; المنظمات الكنسية المسلحة (2) في جنوب السودان.. منظمات شعارها «الغاية تبرر الوسيلة». | مجلة المجتمع

العنوان المنظمات الكنسية المسلحة (2) في جنوب السودان.. منظمات شعارها «الغاية تبرر الوسيلة».

الكاتب بدر حسن شافعي

تاريخ النشر السبت 22-يناير-2005

مشاهدات 62

نشر في العدد 1636

نشر في الصفحة 42

السبت 22-يناير-2005

القس أرشيد كون: تنصير قبائل جنوب السودان السبيل للحفاظ على هذه المنطقة الإستراتيجية
جون جارانج المدعوم من الكنيسة قتل ١٠٠ ألف من معارضيه الجنوبيين
نيوزويك الأمريكية: الحرب في الجنوب صليبية، ومنظمات الإغاثة الغربية تجاوزت دورها الإنساني

بتوقيع اتفاقية السلام مؤخرًا بين الحكومة السودانية والمتمردين في جنوب السودان بقيادة جون جارانج، يسدل الستار على فاصل مهم من تاريخ المنظمات الكنسية المسلحة، في جنوب السودان، ولئن كان حديث السلام يطغى الآن على أي حديث آخر، فإن ذلك لن يلغي حقيقة الحركات الانفصالية المسلحة التي نشأت في جنوب السودان بدعم من الكنيسة العالمية، كما أنه لا يلغي تاريخها وجرائمها.. ولذلك تظل جديرة بتسليط الضوء في سياق حديثنا عن المنظمات الكنسية المسلحة.. ففي ذلك عبرة من الماضي وربما للمستقبل.. إذ لا ندري ماذا في جعبة الغرب والمنظمات الكنسية للسودان في مستقبل الأيام.
يعد السودان- أكبر بلد عربي إفريقي من ناحية، ولكونه ذا موقع إستراتيجي مهم، من ناحية ثانية يفصل بين الشمال العربي المسلم، والجنوب الإفريقي- محط أنظار الحركات الكنسية بصفة عامة، ومجلس الكنائس العالمي بصفة خاصة، إذ تهدف هذه الحركات إلى تحويل جنوب السودان -تحديدًا- إلى دويلة مسيحية يمكن فصلها وضمها بعد ذلك إلى دول الجوار الجنوبي في إطار ما يعرف ب «دولة التونسي النصرانية الكبرى» والتي تضم: أوغندا-جنوب السودان-أجزاء من رواندا-بوروندي-الكونغو الديمقراطية بزعامة الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني الذي يقدم نفسه باعتباره راعي الكنيسة في إفريقيا.
ولقد أكد هذه الأهمية الخاصة لجنوب السودان القس أرشيد كون شو منذ عام «۱۹۰۹م» حيث قال: «إن لم يتم تغيير هذه القبائل السوداء-أي الجنوبية والتي يدين معظمها بالديانات التقليدية- في السنوات القليلية القادمة، فإنهم سيصيرون محمديين-في إشارة إلى دخولهم في الإسلام- إذ إن هذه المنطقة إستراتيجية للتبشير، لأنها تمتد في شرق إفريقيا في منتصف الطريق بين القاهرة والكاب«جنوب إفريقيا»، لذا فإن الكنيسة في حاجة إلى مكان لها هنا لصد انتشار الإسلام»، ولقد تم الأخذ بهذه التوصية في المؤتمر التنصيري العالمي في أدنبره عام ۱۹۱۰م .
لذا لا غرابة في أن يقوم مجلس الكنائس العالمي-وكذلك المنظمات الكنسية الأخرى-بدعم كل القوى المتمردة في الجنوب-منذ ما قبل الاستقلال، بدءًا من تمرد حركة الأنانيا ووصولًا إلى الحركة الشعبية لجنوب السودان بزعامة جون جارانج، ولم يقتصر هذا الدعم على تقديم المساعدات الإنسانية فقط. وإنما يتم تقديم الدعم التسليحي أيضًا من خلال المال اللازم لشراء السلاح، كما لم يقتصر كذلك على حركات التمرد العسكري فحسب، وإنما امتد أيضًا إلى القوى السياسية الأخرى التي تطالب بانفصال الجنوب، أو منحه حكمًا ذاتيًا موسعًا-على أقل تقدير- مثل حزب سانو، ومن هنا فإن الحديث لن يقتصر فقط على حركة جارانج باعتبارها الحركة الأكثر بروزًا على الساحة في الآونة الأخيرة، وإنما سيمتد ليشمل الحديث عن حركة الأنانيا، كذلك باعتبارها أول حركة متمردة في الجنوب تطالب بما طالب به جارانج.

