلاقات بين المسيحيين واليهود منذ تواجدهم في القرن الرابع في فرنسا كان يغلب عليها طالبع التوتر، فالصراع كان على أشده خاصة أثناء الحروب الصليبية (1096- 1501م) حيث تمت محاكمة ما جاء في التلمود عام 1240م، ومنع المسيحيين من الاطلاع عليه، إضافة إلى حرق كتابات منسوخة يهودية، وفرض سان لويس عام 1269م على اليهود لباسًا خاصًا، وأرغمهم فيليب الثالث على العيش في الأرياف التابعة للإقطاعيين المسيحيين، كما تم طردهم، وأخذ ممتلكاتهم في العديد من المرات، إلى حد أنه في القرن الثامن عشر تعود هذه الممتلكات إلى التاج الملكي بعد وفاة صاحبها، ولم تكن لهم سوى مقبرة واحدة، ولا يسمح لهم بدفن موتاهم إلا ليلًّا.
وتجدر الإشارة إلى أن المعاملة السيئة لليهود في ذلك من طرف المسيحيين كان يقابلها حسن معاملة إزاء اليهود من طرف المسلمين الذين كان لهم سلطان في الأندلس حتى سقوط غرناطة عام 1492م، وعندما فرَّ اليهود من إسبانيا والبرتغال نحو شمال إفريقيا أو نحو جنوب فرنسا وأوربا اندمجوا في المجتمعات ذات الطابع الإسلامي مع الإحتفاظ بهويتهم الدينية في حين فُرِض على العديد منهم اعتناق الديانة المسيحية في أوربا وفرنسا.
وتُعتبر الثورة الفرنسية بمثابة نقطة ارتكاز لتكريس التواجد اليهودي في فرنسا، ذلك أن هذه الثورة أعطت كل الحقوق المدنية والسياسية لليهود، وفي عام 1807م، أسس نابليون الأول المجمع اليهودي الذي احتكر تمثيل الجالية التي تنتمي للديانة اليهودية في هذا البلد حتى بداية الأربعينيات، وكان شعار هذا المجمع «الوطن والدين» وإلى جانب المسائل الاجتماعية والثقافية، اهتم مسؤولوا هذه المؤسسة الدينية بالحفاظ على هوية الجالية اليهودية وركَّزوا على مجال التعليم، وتم تكوين إطارات عليا عن طريق مدرسة الأحبار التي تقدم منحًا لطلبتها، واستطاع المتخرجون أن يندمجوا في الحياة السياسية والثقافية والعلمية الفرنسية، ومن الوجوه البارزة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. يمكن ذكر عائلات: Salamon Munk, Reinach وAdolphe Franck...
كما يقول julien Benda في كتابه «شباب إكليريكي»: «فإن عائلة Reinach كانت قدوة لكل أبناء اليهود في فرنسا»، وقال: «كنا نحرص على البحث والحصول على المراكز الأولى»، مستفيدين من مساحة الحرية التي أتيحت لهم بعد الثورة الفرنسية، ويذكر أن Joseph Reinach المحامي والنائب كان من الرجال المقربين إلى غامبتا –Gampetta- وزير الداخلية ووزير الدفاع في حكومة الدفاع الوطني عام 1870م.
بيد أن التغلغل اليهودي في كل المؤسسات بها في ذلك السلطة والجيش آثار موجة استياء وكراهية لليهود لدى الرأي العام الفرنسي، ويُعتبر النجاح والصدى الكبير لكتاب إدوارد دريمون Durmont بعنوان «فرنسا اليهودية، دليلًا على تخوف الفرنسيين من آثار هذا التغلغل على انهيار الهوية المسيحية، ولعل قضية Alfred DREYFUS الضابط العسكري اليهودي من أهم المعالم التاريخية لتصاعد الصراع المسيحي -اليهودي داخل المجتمع الفرنسي- حيث تسببت هذه القضية في انقسام الرأي العام بين مؤيد لهذا الضابط وساخط عليه، وكان درايفيس قد اتهم بالخيانة وتقديم معلومات عسكرية سرية للألمان سنة 1894م، وبعد سجنه ونزع رتبه العسكرية أعيدت محاكمته من جديد، وتم العفو عنه عام 1899م بحجة أن شخصًا آخر هو المسؤول عن تسريب المعلومات السرية، بل أعيد إدماجه في الجيش وأصبح وزيرًا للحرب عام 1906م.
ومن بين الانعكاسات الأساسية لهذا الحدث بروز القطب الإشتراكي- اليساري الموالي والمدافع عن درايفيس في حين أن المؤرخين يؤكدون بأن اللاسامية أو «العداء للسامية» كانت نظرية أو وجهة نظر اشتراكية كما يرى شيراس وبوسال، واستشهدوا بكتاب ألفونس Taussenel بعنوان «اليهود ملوك العصر» الصادر عام 1845م، إضافة إلى التهجمات الاشتراكية على عائلة Rothsild التي كانت تحتكر الحركة المالية والاقتصادية، واستطاع القطب اليساري أن يحكم فرنسا مدة عشرين عامًا.
وقد استفاد اليهود من تبرئة درايفيس لتقوية نفوذهم وأصبحت فرنسا «قبلة» المهاجرين اليهود من أوربا الوسطى والشرقية بالخصوص بعد الحرب العالمية الأولى، فقد هاجر حوالي 80 ألف يهودي إلى فرنسا من أصل روسي وبولوني، و20 ألف من تركيا واليونان بحيث يقدَّر عدد اليهود في بداية الحرب العالمية الثانية بـ 300 ألف، منهم 90 الف فرنسي والبقية من المهاجرين.
وقد تزامن هذا التضخم العددي مع سيطرة اللوبي اليهودي على دواليب الاقتصاد والسياسة، لذلك كان الشعور بالنقمة طاغيًا وجاء الإحتلال الألماني لفرنسا عام 1940م ليضع حدًّا لهذا النفوذ المتصاعد، وقد وجدت السياسة النازية التي اعتمدها هتلر ضد اليهود بصفة خاصة صدى وتجاوبًا من طرف حكومة فيشي Vichy التي ساعدت على ضرب اليهود عبر حملات اعتقالات وعمليات ترحيل جماعية، وأصدرت هذه الحكومة 11 نصًّا قانونيًّا يستهدف التواجد اليهودي في فرنسا، وظهرت في ذلك الوقت الإشارة الصفراء «نجمة داود»، التي أُلزِم اليهود على حملها، وتختلف الإحصائيات حول عدد المعتقلين والمرحَّلين «120 ألف حساب البعض، و75 ألف حسب البعض الآخر».
توظيف نتائج النازية وقضية الشرق الأوسط
ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وظَّف اليهود الدمار الذي لحق أوربا خصوصًا من جراء السياسة الألمانية في عهد هتلر من أجل استرجاع نفوذهم باعتماد نقطة ضعف حسب نظرهم تتمثل في تخاذل الأوربيين في التضامن مع اليهود في محنتهم مع النازية.. ومنذ ذلك الوقت تحوَّل هذا الموضوع إلى عقدة ذنب لدى الأوربيين لم يفتأ اليهود يذكرونها في كل مناسبة، وقد كانت المحاكمات لبعض النازيين تحت عنوان: «محاكمة مجرمي حرب ضد الإنسانية»، إشارة إلى المظالم التي استهدفت اليهود.
يُعَدُّ إقامة كيان يهودي في فلسطين عام 1948م عاملًا إضافيًّا أساسيًّا في تكريس النفوذ اليهودي في العالم وأوربا وفرنسا خصوصًا، فوجود مثل هذا الكيان يمثل مرجعية سياسية وأيديولوجية للجالية اليهودية، ودعمًا قويًّا لها، وفي المقابل فإن هذه الأخيرة لم تدَّخر جهدًا في دعم الكيان الصهوني، ومعلوم أن الجالية اليهودية في فرنسا تأتي في المرتبة الثانية بعد الجالية اليهودية في أمريكا من حيث الدعم المالي للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وهذا الدعم يتضاعف مع الأحداث في الشرق الأوسط وتداعياتها في العالم وفي أوربا.
فالحروب بين العرب وإسرائيل استفاد منها اليهود في أوربا وفرنسا من ناحيتين: هجرة عدد من اليهود من البلدان العربية إلى الغرب، وكسب تضامن الشعوب الغربية للقضية اليهودية، فعلى سبيل المثال، بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، استقر 20 ألف يهودي مصري بفرنسا، وما بين 1957 و1964م هاجر عدد من اليهود من أصل مغاربي إلى فرنسا، وذلك أن نهاية الاستعمار في البلدان المغاربية رفع غطاء الحصانة الغربية عن النفوذ اليهودي المتسرب من خلال الاستعمار، وشعر اليهود بأن عودة السيادة لهذه البلدان ذات الثقافة الإسلامية ستحصر نفوذهم وستجعلهم عرضة لردود الأفعال الشعبية الغاضبة على العدوان الإسرائيلي.
وكان من نتائج هذه الهجرة تضخم عدد الجالية اليهودية في فرنسا، وتفوق نسبة اليهود من أصل مغاربي المعروفين باسم SEFARDES على اليهود من أصل أوربي المعروفين باسم ASHKE- NAZES «400 ألف مقابل 250 ألف»، وبالطبع أحدث هذا التغيير في التركيبة الاجتماعية والثقافية داخل الجالية اليهودية انعكاسات على الخط السياسي، فالاتجاه التقليدي هو الذي تغلب على الاتجاه العلماني، ونتج عنه التشبث بالتعليم الديني على طريقة التعليم الذي يتبناه المستوطنون الصهاينة، كما أن المعابد اليهودية انتشرت بكل أشكالها.
تكثيف التواجد في المواقع الحساسة
أما كسب الرأي العام الغربي فقد حدث على وجه الخصوص في حرب «الأيام الستة» عام 1967م وتضاعف بعد أحداث 1973م وأزمة الطاقة النفطية، وقد تزامن هذا التوجه مع انتهاء فترة حكم ديجول 1969م الذي عُرف بسياسته المتوازنة، ومواقفه المعتدلة في قضية الشرق الأوسط وعلاقة فرنسا مع الدول العربية، ولذلك لعب اللوبي الصهيوني دورًا كبيرًا في سحب الثقة الشعبية منه، ومن بين رموز المعارضة لنظام ديجول بيار منداس فرانس، وهو رجل سياسي من أصل يهودي، وساند التحركات العمالية والطلابية الشهرية عام 1968م، والتي يقف وراءها منظمات يهودية طلابية بقيادة كوهين بنيديكت.
ومع وصول اليسار إلى الحكم في فرنسا عام 1981م شهد النفوذ اليهودي في هذا البلد أوجه في كل المجالات الحيوية سواء في صناعة القرار السياسي أو توجيه الرأي العام، وفي هذا الإطار أحاط ميتران الرئيس الفرنسي السابق نفسه بعدد من المستشارين والشخصيات السياسية ذات الانتماء اليهودي، من بينهم جاك أتالي -المستشار الخاص لرئيس الجمهورية- قبل أن يتولى منصب مدير بنك، ولورون فابيس -وزير أول عام 1984م- وجاك لانغ -وزير الثقافة- وأكثر الشخصيات السياسية ملازمة للرئيس حتى وفاته، وروبار بادنتار - وزير العدل ورئيس المجلس الدستوري-.
