العنوان الدين أمام الزحف الحضاري المعاصر
الكاتب صلاح الدين بن أحمد الإدلبي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1975
مشاهدات 99
نشر في العدد 239
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 04-مارس-1975
الإنسان مدني بطبعه، فإقامة المدنيات والحضارات سمة إنسانية بارزة، وقد أقام الإنسان على وجه الأرض حضارات متعددة، سادت ثم بادت، ونحن اليوم نعيش في ظل حضارة كبرى، هي الحضارة الأوروبية- إن صح التعبير-، وذلك لأن منشأ هذه الحضارة وترعرعها كان في أوروبا، ومنها انتشرت إلى سائر أرجاء المعمور.
إن الحضارة الحديثة بما لها من زحف شامل كزحف الجيوش الجرارة استطاعت أن تبتلع كل ما سواها، وأن تطغى وتهيمن على شتى الجوانب والمرافق بما فيها الإنسان نفسه.
لقد رجع الإنسان إلى نفسه في ضوء معطيات هذه الحضارة الحديثة ليراجع نفسه كإنسان، وكفرد، وكجماعة، وليراجع أخلاقه وقيمه ومعتقداته، وبما أن هذه الحضارة الحديثة أوروبية النشأة فقد رجع الشخص الأوروبي– الذي ورث التدين بالمسيحية- لينظر إلى المسيحية وهي في اندحار وتقهقر أمام زحف الحضارة العلمي. إن للكنيسة تاريخًا سيئًا مع عامة الناس، وماضيًا أسود مع العلم والعلماء، ذلك أنها كانت في ظلام العصور الوسطى تستغل الشعوب، وتفرض عليهم الضرائب، وتستعملهم في خدمة الكنيسة وأراضيها- على كره منهم-، وتجندهم إجباريًا لخدمة مصالح الكنيسة ولتأديب وردع من تسول له نفسه الخروج عن طاعة الكنيسة من ملوك أوروبا، وكانت إلى جانب ذلك توقع أبشع أساليب التعذيب والتنكيل بالعلماء الذين تؤدي بهم بحوثهم إلى رأي مما يخالف رأي الكنيسة، فالذي يقول بكروية الأرض أو دورانها جزاؤه التعذيب والسجن أو القتل.
لم تستطع الكنيسة الصمود أمام المد الحضاري المادي وهي على ما هي عليه من ظلم وجبروت وطغيان وتعصب الباطل وجمود عليه، وكيف تستطيع الصمود أمام هذا الزحف المادي وهي قد زينت للناس الزهادة في الدنيا والماديات بالكلية، وأوحت لهم أن المادة رجس، ورغبت في ترك متع الدنيا ومتاعها وسكن الأديرة والترهب للرجال والنساء...
لا يستبعد بعد هذا- ولكل فعل ردة بنفس القوة وعكس الاتجاه- أن تنشأ في أوروبا دعوة ضد الدين، للخروج من سيطرة الكنيسة الروحانية اللاهوتية المتزمتة، وهذا هو الذي حصل فعلًا، وانتشرت مع سريان هذه الحضارة في الأرض روح العداء والكره بين الدين من جهة وبين الحضارة والعلم من جهة أخرى.
وسارت الحضارة المادية في عنفوانها، ووصلت قمتها وأوجها في القرن العشرين، فهل استطاعت أن تسير سيرًا حسنًا في ماديتها؟
لقد رأينا أن المجتمع المادي تسوده ظواهر غريبة، فالشباب الناشئ في ظلال الحضارة والمتمتع بأرغد عيشها وأنعم حللها وزخرفها ومباهجها بدأ يتخلى عنها ويفضل العيش بلا مجتمع، وبلا حضارة، وبلا نظام متمردًا على كل قانون وعرف ومفهوم حتى مفهوم النظافة، قانع بالعيش على ما قل وحضر مع التمتع بنغمات العزف وتدخين الحشيش والمخدرات ذكورًا وإناثًا، يسرحون في الغابات، أشبه ما يكونون بقطعان الماشية، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. (الفرقان: ٤٤).
الجريمة تنتشر وتتكاثر بسرعة متسارعة في ظل أنظمة الحضارة المادية، وعلماء القانون والاجتماع يحارون في تعليل ظاهرة ازدياد الجرائم بشكل كبير، ومتسارع بازدياد عامًا بعد عام، خاصة وأن المجرم يعتبر مريضًا ويعالج بطرق فنية من مرض الإجرام، ولكن كل ذلك لا ينفع في العلاج حتى مع حملات التثقيف والتوعية.
الانتحار في دول أرقى الدرجات في سلم الحضارة ظاهرة اجتماعية عجيبة وغريبة، بعد حب الدنيا والتفاني في سبيل كسبها وجمعها والاستكثار منها يتنكب الإنسان طريقها ويرمي بنفسه في مهاوي الموت.
لم تنجح «المادة» كما لم تنجح من قبلها «الكنيسة».
أي أن نظام الكنيسة بروحانيته اللاهوتية المتزمتة ونظام الحضارة الحديثة بماديته الجافة التي لا تروي غليل الروح فتترك الإنسان فريسة للفوضى والحيرة والارتباك والقلق..
إن كلا النظامين فاشل...
أما «الإسلام» بنظامه الرباني المحكم، المحفوظ من التحريف والتبديل والذي يجمع بين المادة والروح، ويحفظ التوازن بينهما حتى لا يطغى أحدهما على الآخر، فهو النظام الصامد، النظام الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه...
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. (القصص: ٧٧).
الرابط المختصر :