; النائب الكاروري يشخص أسباب تردي الأوضاع في السودان | مجلة المجتمع

العنوان النائب الكاروري يشخص أسباب تردي الأوضاع في السودان

الكاتب أبو عثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 792

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 18-نوفمبر-1986

  • المخرج من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السودانية يكمن في الاتجاه إلى الله والتمسك بالشريعة الإسلامية
  • الكاروري يقول: إن أكبر جريمة نفذت في عهد نميري هي ترحيل اليهود الفلاشا تحت ستار الإغاثة
  • منظمة الدعوة الإسلامية سوت خلافها مع الحكومة من خلال القضاء، وهي الآن أمر واقع وشرعي

عبد الجليل النذير الكاروري واحد من النواب الإسلاميين في البرلمان السوداني «الجمعية التأسيسية».. التقت به المجتمع وسألته عن مشاكل السودان وسبل حلها، فكان هذا الحوار: 

  • ما هي أهداف زيارتكم الحالية لدولة الكويت؟

- أحمد الله إليكم أن بلغني دياركم، وأصلي على نبي المكارم، وبعد:

زيارتي هدفها اجتماعي أولًا، فالكويت بها هيئات تقوم بنشاط اجتماعي عالمي ويقوم على مؤسسات خيرية، ونحن أيضًا في السودان نتحرك اجتماعيًّا بهذه الوسائل، وأظن أن أهدافنا متقاربة إن لم تكن متطابقة.

 جئت إذن من أجل التنسيق والتعاون لخدمة الأهداف المشتركة بهذه الوسائل المتقدمة، وما توفيقي إلا بالله.

  • ما هي أسباب تردي الأوضاع في السودان في السنوات الأخيرة؟

- تردي الأوضاع الاجتماعية في السودان أخيرًا يعود لأسباب جغرافية واقتصادية وسياسية، أو أن السبب الأول ترتب على السببين التاليين: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41) فالجفاف الذي عم إفريقيا وغربي السودان لم يتم في معزل عن كسب الناس، وقد اشتد في السودان في أول هذا العقد ۸۲- 1985 ومن أهم آثاره تهجير منتجي الثروة الحيوانية إلى أطراف المدن الإقليمية والعاصمة القومية، فبجانب ضياع الثروة -وهذا جانب اقتصادي- أصبح هناك واجب تجاه الإنسان المهاجر فقد رحل ومعه دوافعه للعيش، لكن في المدينة يواجه بأسلوب جديد فيه العيش لا يملك من وسائله إلا الشمس وعشة على طرف المدينة، أما صغار هؤلاء فقد انتشروا داخل المدينة يطلبون الحياة، فهل تعطيهم المدينة حضارتها أم مفاسدها؟ هذا هو التحدي!

كان الاجتماعيون عندنا من قبل يفتعلون توطين البدو لأنه عندهم في علم الاجتماع يصنف مع التقدم -وكذلك هو- ها قد جاء البدو فأين الوطن والتوطين؟

أما العوامل السياسية فداخلي وخارجي؛ ونقصد بالخارجي التهاب الجبهات الحدودية التي امتازت بالسكون دهرًا إلى حد تشاد يوغندا وأثيوبيا، فتدفق اللاجئين -كما يقول وزراء الداخلية- ليصبح السودان ذا رقم على الأقل لما تذكر الدول مرقمة! فهو ثاني أكثر الدول عددًا من حيث اللجوء السياسي إليه وحدث عن مشاكل اللجوء، غير أن السودان يمتاز بأنه بلد مفتوح ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (الحشر: 9) ولكن الآن أصبحوا «ينقنقون» أي يتحدثون عنه همسًا!

أما العامل السياسي الداخلي فحرب الجنوب، فليس كل الجنوب قرنق، كما ليس قرنق كل الجنوب، بل منهم من يقاتل ضده ومنهم من يفر منه، هؤلاء الفارون هم الجانب الاجتماعي في المسألة، حيث اضطروا مثل البدو أيضًا لأطراف المدن وأطراف العاصمة القومية، حتى أنني اقترحت على محافظها أن يحول رمزه من خرطوم إلى فيل كامل ليدرك حجم المسئولية المتزايدة حوله، فعليه تنظيم هؤلاء وإطعامهم، أما وزير التربية فقد قدم لنا في البرلمان خطته لاستيعاب تلاميذ الجنوب بمدارس العاصمة، وقد بلغ العدد الذي وصل من التلاميذ هذا العام ستة آلاف تلميذ.

أما السبب الاقتصادي فهو التنمية، وما أدراك ما هي! فإنهم في العالم يتحدثون عن سلبيات النمو؛ ولكنا في السودان ابتلينا بسلبيات المحاولة لأننا استلفنا خطط العالم: السوفيتية أولًا، ثم الأمريكية أخيرًا، فكان عاقبتها ۱۳ مليار من الديون واعتماد في العون على العالم، الأغنياء يأكلون من القرض السلعي الأمريكي قمحًا، بينما يأكل الفقراء الذرة الأمريكية إغاثة! لولا ما حبانا الله به من غيث في العامين الأخيرين. 

إن تمويل التنمية وخدمة ديونها أرهق العالم الثالث -كما يقولون- جدًّا، وللأسف ظللنا في السودان وفيين جدًّا لشروط المؤسسات الدولية الممولة، والتي لا تقبل على الإطلاق بانخفاض المعيشة: يعني أنت مدين إذن لا تنجح! هكذا يحددون لنا كم نعطي سيارة الإسعاف من جالونات الوقود! وبكم نعد جنيهنا! وكم نستوعب في الخدمة المدنية من الموظفين! للأسف ظلت السياسة وفية لهذه الشروط في عهد النميري وفي الفترة الانتقالية وكذلك الحكومة الحالية!

ومعروفة الآثار الاجتماعية لهذه السياسة التضخمية حتى الأسر مستورة الحال لا تجد قوامًا من عيش للندرة وللبطالة؛ فمن أكثر ما يؤرقنا الآن الجيوش من المتعلمين والمؤهلين فنيًّا، بل والخريجين الذين لا يجدون أعمالًا -الزراعيون فقط ألف منهم بدون عمل!

  • فما هو المخرج من الأزمات المتداخلة حسب رأيكم؟

- التحرر.. نحن نحتاج لحرب تحرير جديدة.. تحرير الإرادة من الخطط الاستعمارية والمؤسسات الاستعمارية، والاتجاه إلى الله والانكفاء إلى الأرض عملًا، لم يثبت التاريخ أن دولة نهضت بفعل فاعل، بل بفعل بنيها شكرًا وعملًا.

 أنا أتهم كل الخطط الاقتصادية الأجنبية.. إنها غير ناصحة لنا، كما أنني لا أشك في المقدرة الفنية لديها، وهذه ضالتنا، أما المال فينبغي قصر التعامل فيه بين المسلمين إقراضًا واستثمارًا. من أدراني أن الذي يقبض من أخي في الخليج ويودع في البنوك الدولية هو نفسه الذي تقرضه أنا بربا؟! تعالوا لتحرير اقتصاد المسلمين من الربا لتنزل البركة على الجميع؛ أغنياء وفقراء.

  • ما هي الجمعيات العاملة والمتعاونة معكم في مجال الأعمال الاجتماعية؟

- الجمعيات العاملة في هذا المجال منها ما تتفق أهدافنا وأهدافها مثل الجمعيات السودانية والإسلامية والعربية، فنحن في تعاون مع هذه وتنسيق؛ أما الأوربية فلها أهدافها التي لا تكشف عنها صراحة وتخدمها من خلال الخدمة المباشرة! ونحن نرى في ذلك اختراقًا للوطن وتهديدًا للملة، وقد دعونا لئلا يكون نشاطها مباشرًا وفي الحقل! بل إن كان لا بد من عونها فليصل عبر أجهزة الدولة أو الجمعيات المحلية والعربية. يكفي أن أكبر جريمة سياسية في عهد النميري ترحيل اليهود الفلاشا، نفذت تحت ستار الإغاثة!

  • لقد تردد في وقت من الأوقات أن هناك خلافًا بين منظمة الدعوة الإسلامية وبين الحكومة السودانية، فما حقيقة هذه المشكلة؟

- الحكومة لا مصلحة لها في إثارة مشكلة مع منظمة الدعوة، ولا حجة، فقد كشف النائب العام نفسه أن ثمانين منظمة أجنبية تعمل بالسودان بغير ترخيص! فيصدق إذن قول الشاعر:

حرام على بلابله الدوح            حلال على الطير من كل جنس 

وبالفعل المنظمات الأوربية تنتشر في السودان كالطير، ومن كل جنس. بعد اجتماع مجلس أمناء المنظمة وهم من السودان ومن البلاد العربية الأخرى، اجتمعوا برئيس الوزراء فاعتذر واقترح تكوين لجنة من المجلس والحكومة لتذليل الصعاب، غير أن هذه اللجنة لم تنعقد، كما أن المنظمة استأنفت لدى القضاء، وفي أثناء جولتي هذه علمت أنه صدر قرار المحكمة ببطلان قرار الإيقاف، وعليه فإن المنظمة أمر واقع وشرعي لا سبيل للحكومة إلا التعاون معها، يكفي أنها تخدم المواطنين الذين هم في ذمة الحكومة.

  • بصفتكم عضوًا في الجمعية التأسيسية، ماذا فعل البرلمان بخصوص تطبيق الشريعة الإسلامية؟ وما صحة ما تردد حول نية الحكومة جعل المسيحية مع الإسلام مصدر التشريع؟

- الحكومة وعدت في خطاب هذه الدورة البرلمانية بكتابة قوانين إسلامية بديلة لما كتب في زمن النميري. نحن سألناهم في البرلمان: متى؟ قالوا: بعد أربعين يومًا، والآن مضت أربعة أشهر ولم يقرأوا علينا قانونًا! ولم يتجاوز الأمر مقترحات في ديوان النائب العام! المشكلة أن جديدًا لم يكتب كما أن المكتوب معلق، وعليه فنحن نعيش فراغًا تشريعيًّا سببه اختلال الأمن الداخلي، أكثر وزير استجوب أمام البرلمان حتى الآن هو وزير الداخلية.

 في البرلمانات السابقة كانت أسئلة النواب أغلبها يتعلق بخدمات العيش عن حفر الآبار وبناء المستشفيات، لأول مرة تبرز الأسئلة الأمنية بهذا القدر، ولأجل ذلك تهتف الجماهير في السودان: الشريعة ضرورية.

أما الشريعة في الدستور فحتى الآن لم تتكون لجنة لمقترحات الدستور! وإذا كانت المشكلة أمام الدستور على عدم اكتمال البرلمان، فإنه يمكن كسب الزمن وإعداد المسودة الدستورية فنيًّا حتى تضع الحرب أوزارها، سيما ونحن جمعية تأسيسية عليها بنص الدستور المؤقت أن تفرغ خلال عام من التأسيس لتتحول إلى برلمان عادي.

غير أن الحكومة مشغولة بهذا الدستور المؤقت وتقترح عليه التعديلات حتى تحكم قبضتها، فقد كتب في عهد انتفاضة! يحمل من الحريات ما لا ترضاه القوى الدولية لدول العالم الثالث.

 صحيح أن العسكريين الذين حكموا مع المدنيين خلال عام الانتقال قد اعتمدوا الشريعة الإسلامية مصدرًا، إلا أن الحكومة الحالية أرادت أن تتبرع للمسيحيين بتشريعة، فاقترحت أن يكون مصدر التشريع الإسلام والمسيحية! أقول: في هذا المجال الحكومة سجلت سبقًا تاريخيًّا، فما اقترح برلمان من قبل تشريعًا مسيحيًّا؛ لأن المسيحية الحالية لا شريعة فيها؛ لأنها تنكر شريعة التوراة -العهد القديم- التي أقر بها عيسى عليه السلام، فالمسيحيون أنفسهم في البرلمان السوداني قالوا: نحن مع شريعة التسامح، لا شريعة القصاص.

أقول: إن هذا الاقتراح لا يرضي المسلمين ولا المسيحيين؛ لأنه يبطل عقيدة الطرفين! والمخرج هو اعتماد الشريعة الإسلامية مصدرًا، وليتعامل معها المسيحيون تعاملًا مدنيًّا، فهي تكفل الحقوق المدنية لجميع المواطنين، كذلك كان التطبيق الأول لها حيث كتب أول دستور في التاريخ بيد المسلمين بالمدينة، ضمنوا به حقوق الجميع بما فيهم اليهود.

  • وأنتم بعيدون عن الساحة السودانية، ما تفسيركم للمظاهرات الأخيرة في السودان؟ وما تفسيركم لاتهام الحكومة للجبهة الإسلامية بأنها وراء المظاهرات؟

- أثناء الانتفاضة ارتفع شعار «لن يحكمنا البنك الدولي» غير أن البنك الدولي يظل يحكم السياسة المالية للحكومة السابقة والحالية، وبالتالي ازداد الغلاء حدة، فالبنك الدولي لا يسمح لحكومة مدنية أن تخفض الأسعار، حتى الوعد الذي قطعه وزير الطاقة بتخفيض أسعار البترول بعد الاطمئنان إلى وصول هذا التخفيض للمواطن! لكن يبدو أن الخوف من فوق لا من تحت! لذلك كانت المظاهرات.

أما اتهام الحكومة للجبهة بأنها وراء المظاهرات فهذا يجعلني -وأنا بعيد- أتخوف من تسوية جديدة في المنطقة لا تكون على حساب الحركة الإسلامية في السودان فقط، بل على حساب حركات أخرى قد تكون منها حركة قرنق نفسه وحركة الأرتيريين، فقد تزامنت الأخبار من هذه الجبهات أخيرًا.

  • وما تقول في لقاء الصادق المهدي بالجبهة بعد رحلته الأخيرة لأمريكا؟

- أخشى أن يدفع ذلك بالاتحاديين للموافقة على التعديلات الدستورية، فالعهد ديمقراطي عندنا!

  • ما هي العقبات أمام التوجه الإسلامي في السودان داخل البرلمان وخارجه؟

- أهل السودان إذا تركوا وحالهم سيتفقون على الشريعة ويمكن إعلانها من داخل البرلمان الآن، كما أعلن الاستقلال من قبل، هذا رأيي في زملائي النواب، غير أن القوى الدولية هي المستفيد الوحيد من تعطيل الشريعة، سواء كانت قوى يسارية أو أمريكية! إنها تضغط اقتصاديًّا وأمنيًّا ضد الشريعة، ولا يقاوم حاكم هذا الضغط المادي على حكمه إلا إذا كان ذا يقين مثل محمد أحمد المهدي، فأين الآخر من الأول؟

  • المجتمع: وفي الختام نشكركم على هذ اللقاء الطيب، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرابط المختصر :