أما على المستوى الإعلامي والفكري، فقد تسرب النفوذ اليهودي بشكل ملحوظ إلى مختلف وسائل الإعلام، وإلى المجال الأدبي، ومن بين الوجوه الإعلامية المشهورة: الكاباش، الذي يتولى الآن إدارة القناتين الثانية والثالثة التليفزيونية الفرنسية، وجون ماري كافادا الذي يتولى إدارة القناة الخامسة، وأن سانكلار، وهي صاحبة برنامج 7 على 7 الذي تستضف فيه مساء كل أحد وقبل موعد الأخبار شخصية تكون في أغلب الأحيان يهودية أو متعاطفة مع القضايا اليهودية، بالإضافة إلى نشطين مشهورين ونسبة هامة من الطاقم الصحفي في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
وقد استفاد اليهود في فرنسا من تواجدهم في المراكز الحسَّاسة لتحصين مواقفهم وضمان نفوذهم وذلك عبر سلسلة من القوانين الرسمية الرادعة لكل من يحاول نقدهم أو استهداف نفوذهم، من بين هذه القوانين قانون صدر عام 1972م ضد «التحريض على الكراهية العنصرية والشتائم والتمييز ذي الطابع العنصري».
وقد ساهمت بعض التداعيات السلبية لقضية الشرق الأوسط مثل التفجيرات لمعابد ومحلات يهودية في فرنسا في تشديد الخناق على معارضي النفوذ اليهودي وأصبح هؤلاء مهدَّدين بالقانون الخاص بالعداء للسامية والمقصود بالذات اليهود، ذلك أن التهجمات ضد العرب، بل الاعتداء بالقتل على بعض أبناء الجالية العربية والإسلامية لا تتعدى التنديد، أما أية محاولة اعتداء ضد اليهود فإنها تتحول إلى قضية الساعة، ووصل الأمر أن نزل الرئيس ميتران بنفسه في مظاهرة حاشدة ضد العنصرية بعد العبث بقبور أصحابها من اليهود في منطقة كاربنتراس.
العمل المؤسساتي المتشعب
وليس من الغريب أن يسيطر اليهود على الساحة السياسية والإعلامية والثقافية، فقد ركزوا على العمل المؤسساتي، فإلى جانب وسائل إعلامهم الخاصة «إذاعات حرة: راديوجي- أرديو شالوم... وعدد من الصحف والمجلات: Tribure juive و Arche» فقد أقاموا العديد من المؤسسات منها ما يهتم بقضايا الجالية اليهودية المقيمة في فرنسا على المستوى الديني والاجتماعي.. ومنها ما يُعتبر همزة وصل مع النشاط اليهودي والصهيوني في أوربا والغرب والعالم عمومًا، ومنها ما يركز على دعم الكيان الصهيوني ماديًّا ومعنويًّا.
فمن بين المؤسسات ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي تذكر «جمعية رعاية الإسرائيليين المسنين والمرضى» و«الصندوق الإسرائيلي للانطلاقة الاقتصادية»، و«الصندوق الاجتماعي اليهودي الموحَّد»، و«مؤسسة رعاية أطفال اليهود»... ومن المؤسسات التربوية والتعليمية والدينية: «حركة لوبافيتش» على اسم منطقة في الاتحاد السوفيتي سابقًا، و«الحلقة الدراسية «سيمنار» الإسرائيلية في فرنسا» لتخريج الأحبار، و«منظمة إعادة البناء والعمل»، و«شركة الدراسات اليهودية» الممولة من المركز الوطني للبحوث العلمية، وتقوم باجتماعات شهرية في جامعة السربون بباريس و«مركز راشي- المركز الجامعي للدراسات اليهودي» إضافة إلى العديد من المدارس الدينية غير التابعة للحاخامات، ومنها المدرسة الميسونية «نسبة إلى ابن ميسون الفيلسوف الذي عرف في الأندلس»، وتكوين أساتذة في التعليم الحر يتم في الحلقة الدراسية بيت رفكاح».. و«الرابطة الإسرائيلية العالمية» والتي تكونت عام 1860 ومهمتها تنمية التعليم لدى الجاليات اليهودية في البلدان المتوسطية والشرقية، وتضم حوالي خمسين مؤسسة تعليمية من الابتدائي إلى الجامعي في عدة بلدان.
وتوجد في فرنسا فروع لمؤسسات يهودية عالمية مثل «المؤتمر اليهودي العالمي» الممثل في الأمم المتحدة واليونسكو والمجلس الأوربي... و«بني بريث» لمساعدة المهاجرين الجدد من اليهود»، و«المنظمة الصهيونية العالمية للنساء» المتواجدة في أكثر من 50 دولة، وتساعد المنظمات النسائية المهتمة بالأطفال الإسرائيليين.. و«الصندوق الوطني اليهودي» الذي كوَّنه تيودور هرتزل لدعم الفلاحة في «إسرائيل»، و«الحركة الصهيونية في فرنسا» التي تمثلها «فيدرالية المنظمات الصهيونية في فرنسا» والتي تضم أكثر من 30 ألف عضو.
إلى جانب ذلك فإن اليهود في فرنسا -على عكس المسلمين- نجحوا في حل مشكلة تمثيل الجبهة التي تمثلهم لدى السلطات الفرنسية منذ سنوات عديدة، فهناك «المجلس الممثل للمؤسسات اليهودية في فرنسا» C.R.I.F الذي تأسس عام 1943م أي خلال الحرب العالمية الثانية، ويضم أكثر من 60 منظمة يهودية في فرنسا وله وزن سياسي كبير، حيث يحضر رئيسه كل المناسبات الهامة وله كلمته في كل القضايا الدينية وغيرها.
وقد تنبَّه اليهود إلى أهيمة هذا الموضوع منذ زمان بعيد، حيث اضطر نابليون في بداية القرن التاسع عشر إلى إصدار قانون رسمي بتأسيس مجمع لليهود مركزي يشرف عليه ثلاثة حاخامات وشخصيتان غير دينيتين، إضافة إلى المجامع اليهودية الجهوية، وحتى بعد أن توقف العمل بالمجمع تحت طائلة القانون الذي يفصل الكنيسة عن الدولة الصادر يوم 9/ 12/ 1905م تم تعويضه بـ «اتحاد الجمعيات الثقافية الإسرائيلية بفرنسا والجزائر»، ثم عاد العمل بالمجمع المركزي الذي يشرف عليه الحاخام الكبير بفرنسا، أما تنظيم شؤون الجالية اليهودية في فرنسا من الناحية القانونية الدينية فتشرف عليه «المحكمة الحاخامية بباريس» أو كما تسمى «بيت دين» فهذا الجهاز هو الذي يفصل من وجهة نظر دينية يهودية في المسائل كلها بما في ذلك الطلاق والأكل على الطريقة اليهودية Cacher والمسؤولين عن الذبح.. واستطاع اليهود الحفاظ على هويتهم وكيانهم بالاعتراف بالتعددية داخلهم، فالجالية متكونة أساسًا من أصيلي المغرب العربي وشمال إفريقيا «سيفاراد» وأصيلي شرق أوربا «أشكيناز» وتتفاعل داخلها إتجاهات عدة من الليبرالية إلى الصهيونية المتعصبة، ويوجد من بينها التقليدي في لباسه وتفكيره والمتمَدِّن المندمج إلى حد الإنصار في المجتمع الفرنسي، لكن يبقى الانتماء الديني هو الركيزة الأساسية ومساعدة «إسرائيل» والتعاطف معها هو القضية الأم.
بيد أن النقطة الأخيرة «التعاطف بل الدعم القوى لإسرائيل» هي سلاح ذو حدين، فهي من ناحية نقطة قوة للجالية اليهودية في فرنسا من أجل رص صفوفها حول مرجعية قائمة ذات طابع سياسي وديني، ولكنها في نفس الوقت أساءت كثيرًا لصورة اليهود في فرنسا، ومعلوم أن النقاش القوي الذي يدور حاليًا في الأوساط السياسية والمثقفة يتعلق بمسألة الاندماج الكلي داخل المجتمع الفرنسي، وتوجه أصابع الاتهام عادة إلى الجالية المسلمة التي ترفض الانصهار بمعنى الذوبان والتخلي عن الهوية الإسلامية، ومن المسائل المثارة موقع القانون الديني مقارنة بقوانين الجمهورية وضرورة هيمنة قوانين الجمهورية ومبدأ العلماينة على كل القوانين الأخرى.
وبالرغم من أن المسلمين في أغلبهم لم ينفكوا يؤكدون على احترامهم للقوانين الفرنسية وللبلد الذي يضيِّفهم، لكن الحملات الإعلامية والأمنية أحيانًا تلاحقهم، ويبدو أن بعض الأطراف من مصحلتها أن يظل التوتر قائمًا ضد التواجد الإسلامي في فرنسا للتخويف من الإسلام من ناحية ومن أجل عدم استهدافها مباشرة، ومن هذه الأطراف اللوبي اليهودي الذي يشعر بإرباك كبير منذ بروز «الجبهة الوطنية» التي يتزعمها جون ماري لوبان، ومما يخف اليهود أساسًا ازدياد شعبية هذا الحزب يومًا بعد يوم رغم كل محاولات محاصرته إعلاميًّا وسياسيًّا، ويركز هذا الحزب في طرحه على الهوية الفرنسية المسيحية وعلى الأولوية من حيث الخدمات والعناية للفرنسيين، كما يركزون على ضرورة الولاء الحقيقي والمبدئي لفرنسا وقيمها، وفي هذا الإطار أثارت صحف هذا الحزب وتصريحات زعمائه بالتلميح أو بالتصريح إشكالية «ازدواجية الولاء» لدى عدد من المنتسبين إلى فرنسا قانونيًّا عن طريق الحصول على الجنسية الفرنسية، ويقصدون اليهود أساسًا وولاءهم لإسرائيل، ولم يمنع قانون العداء للسامية قيادات هذا الحزب من التهجم على بعض الشخصيات اليهودية بالاحتجاج بعدم وجود مواطنين من درجة خاصة لا يمكن المساس بهم.
وكمثال على الحملة التي يشنها اللوبي اليهودي على «الجبهة الوطنية» قيام «اتحاد الطلبة اليهود بفرنسا» بتكوين ما أسموه بـ«مرصد لأفكار اليمين المتطرف» آخر يناير 1996م، وينشطون في هذا الصدد عبر قنوات عدة «شبكة Internet- محاضرات- تظاهرات...»، للتصدي «للتحدي العنصري الجديد في فرنسا» وهو محور نشاطهم إضافة إلى جولة في فرنسا» وهو محور نشاطهم إضافة إلى جولة في فرنسا من أجل التسامح، بل محاولة الكشف عن تأثير طرح «الجبهة الوطنية» على الأوساط السياسية التقليدية مثل المعارضة الحتمية للزواج المختلط «أي بين الفرنسيين وغيرهم» ومعاقبة من يساعد مهاجرين في وضع غير قانوني، وقد استعان «اتحاد الطلبة اليهودة في فرنسا» الذي يضم أكثر من 15 ألف طالب بعدد من الصحفيين والمختصين في العلوم السياسية.
تحريك الذاكرة
ومن علامات ارتباك اللوبي الصهيوني السعي الحثيث للتذكير بالجرائم النازية، وإضافة إلى وسائل الإعلام، ودور السينما، والمسرح، والثقافة التي لا تترك فرصة للتذكير بهذه الحقبة التاريخية، فإن المنظمات اليهودية ومنها «اتحاد الطلبة» الذي كوَّن لجنة أسماها «لجنة ذاكرة شُواه Shoahi» تهدف إلى التذكير بهذا الموضوع والتصدي لمن يحاولون مراجعة هذا التاريخ أو نفيه، وملاحقة المكتبات والكُتَّاب الذين ينقدون اليهود وتاريخهم إضافة إلى العمل على محاكمة مجرمي الحرب النازيين أو من تحالف معهم، وقد تمت بالفعل محاكمة بوسكاي وباربي التي أبرزتها وسائل الإعلام، وبقي «بابون» وكذلك إدانة نظام فيشي الذي تعاون مع هتلر في الحملة ضد اليهود، ونتيجة لضغط اللوبي اليهودي امتنع فرانسوا ميتران الرئيس الفرنسي السابق من وضع باقة زهور «كمسألة رمزية» على قبر بيتان P-etain «رئيس الدولة الفرنسية عام 1940م الذي تعامل مع المحتل الألماني، وساعد على الحملة ضد اليهود»، كما اعترف الرئيس الحالي شيراك بمسؤولية فرنسا في ترحيل اليهود الفرنسيين، وهو ما امتنع ميتران عن القيام به رغم كل الضغوط علمًا بأن وزير الخارجية الألماني صرح أخيرًا بأنه لا يمكن تحميل مسؤولية جرائم النازية إلى كل الشعب الألماني، وبصفة وراثية، وعبَّر عن رفضه للعقاب الجماعي.
وتندرج في هذا الصدد القضية التي أُثيرت حول مساندة رئيس الدير «الأب بيير» «شخصية مسيحية جد معروفة في فرنسا» لطرح روجيه جارودي في كتابه الأخير «الأساطير المؤسيسية للسياسة الإسرائيلية» حول التاريخ اليهودي، وكان «بيير» قد دعا المؤرخين إلى إعادة النظر في الحقبة التاريخية لتعامل النازيين مع اليهود فقوبل بموجة من الاحتجاج من اللوبي اليهودي «تصريح برنارد كوشنار وزير اشتراكي سابق إلى جانب طرده من «الرابطة العالمية ضد العنصرية واللاسامية» بعد أن كان عضوًا في لجنتها الشرفية على مدى عقدين من الزمن».
التخويف من تحالف عنصري- إسلامي
لكن كل هذه المحاولات هدفها إحياء عقدة الذنب لدى الأوربيين عمومًا والفرنسيين والألمان خصوصًا، وربط ذلك بتنامي حزب «وبان» وما يمثله من خطورة على مكاسب النفوذ اليهودي منذ الحرب العالمية الثانية، والخطة التي انتهجها اللوبي اليهودي للتمسك بنفوذه تقوم على التهويل من أجل التخويف فالتعاطف معهم، التهويل من قيام تحالف بين اليمين العنصري الذي يمثله خط لوبان وحزبه من جهة والصحوة الإسلامية في فرنسا والعالم من جهة أخرى، والدعوة مقابل ذلك إلى التسامح ونبذ التطرف والأصولية والعنصرية، وهي مداخل ذكية لإقناع الرأي العام الفرنسي الذي يعيش قلقًا حضاريًّا بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية -إقناعه بحرص اليهود على السلام والإعتدال- وعلى دورهم في الحفاظ على العدل الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والحريات السياسية، وبعد الاطمئنان لأطورحات حوب لوبان أو الإسلاميين، وتصوير هؤلاء بأنهم أعداء السلام والسلم الاجتماعي والحرية والديمقراطية، ومحاولة كسب الرأي العام المسيحي بالتركيز على الأصول اليهودية للديانة المسيحية والحديث عن المجتمع الفرنسي ذي الهوية اليهودية- المسيحية من أجل إبراز الإسلام كدخيل على المجتمع الفرنسي وعدم قابليته للاندماج فيه والاختلاف الكلي على مستوى القيم والتصورات لموضوع الحريات والمرأة بصفة أخص.
وتُعبتر التطورات في منطقة الشرق الأوسط ومشروع السلام والتطبيع مع اليهود فرصة ثمينة للوبي اليهودي من أجل جلب اهتمام الرأي العام الفرنسي إلى مثل هذه القضايا وكسب تعاطفه، وفي هذا الإطار دافع اليهود في فرنسا الذين ينتمون خصوصًا إلى أصل مغاربي عن سياسة التطبيع بين إسرائيل والمغرب وتونس على وجه الخصوص، وتُنظم الجالية اليهودية رحلات مكثقة إلى هذين البلدين وإلى جزيرة جربة بتونس بصفة أخص، وتقوم بالإشهار عن «الحج» إلى الحارة اليهودية هناك، المعروفة بـ«الغربية»، لكن هذه الضجة تخفي مساندة ضمنية للحلِّ الأمني في التعامل مع الملف الإسلامي في شمال إفريقيا، وبالتحديد في كل من تونس والجزائر، وفيما يتعلق بأزمة الجزائر، فإن العديد من الشخصيات الفكرية والسياسية اليهودية تساند العلمانيين الجزائريين الفارين إلى فرنسا وتقدَّم لهم كل التسهيلات القانونية والدعم المادي والمعنوي، وإبرازهم كضحايا للإرهاب والأصولية.
ويستمد النفوذ اليهودي قوَّته من التحركات السياسية الحقوقية عبر الإمساك بقيادة الأحزاب الكبرى والمنظمات الحقوقية أو احتلال مواقع حساسة فيها، والتمكن من توجيه صنع القرار السياسي في الخط الذي يخدم مصالح اللوبي اليهودي، ومعلوم أن أغلب الشخصيات الفرنسية بمختلف توجهاتها السياسية تقوم بزيارة إسرائيل قبل أي موعد انتخابي أو للتعبير عن تضامنهم مع الإسرائيليين حكومةً وشعبًا في مناسبات عدة، مثل: اغتيال رابين، وعلى سبيل المثال، ردَّت إسرائيل على زيارة رئيس الحزب الشيوعي الفرنسي روبار هيو لها بهذه المناسبة بتوجيه دعوة رسمية له، وذلك لأول مرة في تاريخ هذا الحزب وسيستفيد هذا الأخير من هذه الزيارة بإعادة كسب ثقة اليهود في فرنسا بعد الفتور الناتج عن موقف الحزب المساند للعرب في حرب 1967م.
وبالنظر إلى أن النفوذ السياسي يمر عبر النفوذ الاقتصادي، فإن اليهود في فرنسا نجحوا أيضًا في احتكار السوق والحركة الاقتصادية -وهذا شأنهم في كل زمان- فهم يسيطرون على العديد من المؤسسات البنكية وشركات التأمين، والتوريد، والتصدير، والتمويل، والتموين، والاستثمار، إلى جانب القطاعات الصناعية، وصناعة السلاح، وقد بيَّنت قضية الساعة حول سارج داسَو مدى النفوذ اليهودي في المجالات الحساسة، وداسَو هو رئيس شركة الملاحة الجوية باسمه، ومن إنتاجها السلاح الجوي، وكان من المقربين للرئيس السابق ميتران، واليوم هو مطلوب من القضاء البلجيكي الذي أصدر ضده مذكرة دولية لإيقافه لتورطه في تميول الحزب الاشتراكي البلجيكي «15 مليون فرنك» وفي فضيحة مالية سياسية كبرى في بروكسل كان من نتائجها استقالة ويلي كلاس -الأمين العام للحلف الأطلسي- وكان داسو قد دفع هذا المبلغ مقابل الحصول على عقد لبيع طائرات عسكرية لبلجيكا في صفقة تقدر بـ 950 مليون فرنك «190 مليون دولار تقريبًا»، وقد رفض داسو المثول أمام القضاء البلجيكي بحجة «غياب بعض القوانين المبدئية» كما أن الحكومة الفرنسية لا تفكر في تسليمه بالنظر إلى اللوبي الذي يقف وراءه.
وبالتالي، فإن النفوذ اليهودي في فرنسا يشهد اليوم مشاكل وتحديات من داخله «الفضائح السياسية والمالية» ومن خارجه «تنامي الصحوة الإسلامية، وازدياد شعبية حزب «الجبهة الوطنية»، وهو يتحرك على كل الأصعدة لكسر هذه العراقيل ولمحاصرة الوعي بانعكاسات هذه النفوذ السلبية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل