العنوان الموساد يتغلغل في بغداد
الكاتب عبده عايش
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003
مشاهدات 74
نشر في العدد 1582
نشر في الصفحة 32
السبت 27-ديسمبر-2003
الموساد يتغلغل في بغداد
■ قصة الوجود اليهودي في العراق عبر التاريخ ودوافع عودتهم مع الغزو.
■ بعد الاحتلال البريطاني القديم للعراق أصبح اليهود يتحكمون في الاقتصاد ... سيطروا على٩٠% من حركة الواردات وأعمال المقاولات وشغلوا ٥٠من الوظائف.
■ بين الحربين العالميتين انضمت أعداد كبيرة من اليهود إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي لتأييده قرار تقسيم فلسطين.
■ تبرعات يهود العراق للكيان الصهيوني في العشرينيات من القرن الماضي كانت أكثر من تبرعات يهودبولندا.
■ منذ عام ١٩٤١م.. بدأ يهود العراق ممارسة أنشطتهم الصهيونية بشكل سري وكانت المنظمات الصهيونية الرئيسة بالعراق هي «الهجاناه، وهيحالوتس» وسعت المساعدة الشباب على الانضمام إليها والهجرة إلى فلسطين.
■ بعد الغزو الأمريكي الأخير أنشأت إسرائيل فرعا للموساد في بغداد المطاردة العلماء العراقيين.. والبحث عن أرشيف المخابرات العراقية... وتجنيد العملاء.
■ منشورات ومقالات وخطب في المساجد تحذر من تغلغل اليهود ومحاولاتهم شراء مبان وبيوت حكومية.
■ في أغسطس ٢٠٠٣م. افتتاح مركز إسرائيلي علني للدراسات الشرق أوسطية في شارع أبو نواس المطل على نهر دجلة ببغداد.
■ صحيفة معاريف الإسرائيلية: ممثل الوكالة اليهودية جيفكي قام بزيارة رسمية إلى العراق استمرت خمسة أيام وهو أول شخصية إسرائيلية رسمية تزور العراق بعد احتلاله من قبل القوات الأمريكية البريطانية.
■ يجد اليهود في تلمودهم أن خراب دولتهم الثانية سيكون على أيدي أحفاد نبوخذ نصر.
■ صحافة العراق: اليهود يشترون كل شيء كما فعلوا في فلسطين.
عاش اليهود في ديار المسلمين وتحت راية دولة الإسلام على مدى أكثر من ١٤٠٠ عام في أمان وسلام، ويؤكد هذا المعنى المؤرخ الإسرائيلي صموئيل أتينجر «١» بقوله: «عاش يهود المشرق الإسلامي على مدى ما يقرب من ألف ومائتي عام تحت حكم الإسلام، وقد أطلق عليهم طيلة هذه الفترة اسم أهل الذمة، وكان يحق لهم ممارسة شعائرهم الدينية في مقابل الجزية التي كانوا يدفعونها للسلطات التي كانت تتولى حماية ممتلكاتهم، واتسمت علاقة اليهود بالمجتمع المحيط بهم من المسلمين بقدر كبير من الاستقرار. ويقرر أن وضع يهود الشرق أفضل بكثير من وضع يهود أوروبا الذين اضطهدوا لأسباب سياسية واقتصادية ودينية فكثيراً ما كانوا يطردون من البلدان التي أقاموا فيها في حين لم يتعرض يهود بلدان الشرق لنفس المصير.
هذه الشهادة وغيرها من الوقائع والأحداث وردت في كتاب "اليهود في البلدان الإسلامية" وهو عبارة عن كتاب يضم عشرين دراسة لأربعة من الباحثين المتخصصين في دراسة تاريخ يهود العالم العربي والإسلامي. والكتاب عبارة عن تحليل شامل للتاريخ الاجتماعي والاقتصادي والفكري ليهود البلدان الإسلامية، خصوصاً العراق واليمن وأفغانستان وإيران مروراً ببخارى وعدن وكردستان العراق وحتى مصر ودول المغرب العربي. كما يرصد التحولات الجذرية التي شهدها المجتمع اليهودي التقليدي منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.
تلك مقدمة لابد منها، وبعدها ندخل إلى موضوعنا عن الاختراق الصهيوني للعراق حديثاً. ففي الفترة ما قبل وبعد الغزو الأنجلو أمريكي للعراق تتحدث الأنباء عن أصابع خفية يهودية صهيونية تعمل بإصرار لتحقيق الاستراتيجية الصهيونية بإعلان إسرائيل الكبرى على أشلاء ودماء الفلسطينيين وخراب ودمار دول العرب والمسلمين.
وفي كتاب "اليهود في البلدان الإسلامية" وهو عبارة عن كتاب به عشرون دراسة لأربعة من الباحثين المتخصصين في دراسة تاريخ يهود العالم العربي والإسلامي، والكتاب عبارة عن تحليل شامل للتاريخ الاجتماعي والاقتصادي والفكري ليهود البلدان الإسلامية، خصوصاً العراق واليمن وأفغانستان وإيران مروراً ببخارى وعدن وكردستان العراق وحتى مصر ودول المغرب العربي، كما يرصد التحولات الجذرية التي شهدها المجتمع اليهودي التقليدي منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.
قوة في ظل الاحتلال
يظهر التعداد السكاني الأول الذي أجري في العراق عام ١٩٢٠م أن تعداد يهود العراق يقدر بـ ٨٧ ألف يهودي، وأظهر أيضاً أن «٥,٣٠٠» يهودي يقيمون في بغداد وأن ٧ آلاف يقيمون في البصرة، وفي عام ١٩٤٧م وصل تعداد يهود العراق إلى ١١٨ ألف نسمة «٢».
ويمكن القول بشكل عام إن المسلمين كانوا أكثر تسامحاً تجاه اليهود، ولكن كان هناك عامل آخر حدد وضع اليهود وهو مركزية السلطة، حيث إنه كلما كانت السلطة مركزية أكثر وقادرة على الهيمنة بكفاءة على مقاليد القوة المختلفة، وخاصة إذا كانت هذه السلطة أجنبية، كان وضع اليهود مريحاً أكثر.
تفيد كتابات الرحالة التي يرجع تاريخها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى أن غالبية يهود العراق كانوا يعملون في المهن اليدوية والصرافة، وفي إنتاج الصابون والزيوت والحلويات والنبيذ، كما عملوا أيضاً بالتجارة إلى بلدان الشرق الأقصى كما تفيد إحدى كتابات الرحالة التي يرجع تاريخها إلى عام ١٨٤٨م أن يهود بغداد سيطروا بشكل مطلق على حركة التجارة مع الهند.
وتسببت سيطرة اليهود على أسواق المال في تعرضهم للاضطهاد من قبل الأتراك الذين قالوا إن اليهود تسببوا في انهيار قيمة العملة التركية، وبعد احتلال بريطانيا للعراق أصبح اليهود يتحكمون في اقتصاد العراق، فتولى اليهودي ساسون يحزقيان منصب وزير المالية في حكومة الانتداب البريطاني في العراق، كما سيطر اليهود على ما يربو على %٩٠ من حركة الواردات وأعمال المقاولات، وشغل اليهود أيضاً ٥٠٪ من حجم الوظائف الحكومية «٣».
وحققت بعض العائلات اليهودية في نهايات القرن التاسع عشر قدراً كبيراً من الثراء، ولم يكن هذا الثراء نتيجة لهجرتها لبلدان الشرق الأقصى، وإنما نتيجة لتزايد نفوذها الاقتصادي في العراق. وساهم افتتاح قناة السويس إلى حد كبير في ازدهار النشاط الاقتصادي في العراق، وتزايد ثراء العائلات اليهودية. وكانت عائلتا زيلخا وعبودي من أكثر العائلات اليهودية ثراء بالعراق. ونتيجة لسيطرة يهود العراق على حركة أسواق المال، فقد الحق رحيلهم عن العراق في عام ١٩٥٠م أشد الضرر بنظام البنوك في العراق «٤».
خنجر مسموم في الظهر
شارك اليهود في الحركات السياسية والقومية التي كانت ذات طابع ليبرالي، ولكن سرعان ما خرج اليهود من هذه الحركات خاصة بعد أن تزايدت في أوساطها قوة التوجهات الدينية والقومية المعادية لليهود.
وإبان الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين، انضمت أعداد كبيرة من اليهود إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وجذب هذا الحزب الذي تأسس في عام ١٩٢٤م اليهود إلى صفوفه لتأييده قرار تقسيم فلسطين الصادر في عام ١٩٤٧م والداعي إلى إقامة دولة يهودية ومعارضته للحرب وتأييده للحل السلمي الذي دعا إليه «٥».
في الثاني من شهر نوفمبر عام ١٩١٧م، شعر يهود الشرق الذين كانوا يأملون أن تنتصر بريطانيا على تركيا الدولة العثمانية، بسعادة بالغة عند صدور وعد بلفور وهو الوعد الذي دعا إلى إقامة وطن قومي لليهود، كما أحس اليهود بالسعادة بعد أن تم التوصل إلى اتفاقية سان ريمو في عام ١٩٢٠م التي بموجبها وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني. وبعد أن تولى هربرت صموئيل منصب المندوب السامي البريطاني في فلسطين، قال إن كل هذه الأحداث لا تعد فقط بمنزلة اعتراف من قبل الآخرين بحق اليهود في فلسطين، وإنما تعد أيضاً بمنزلة خطوة عملية على صعيد إقامة مملكة إسرائيل الثالثة «٦».
إبان عقد العشرينيات، كان لبعض الروابط الصهيونية في العراق بعض المنجزات المهمة في مجالي التبرعات للصندوق القومي اليهودي وشراء الأراضي في فلسطين. وعند المقارنة بين حجم التبرعات التي قدمها يهود العراق إبان عقد العشرينيات بالتبرعات التي قدمها يهود بولندا في نفس الفترة نجد أن التبرعات التي قدمها يهود العراق كانت ضخمة للغاية، ولا يدل هذا الأمر على مدى تحمس يهود العراق للفكرة الصهيونية فحسب، وإنما يدل أيضاً على أن أوضاعهم إبان فترة الاحتلال البريطاني للعراق كانت جيدة، ولذلك رأت المؤسسات الصهيونية أنه من الممكن الاعتماد على يهود العراق في مجال التبرعات المالية.
وكان من بين أنشطة الحركة الصهيونية في عام ١٩١٨م قيامها بتأسيس العديد من الروابط الصهيونية، وتقديم تبرعات إلى المؤسسات الصهيونية، وشراء الأراضي في فلسطين، وكان من بين أنشطتها أيضاً تأسيس عدة روابط لنشر اللغة العبرية الحديثة والأدب العبري.
في المقابل، تبنت الاتجاهات القومية في العراق موقفاً معادياً للصهيونية، وكان من بين مظاهر هذا العداء أن أجهزة الإعلام الرسمية لم تتوقف منذ حصول العراق على استقلاله في عام ١٩٣٢م عن مهاجمة الفكر الصهيوني، بالإضافة إلى أن الحكومة العراقية حظرت منذ عام ١٩٣٥م النشاط الصهيوني وتدريس اللغة العبرية والهجرة إلى فلسطين ودخول أية صحف عبرية أو صهيونية إلى العراق.
ومع هذا، بدأ يهود العراق منذ عام ١٩٤١م في ممارسة أنشطتهم الصهيونية بشكل سري. المنظمات الصهيونية الرئيسة بالعراق هي «الهجاناه» و«هيحالوتس»، وعملت هذه المنظمات على مساعدة الشباب على الانضمام إلى المنظمات الصهيونية السرية والهجرة إلى فلسطين.
التسلل المبكر
لا غرابة أن يسعى الصهاينة لقضم ما تيسر لهم من كعكة العراق - حتى وإن تعثر الأمريكان والبريطانيون في تثبيت أقدامهم على بلاد الرافدين جراء المقاومة المسلحة العراقية التي توالي تكبيدهم خسائر كبيرة وعلى رأسها حصد أرواح الجنود الأمريكان.
ويدلل على صحة ذلك ما نقلته إحدى النشرات الأمنية المتخصصة في لندن على لسان رئيس الموساد الإسرائيلي، حين كان يتحدث إلى سباط وعناصر الموساد التي يطلق عليها «الشعبة العراقية» وهي المكلفة بمهمات حساسة في العاصمة بغداد، وقوله: «إننا نعود إلى بلد في غاية الأهمية الجغرافية والجيوستراتيجية، ونصبح على حدود إيران، ونطوق سورية، ولذلك فالأخطاء أو الخطوات الناقصة ممنوعة».
وتعود أخبار التسلل الإسرائيلي إلى ما قبل الغزو الأمريكي البريطاني حين نشرت صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية تقريراً يفيد أن القوات الأمريكية الغازية تستعين بخبرات إسرائيلية في فنون أساليب حرب المدن وقمع المقاومة المسلحة إبان الاحتلال. وفي هذا الإطار، ألقى الكولونيل الإسرائيلي موشيه تامير قائد فرقة جولاني الصهيونية محاضرة على ضباط قوات المارينز الأمريكي، تمحورت حول الدروس التي تعلمها جيش الاحتلال الإسرائيلي من الصراع المسلح مع جماعات المقاومة الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى.
وركزت محاضرة الكولونيل الإسرائيلي على عملية السور الواقي التي شنتها قوات الاحتلال الصهيوني على الشعب الفلسطيني في إبريل ٢٠٠٢م، وكانت محاضرته جزءاً من سلسلة محاضرات وتدريبات حول حرب المدن التي كانت تواجهها القوات الأمريكية مع الجيش العراقي.
اختراق استخباراتي
أول ثمرة قطفها الصهاينة من احتلال أمريكا وبريطانيا للعراق هي إنهاء العراق كقوة إقليمية لا يُستهان بها، وهذا على الصعيد الاستراتيجي، أما الثمرة الأخرى فتمثلت في الاختراق الاستخباراتي للعراق أرضاً وإنساناً، فقد أنشأت إسرائيل فرعاً لموساد في بغداد، وذلك حسب المصادر العراقية، لتنفيذ مهام خطيرة تتعلق بمطاردة العلماء العراقيين والبحث عن أرشيف المخابرات العراقية، وتجنيد العملاء المحليين، بالإضافة إلى اختراق المجتمع العراقي والتغلغل في أوساط النخبة السياسية والحركات والمنظمات السياسية الناشئة والتقصي والتفتيش عن برامج أسلحة الدمار الشامل والبرنامج النووي العراقي، الذي كانت إسرائيل قد سددت له ضربة قاتلة بقصفها المفاعل أوزيراك العراقي أوائل الثمانينيات.
آخر المعلومات الواردة من بغداد تقول إنه تم افتتاح مركز إسرائيلي للدراسات الشرق أوسطية في العاصمة العراقية في أول أغسطس ٢٠٠٣م. ويحتل المركز مبنى كبيراً في شارع أبو نواس المطل على نهر دجلة، ويعد المركز أول مركز إسرائيلي يعمل علانية في بغداد بعد سقوطها. وقد تمكن من الحصول على التصريحات اللازمة من قوات الاحتلال الأمريكية ومن وزارة الدفاع «البنتاجون»، كما أن حراسة أمريكية مشددة تفرض حوله.
وأكدت المصادر العراقية أن هذا المركز يتبع مؤسسة إسرائيلية تدعى ميمري «مركز الصحافة العربية»، وأنه أنشئ قبل خمس سنوات ومقره الرئيس في العاصمة الأمريكية واشنطن، وله فروع منتشرة في لندن وبرلين والقدس الغربية. والمركز يتولى ظاهرياً متابعة الصحافة العربية الصادرة في الوطن العربي والدول الأوروبية ولا سيما بريطانيا، حيث يقوم بترجمة المقالات المهمة الصادرة في الصحف العربية إلى اللغات العبرية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية وتوزيعها على المشتركين، كما يقوم بتزويد المؤسسات الإسرائيلية الرسمية بهذه الترجمات. ويبلغ عدد المشتركين الذين يتلقون خدمات هذا المركز يومياً نحو ٢٥ ألف مشترك، كما أن المركز يقوم بتشغيل العشرات من الموظفين في فروعه المختلفة، وهو منظمة لا تهدف إلى تحقيق الربح، إذ يتلقى دعماً مالياً في صورة تبرعات من منظمات يهودية وصهيونية منتشرة في جميع أنحاء العالم.
ولم يقتصر الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي للعراق على ذلك، بل إن الموساد وصل إلى بغداد على ظهر الدبابات الأمريكية، وبدأ في إقامة وتجنيد شبكات واسعة من العملاء والمخبرين وجعل من محطة بغداد قاعدة عمليات يتم من خلالها مراقبة برامج التسلح الإيرانية والحدود السورية الشرقية والتغلغل أكثر في المناطق العراقية الكردية.
محللون سياسيون يحددون ثلاثة أهداف للوجود الأمني الاستخباراتي الإسرائيلي في العراق: الأول: إعادة تشغيل شبكة الموساد في العراق، والثاني اختراق خريطة الأحزاب السياسية، فيما الثالث يتمثل في دعم الجهود الاستخباراتية الأمريكية في البحث عن البرنامج السري العراقي للأسلحة والتحقيق مع العلماء العراقيين.
وتسربت معلومات عن أن وحدات أمنية إسرائيلية دخلت بغداد في اليوم الثاني لسقوطها، حيث تحركت تلك الوحدات من أربيل باتجاه كركوك، ثم استقرت في بغداد، وكانت برفقة قوات كردية تابعة لمسعود برزاني. وقالت المصادر الحزبية العراقية إن الوحدات الإسرائيلية التابعة للجنرال الإسرائيلي ديفيد مئير المعني بتطوير التعاون الأمني مع الأمريكيين في العراق، دخلت بغداد مرتدية ملابس مدنية وكانت تركب سيارات مدنية أيضاً مكتوباً على لوحاتها السليمانية وأربيل وبتنسيق كامل مع قنوات أمنية أمريكية.
في هذه الأثناء كشفت المصادر الصحافية أن الوحدات الأمنية الإسرائيلية في بغداد أرادت اكتشاف مخبأ أرشيف المخابرات العراقية لأسباب ترتبط بعمليات الموساد الإسرائيلي خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، وخاصة تلك المتعلقة بصلة المخابرات العراقية مع أجهزة الأمن الفلسطينية التي قادها صلاح خلف «أبو إياد» وخليل الوزير «أبو جهاد».
في هذه الأثناء، اتهم عراقيون أحزاباً متعددة بتلقي التمويل من إسرائيل، وقالوا: إن الكيان الصهيوني يريد اختراق الأحزاب. يُذكر هنا أن عدد الأحزاب والمنظمات التي نشأت أو أعلنت عن وجودها بعد الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق قد بلغ ١٥٠ ما بين حزب وحركة وجمعية ومنظمة وجماعة.
شراء منازل وتنفيذ مخططات
لم ينتظر الإسرائيليون كثيراً كي تستقر الأوضاع للأمريكيين في العراق، فكانوا أول من وصل إلى بغداد بعد سقوطها وانهيار نظام حزب البعث. فبعد نصف قرن تمكن اليهود من العودة إلى بلاد الرافدين، وهذه المرة بطريقة علنية ورسمية.
ففي الثاني والعشرين من يونيو الماضي، كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن ممثل الوكالة اليهودية جيف كي قام بزيارة رسمية إلى العراق استمرت خمسة أيام، وهو أول شخصية إسرائيلية رسمية تزور العراق بعد احتلاله من قبل القوات الأمريكية البريطانية. وذكرت الصحيفة أن الزيارة تمت بموافقة الإرهابي شارون، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، وأنها تمت بتنسيق كامل مع الإدارة الأمريكية. المسؤول الإسرائيلي قال لوسائل الإعلام إنه اجتمع مع اليهود الذين يسكنون في بغداد وعددهم يصل إلى ٢٤ شخصاً، معظمهم من المسنين، وأنه قام بتزويدهم بالمال لأنهم حسب ادعائه يعيشون في فقر مدقع، وقاموا بمرافقته إلى الكنيس اليهودي في بغداد.
في هذه الأثناء تواترت أنباء عن عودة يهود عراقيين إلى بغداد وانتشرت في العاصمة العراقية منشورات ومقالات صحافية وخطب الأئمة في المساجد تحذر من تغلغل اليهود في المجتمع العراقي، ومن محاولاتهم شراء مبان وبيوت حكومية وخاصة داخل العراق. وعززت هذه الأنباء ما ذكرته صحيفة معاريف الصهيونية التي أكدت أن عراقيين يعملون لصالح المخابرات الإسرائيلية يعتزمون شراء فندق فخم ليكون مقراً للموساد. وأوضحت أن الموساد يعمل على شراء أو استئجار فندق يكون قريباً من فندق بغداد الذي استأجرته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. ونقلت وكالة الأنباء الإسرائيلية عيتيم أن جهاز المخابرات الموساد يحاول استئجار أو شراء فندق زهرة الخليج القريب من فندق بغداد وسط العاصمة، وأبلغت أصحابه بأنها على استعداد لدفع أي مبلغ يطلبونه مقابل تأجيره أو بيعه.
وفي بغداد أكد أئمة المساجد بالإضافة إلى الصحافة العراقية الجديدة الناشئة في ظل الاحتلال أن اليهود يشترون منازل وأراضي في العراق. وقال شهود عيان إن عراقيين بعضهم قدموا من الخارج يقومون بشراء البيوت والأراضي السكنية بأسعار خيالية خاصة أن دوائر التسجيل العقاري معطلة، ولذلك تتم مثل هذه العمليات الشرائية خارج الإطار الرسمي وعلى أوراق غير رسمية تشير إلى بيع العقار للشخص الفلاني "المجهول الهوية"، عبر وسيط من دون طلب إخلاء ذلك العقار. وتتركز عمليات شراء البيوت والمباني في مناطق الكرادة الشرقية والصليخ والمنصور والمسبح وعرصات الهندية، وهي من الأحياء الراقية في بغداد. وذكرت مصادر إعلامية أن أكثر من خمسين يهودياً عراقياً وصلوا إلى بغداد قادمين من إسرائيل لأول مرة منذ عام ١٩٤٨م. وقال أحد العاملين في الفندق الذي نزلوا به إنهم كانوا من كبار السن ويصطحبون معهم أبناءهم الذين لا يجيدون التحدث بالعربية على عكس آبائهم. وقام هؤلاء اليهود بشراء عقارات في شارع فلسطين ببغداد بأضعاف أسعارها المعتادة.
ونقلت وكالة فرانس برس عن بعض الصحف العراقية الجديدة أنباء شراء اليهود للدور السكنية والمباني العامة في بغداد، فصحيفة «الدعوة» كتبت في مقال بعنوان "أسرار فندق في الكرادة"، أن فندقاً في وسط المدينة يستقبل مجموعة من الصهاينة بهدف شراء منازل أو قصور كانت ملكاً لضباط النظام السابق. وعنونت صحيفة اليوم الآخر عدداً لها بـ "اليهود يشترون كل شيء"، أما صحيفة الهلال فكتبت "اليهود جاؤوا ويشترون كما فعلوا في فلسطين"، من جانبها تساءلت صحيفة «الساعة» إن كان اليهود سيطالبون بالأملاك المصادرة منذ عام ١٩٥١م.
إذن تواتر الأنباء يؤكد أن الصهاينة تسللوا إلى بغداد في ظل حماية الاحتلال الأمريكي لهم وقاموا بعمليات شراء لمساكن ومبان مختلفة كأحد إجراءاتهم الاستخباراتية داخل المجتمع العراقي وينفذون مخططاتهم التخريبية وإثارة الفتنة والقلاقل في العراق.
------------------------------------
الهوامش
1 - مؤرخ إسرائيلي بارز ولد عام 1919م في مدينة كييف بأوكرانيا، ويعمل منذ عام 1965م أستاذاً للتاريخ اليهودي الحديث بالجامعة العبرية في القدس المحتلة. وله عدة مؤلفات من أبرزها «تاريخ اليهود في العصر الحديث».
2 - كتاب اليهود في البلدان الإسلامية، 1850-1950م.
3 - المصدر نفسه صـ 46.
4 - المصدر نفسه صـ 63.
5 - المصدر نفسه صـ 118.
6 - المصدر نفسه صـ 121.
7 - موقع إسلام أون لاين 16/8/2003م.
8 - جريدة السبيل الأردنية 25 مايو 2003م.
9 - جريدة القدس العربي اللندنية 21/6/2003م.
10 - جريدة الجزيرة السعودية 24/6/2003م.
11 - جريدة الشرق الأوسط اللندنية 14/6/2003م.
12 - الحياة اللندنية 23/6/2003م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل