; الموجة الإسلامية في فلسطين تقلب الموازين | مجلة المجتمع

العنوان الموجة الإسلامية في فلسطين تقلب الموازين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1980

مشاهدات 79

نشر في العدد 473

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 11-مارس-1980

تحقيق صحفي ميداني أجراه مراسل مجلة لو-نوفيل أوبسيرفاتير الفرنسية في إسرائيل من خلال لقاءات بينه وبين عدد من أبناء الأراضي المحتلة تختلف معتقداتهم ونظراتهم السياسية حول القضية الفلسطينية تبعًا لاختلاف مناصبهم وطبقاتهم الاجتماعية.

مراسل المجلة الفرنسية: الشباب الإسلاميون في فلسطين يركزون نشاطهم داخل المساجد:

منذ أربع أو خمس سنوات نجح الشباب الإسلاميون في فلسطين أن يبعدوا رجال الدين المسنين عن واجهة الأحداث، وركزوا نشاطهم القوي داخل المساجد، لنقد الفساد المنتشر في المجتمع، ففي غزة مثلًا بعث هؤلاء الشبان وفدًا لمناقشة صاحب دار للسينما، ودار بينه وبينهم الحوار الآتي:

- وفد الشباب: الأفلام التي تعرضونها تتنافى غالبًا مع أخلاقنا.

- رد صاحب السينما قائلًا: أوه لا، وكأنه يوافق على رأي الشباب.

- الوفد: إن شبابنا يكاد يفسد من تأثير هذه الأفلام، وقد بدأت بوادر الفساد تظهر عليهم.

- صاحب السينما يرد قائلًا: إن الظروف ليست كما ينبغي أن تكون...

- الوفد: يجب أن تعرض فقط الأفلام التي ترضى أن تشاهدها أسرتك، هل يرضيك أن تتصرف زوجتك كما تتصرف الممثلات والممثلون؟ وماذا يمكنك أن تفعل إذا قلدت بناتك هؤلاء في تصرفاتهم على الشاشة؟

- صاحب السينما: أنا ما عندي أي دعوى في ذلك لأن الأفلام تأتينا من القدس وأنا لا أختار منها شيئًا.

- هنا قال له وفد الشباب: وابنتك؟ وأسرتك؟ هل تفكر في مستقبلها جيدًا؟

وبعد الحوار بأسبوع احترقت دار السينما في غزة، مثلما احترقت دور للسينما في طهران أثناء الثورة الخمينية. وهكذا أحرقت الجماهير المسلمة وكرًا من أوكار الشيطان في غزة، ثم تدفقت نحو الخمارة التي في المدينة وأشعلت فيها النيران التي لم تترك إلا جدرانًا سوداء.

وبعد ذلك كله تجرأت هذه الجماهير على إشعال النيران في مكاتب الهلال الأحمر الفلسطينية لأنها ترى أن هذه المؤسسة تابعة لجهات مشبوهة في بيروت. وكانت الجماهير تردد أثناء عملياتها «يحيا الخميني» لنحارب إلى جانب إخواننا في أفغانستان ضد الغزاة السوفيات.

كان المتظاهرون الإسلاميون مطمئنين وهم يقومون بإحراق مباني الهلال الأحمر الفلسطينية في غزة، لإقناعهم بأنه حتى عرفات لا يستطيع أن يدينهم لأن مدير الهلال الأحمر الفلسطيني الدكتور عبد الشافي شيوعي وهو الذي رشحه ديان ليكون مفاوضًا عن الفلسطينيين «في المفاوضات الحكم الذاتي».

وعندما سألت الدكتور عبد الشافي «الكلام لمراسل المجلة الفرنسية» عن صحة كونه شيوعيًّا نفى ذلك واكتفى بالقول بأنه ليس إلا صديقًا متحمسًا للشيوعيين، فسألته قائلًا: «لكنكم أيدتم التدخل السوفياتي في أفغانستان!».

- فرد علي الدكتور قائلًا: «إن الاتحاد السوفياتي قام بتقديم دعم ضروري لنظام تقدمي كان مهددًا بالخطر من طرف القوى الرجعية.

- فقلت له ما دمتم على هذه الفكرة فلا أظن أن أحدًا سيؤيدكم في هذه المدينة إن لم يبتعدوا عنكم جميعًا.

فرد علي الدكتور: إن الشعب يؤيدنا، وإني لمقتنع أن الإسرائيليين لو قاموا بتفريق المتظاهرين لما تعرضت مبانينا ومكاتبنا للحرائق، إن الصهاينة يستغلون الإسلام لضرب المنظمة.

قلت للدكتور: أظن أن الصحوة الإسلامية الجديدة أينما وجدت في العالم فإنها تكون ضد الإمبريالية.

فرد علي الدكتور قائلًا: الإسلام لا يقف ضد الإمبريالية إلا في إيران...

فقلت للدكتور: لكن إيران رفضت التدخل الروسي في أفغانستان، والمتظاهرون الفلسطينيون كانوا يهتفون «يحيا الخميني» وهم يشعلون النار في مكاتبهم.

فقال الدكتور ردًّا على ذلك: هل تصدقون أنه كان في مكتبتنا عدد مصاحف القرآن وبعض الكتب الإسلامية، أحرقها هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم لفظ الإسلام!

رئيس المحكمة الشرعية في غزة: المسلمون جميعًا إخوة...

مراسل المجلة الفرنسية: وصلنا بعد ذلك إلى منزل الشيخ عوض رئيس المحكمة الشرعية ومدير المعهد الإسلامي، وهو إنسان لا يهمه عالم آخر غير العالم الذي يعيش فيه وهو عالم العمائم والمنارات، ويرى الشيخ أنه إذا تعرض أي فرد من المسلمين لهجوم خارجي يجب على المسلمين جميعًا أن يهموا لمساعدته، وهذا ما يقومون به نحو أفغانستان.

ولما قال ذلك سألته: هل يقصد بذلك النهب وإحداث الحرائق؟ فرد على الشيخ قائًلا: لا أؤيد ذلك: لأن الإنسان الذي يبني لا يرضى بالهدم.

في رأي الشيخ لا توجد جماعة في فلسطين تعرف بإخوان المسلمين، لأن المسلمين جميعًا إخوة، كما يرى أن منظمة التحرير الفلسطينية هي المتحدث الوحيد باسم الفلسطينيين ومن الملاحظ أن قوة الموجة الإسلامية قد تضاعفت في فلسطين بعد الغزو الروسي لأفغانستان وقد انتشرت هذه الموجة إلى جميع عرب فلسطين، فمنذ أربع أو خمس سنوات بدأت الفتيات الفلسطينيات يرتدين الزي الإسلامي كما بدأ الشباب يطلق اللحية أو يلبس الطاقية البيضاء تمامًا كما يحدث في مصر وقد شهدت السنوات الأخيرة مزيدًا في توزيع الأموال على أبواب المساجد من طرف الأئمة، لكن تلك الأموال لا تأتي من منظمة التحرير طبعًا، بل تأتي من جيوب الأمراء في السعودية والكويت.

ضربة عصا لشيخ عجوز تقلب الموازين:

منذ عهد ليس بالبعيد كانت لجان الدعوة الإسلامية والتوجيه في جميع المدن الفلسطينية لا تهتم إلا بالمطالبة بالالتزام بالزي الإسلامي والابتعاد عن الاختلاط بين الجنسين وعن المشروبات الروحية وعن آثار المعانقات الغرامية التي تعرض على الشاشات، لكن بعد نجاح ثورة الخميني تغير كل شيء هنا، فالشباب يعظمون قائد الثورة الخمينية إلى درجة الجنون، وتحولوا إلى قوة لا تقهر.

باتوا يقولون: كم كنا نسمع أن الصهيونية قوة لا تقهر، وأن تحرير فلسطين لا يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها، وهاكم عجوزًا أعزل يقهر الشاه في إيران مع ما أوتي من قوة عسكرية بضربة عصا فقط، إن مثل هذا التأثير لم يأت حتى الآن من دعاة الاشتراكية الذين شهدتهم هذه البلاد ولم تستفيد منهم بشيء يذكر.

ولقد تطرقت الموجة الإسلامية إلى جامعات فلسطين:

حتى الجامعات في فلسطين وصلت إليها هذه الموجة الإسلامية ففي جامعات غزة اضطر الطلاب الشيوعيون والقوميون والمسيحيون إلى إقامة تضامن فيما بينهم حتى يهزموا الطلبة الإسلاميين في الانتخابات الطلابية، أما في مدينة نابلس فالجبهة غير الإسلامية المتحدة انهزمت أمام الطلبة الإسلاميين في الانتخابات.

إن تسلسل الأحداث الأخيرة في فلسطين تذكر المرء بالتقارب الذي ساد بين إيران وفلسطين منذ أربعين عامًا كان الخميني نفسه صديقًا حميمًا لمفتي القدس الحاج أمين حسين الذي كان بمثابة ياسر عرفات في ذلك العهد، كما تذكر الأحداث بأن ياسر عرفات «الحالي» نفسه بدأ حياته السياسية على يد الإخوان المسلمين في مصر وقد أكد لي مؤرخ فلسطيني يعارض الشيوعية، أن هذه الحركات الإسلامية قامت في بادئ الأمر ضد الشيوعية في فلسطين، لأن أغلب الزعماء الفلسطينيين شيوعيون، لكن إذا سئلت: لم ذلك؟ سأرد بأن السبب في ذلك سياسي قبل كل شيء، فروسيا هي القوة العظمى الوحيدة في العالم التي تساند قضيتنا بدون تزعزع، وإن كنا نحن غير متحمسين في الأصل للروس فإن موقفهم منا يجبرنا على أن نتخذ نحوهم موقف المجاملة على الأقل، كما أنه على العكس من ذلك لا بد أن نكون حساسين جدًّا ضد الأمريكان الذين يقفون دائمًا مع أعدائنا، ولا بد أن نرفض كل شيء يأتينا من أمريكا وخاصة الآراء، لذلك عندما أراد البعض جلب المدنية إلى البلاد العربية على حساب التقاليد الإسلامية لم يكن أمامهم سوى الماركسية، وإذا أضفت إلى ذلك كله موقف اليسار الإسرائيلي من المشكلة الفلسطينية استطعت أن تعرف لماذا تفرقنا هنا إلى ماركسيين ومسلمين أو لا شيء.

ماذا سيحدث إذا تحركت الجماهير الفلسطينية تحت راية (الله أكبر)؟

وهنا يستطرد مراسل المجلة الفرنسية قائلًا لمحدثه الفلسطيني: لكن الشيء الذي يحدث الآن هو عكس ما ذكرتم تمامًا، إنها المواجهة ضد الماركسية...!

فرد عليه المؤرخ الفلسطيني: فعلًا، الذي يحدث الآن ليس سوى رد فعل لأمور سابقة، فمثلًا عندما أصبح المثقفون هنا قوميين أو ماركسيين أو أي شيء آخر فالشعب لم يتغير أبدًا، عملاق الشرق لم يتزعزع أبدًا، ومن جهة أخرى فإن مصر قضت عشرين سنة تهتف بالثورة الناصرية لكن ماذا نرى الآن بعد وفاة ناصر، إن مصر رجعت إلى ما قبل عهد الناصرية تمامًا، ولم يبق شيء من الناصرية يذكر إلا ما تعرض له بعض المثقفين من تعذيب في سجون ناصر.

والذي يحدث هنا الآن هو نفس الشيء فالشيوعية ستزول تمامًا ولن تبقى أبدًا في هذه البلاد.

وهنا سألت محدثي قائلًا: وأفغانستان؟

فرد علي قائلًا: إن العالم أجمع ضد السوفيات فعلًا، لكن منظمة التحرير الفلسطينية لا تستطيع أن تدين حليفها الوحيد في العالم، فإننا بإدانتنا للاتحاد السوفياتي الذي يساندنا، وتأييدنا لموقف الولايات المتحدة الأمريكية التي ما زالت تعترض على قيام دولة فلسطينية حتى الآن نكون قد أقدمنا فعلًا على الانتحار، فنحن أولًا نطالب بجلاء القوات الإسرائيلية من أراضينا.

فقلت لمحدثي: أرأيتم ما حدث لرئيس الهلال الأحمر الفلسطيني في غزة من جراء تأييده للسوفييت؟

فرد قائلًا: الذين يقفون ضد الشيوعية من المسلمين في فلسطين يريدون أن ينتهزوا المشكلة الأفغانية ليجدوا وزنًا أكبر داخل المنظمة التي- كما تعرفون- ليست حزبًا بل هي نواة لدولة.

مراسل المجلة الفرنسية: إن الموجة الإسلامية الجديدة أعادت الحياة إلى منظمة الإخوان المسلمين في جميع الأراضي المحتلة، كما أن هنالك حركة التحرير الإسلامية التي تدعو إلى وحدة إسلامية لا تعترف بالحدود الجغرافية، وكذلك منظمة حزب الله التي وإن كانت ضعيفة نوعًا ما فإنها غنية في نفس الوقت.

في بداية الأمر كان الإسرائيليون يتعاطفون مع الصحوة الإسلامية التي طرأت على الفلسطينيين لكنهم بدأوا ينظرون إليها بعين القلق والدهشة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل هذا هو: ما سيحدث عندما يصبح اليمين الإسلامي أكثر قوة من اليسار الفلسطيني؟ وإذا أصبحت الجماهير الفلسطينية تتحرك تحت صيحة «الله أكبر» في مسيرة صوفية خارقة، كما كان المتظاهرون يرددونها في غزة.

لقد رد مثقف مسيحي على هذا التساؤل حين قال:

«إن القدس غير طهران، وإن الموجة الإسلامية ليست إلا وسيلة لتوجيه سؤال لم يستطع أحد أن يرد عليه منذ القرن التاسع عشر، وهذا السؤال هو: كيف ندخل العالم المتحضر دون أن نغير شخصيتنا؟ أليس لكثرة تردد هذا السؤال نرى الشرق الآن يغير شخصيته حتى قبل أن يدخل في العالم المتحضر؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1199

102

الثلاثاء 14-مايو-1996

صحة الأسرة: (العدد: 1199)

نشر في العدد 1309

72

الثلاثاء 21-يوليو-1998

المجتمع الإسلامي (العدد 1309)

نشر في العدد 1675

59

السبت 29-أكتوبر-2005

رأى القارئ (1675)