حركة الأنانيا والكنيسة
تعد هذه الحركة من أوائل الحركات المسلحة التي رفعت السلاح في وجه حكومة الخرطوم، مستغلة في ذلك طبيعة النشأة العسكرية للمنتمين إليها، إذ إنها تتكون من أعضاء الفرقة الجنوبية في القوات المسلحة السودانية التي كان مقر رئاستها في مدينة التوريت والتي كانت قد أعلنت تمردها على الحكومة عام ١٩٥٥م بسبب قانون السودانية، إلا أن النظام تمكن من القضاء عليها، فعادت لتنظيم نفسها أوائل الستينيات لمواجهة سياسة نظام عبود الذي عمل على دمج الجنوبيين ونشر الإسلام والعربية والقضاء على الحركات التنصيرية في الجنوب، فأعادت الحركة تنظيم نفسها عام ١٩٦٢م، وحددت مطلبها الأساسي في تكوين دولة فيدرالية في السودان يمنح فيها الجنوب حكمًا موسعًا، ثم عدلت عن ذلك بعدما قويت شوكتها وطالبت بانفصال الجنوب عن الشمال، ولقد كان للدعم الكنسي للحركة -فضلًا عن الدعم الصهيوني- دور مهم في تحولها من ميليشيات عسكرية غير منظمة تفتقد التدريب والتسليح الجيد، وتنتشر بشكل عشوائي في مدن الجنوب دون قيادة مركزية إلى ميليشيات منظمة ذات قدرات تدريبية وتسليحية عالية، أجبرت حكومة الخرطوم بعد ذلك على توقيع اتفاقية أديس أبابا معها عام ۱۹۷۲م، وهي أول اتفاقية تعطي الجنوبيين الحكم الذاتي في إطار السودان الموحد، ولم تخف الحركة هذا الدعم، فقد اعترف بعض قادتها مثل: جوزيف لاقو بأن الحركة كانت تتلقى الدعم من الكيان الصهيوني وبعض المنظمات الكنسية وأوغندا، وإلى نفس الأمر ذهبت بعض الكتابات المتخصصة التي اتهمت كلًا من الكنيسة الكاثوليكية، ومجلس الكنائس العالمي «الذي يضم الكنائس الأرثوذكسية والبروتستانتية التي لا تؤمن بسلطة بابا الفاتيكان الكاثوليكية» بدعم. ليس فقط حركة الأنانيا- خاصة في محافظة الاستوائية الجنوبية، وإنما قوى التمرد السابقة عليها، ومن ذلك قيام القس الجنوبي الكاثوليكي الأب ساترينو بالتنسيق بين رئاسة الكنيسة في جوبا وقائد أول تمرد عسكري في البلاد الملازم أوليفر ألبينو عام 1955م.
ولقد ازداد الدعم الكنسي للحركة منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث سعت إلى التحول من مجموعة ميليشيات مسلحة غير منظمة وتفتقد إلى قيادة مركزية، وقوات مسلحة منظمة ذات قيادة عليا، وقد تم ذلك تحت قيادة جوزيف لاقو الذي عمل على توطيد علاقاته بالكيان الصهيوني وأوغندا من أجل الحصول على السلاح من ناحية، وتدريب قواته في الداخل والخارج من ناحية ثانية، وكان من نتيجة ذلك توحيد الأنانيا مع جناحها السياسي المعروف باسم حركة تحرير جنوب السودان، وكان ذلك أحد أسباب توقيع الحكومة لاتفاقية أديس أبابا مع الحركة والتي كان مجلس الكنائس من بين القوى المشرفة على توقيعها، وأعقب ذلك اعتراف الحكومة السودانية بالفاتيكان وإقامة علاقات دبلوماسية معه.

دعم متواصل
لقد نشأت الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان بزعامة جون جارانج في يونيو عام ۱۹۸۳م، حيث كان جارانج قائدًا في الجيش الحكومي، وأمره الرئيس السوداني -آنذاك- جعفر نميري بالذهاب إلى الجنوب للقضاء على حركة التمرد هناك، والتي ظهرت بعد إلغائه اتفاقية أديس أبابا، ولكن بدلًا من أن يقوم جارائج بقمع التمرد انضم إليه، وقام بحمل السلاح في وجه الخرطوم، وتراوحت مطالبه بين المطالبة بانفصال الجنوب وبين حصول الجنوبيين على أقصى درجات الحكم الذاتي«نفس مطالب الأنانيا»، وأظهرت الحركة عداءها للعروبة والإسلام، وبالرغم من أن جارائج حاول في البداية إظهار«الطابع السياسي لحركته الطابع الماركسي تأثرًا بنظام منجستو في إثيوبيا»، إلا أنه لم يستطع إخفاء البعد الديني والذي برز منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث تحالف مع الكنائس والمنظمات التنصيرية، خاصة بعدما أعلنت الأخيرة دعمها له بل وتبنيها مطالبه في كل المحافل الدولية، ومن ذلك مطالبة مجلس الكنائس حكومة الخرطوم (۱۹۹۱م) بضرورة توزيع العوائد النفطية على كل الأقاليم، وهي النقطة التي دار حولها خلاف كبير بين الحركة والحكومة منذ مفاوضات نيفاشا عام ٢٠٠٢م، واضطرت الحكومة إلى القبول بتقسيم العوائد النفطية في اتفاق خاص بذلك تم توقيعه عام ٢٠٠٣م.
ويلاحظ أن جارانج لم يستخدم الآلة العسكرية ضد حكومة الخرطوم فحسب، وإنما استخدمها في مواجهة القوى الجنوبية المعارضة له خاصة تلك التي ترفض هيمنته وقبيلته -الدينكا- على الجنوب بالرغم من وجود قبائل أخرى أهمها النوير والشيلك، فحدثت حركات تمرد ضده، مما دفعه إلى استخدام الآلة العسكرية لسحقها خاصة أواخر التسعينيات، ولقد بلغ عدد الضحايا من جراء هذه المواجهات أكثر من مائة ألف، وهو عدد أكبر بكثير من ضحايا المواجهات بين الحركة والنظام السوداني منذ اندلاع الحرب بين الجانبين عام ١٩٨٣م.
ولقد كان للدعم الكنسي، فضلًا عن الدعم الصهيوني دور مهم في تفوق جارانج على معارضيه الجنوبيين بعد تصفيتهم وذويهم جسديًا، وارتكاب جرائم إنسانية غير مسبوقة وهو ما فعله أيضًا في مواجهته مع الجيش الحكومي ليثبت بذلك أنه حركة متطرفة حظيت بدعم كنسي -واضح- مكنها في النهاية من الانفراد بالجنوب والتفاوض مع الحكومة من موقف قوة، ولم ينكر جارانج ذلك الدعم، أو ذلك الهدف الديني، من تمرده حيث أكد في مقابلة مع مجلة نيوزويك 3/3/1996م أن الأجندة العربية والإسلامية في مقدمة الأسباب التي أطالت أمد الحرب مع الحكومة، كما أشار على هامش ندوة عقدت في معهد بروكنز ٦/٩/ ۱۹۸۹م تحت عنوان «الحرب الأهلية في السودان وآفاق الثورة». إلى أن هدف الحرب في الجنوب هو القضاء على الأقلية العربية -المسلمة طبعًا- المزيفة، ونفس الأمر أكدته مجلة نيوزويك في تقرير لها بعنوان جنود المسيح في جنوب السودان، نشرته في 10/4/2001م، حيث قالت فيه: إن الحرب في جنوب السودان حربًا صليبية. وذكرت أن منظمة واحدة فقط هي الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد وفرت ۱۷ مليون دولار لهذا الغرض، وأن من أكثر المنظمات نشاطًا في هذا الشأن، والتي تجاوزت مهامها الإنسانية فيما يتعلق بتقديم المعونة- برنامج المساعدة الشعبية الترويجي.
ويلاحظ في هذا الشأن أن المنظمات الكنسية لم تكتف بتقديم الدعم المالي الذي يستخدم -معظمه- في شراء الأسلحة فقط، وإنما قامت بتقديم الدعم السياسي أيضًا للحركة من خلال تأييدها مبادرة منظمة «إيجاد» التي تقضي بحق تقرير المصير والتي كانت الأساس الذي انبثقت عنه اتفاقية مشاكوس والاتفاقيات التالية لها، والتي ستعطي دعما أكبر لجارانج في تصفية معارضيه من ناحية، كما ستجعل الساحة الجنوبية مفتوحة لكل القوى التبشيرية لممارسة نشاطها دون أدنى تدخل حكومي من ناحية ثانية.

الرابط المختصر :