العنوان الملتقى التربوي (487)
الكاتب جاسم المسلم
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1980
مشاهدات 74
نشر في العدد 487
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-يوليو-1980
صفات لابد من توافرها في المربي
(۱) الإخلاص:-
يجب على المربي أن يخلص نيته لله في كل عمل صغر أم كبر، فالله تعالى أغنى الشريكين عن الشرك، فمن أشرك أحدًا مع الله تركه الله وشركة.
وإن العمل المقبول عند الله تعالى يجب أن تتوفر فيه شرطان هما الإخلاص لله تعالى، وموافقة الشرع، فإذا فقد العمل أحدهما فلا يقبل عند الله.
(۲) التقوى:-
وهي صفة الأنبياء والمرسلين والصالحين والعلماء والربانيين ومن نهج على نهجهم، وهي محلها القلب، ويصدقها العمل والجوارح، ولا غنى للمربي عنها وهو المسؤول عن تنميتها في تلاميذه، وأنى له ذلك إذا لم يرب نفسه أولًا عليها، ففاقد الشيء لا يعطيه، وتقوى الله منجاة من الزلل في الدنيا ومن العذاب في الآخرة.
(۳) العلم:-
وطلبه فريضة على كل مسلم، وأمر به الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وجعله أمرًا يستحوذ به الفرد على الدنيا ولآخرة حين قال «من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم».
وجعل الله أكثر الناس عبودية وخشية لله هم العلماء حين قال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)}(فاطر: 28)
والعلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، والعلم صنيع الحكمة { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)}(البقرة:269) و« الكلمةُ الحِكْمَةُ ضالَّةُ المؤمنِ ، فحَيْثُ وجدها فهو أَحَقُّ بها » (ضعيف الجامع الألباني:4302) ، فحرى بالمربي أن يتزود بالعلم، فيدعو على بصيرة ونور وأشرف العلم علم العقيدة ومعرفة الله، ثم القرآن فالسنة فالسيرة فالفقه ثم باقي العلوم الأخرى.
(٤) الحلم:-
والحلم صفة قل من يحويها، وهي صفة يهبها الله لمن يشاء من عباده، أو يربي الإنسان نفسه عليها، لقوله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس « قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِأَشَجِّ عبدِ القيسِ: (إنَّ فيك خُلَّتَينِ يُحِبُّهما اللهُ: الحِلْمَ والأَناةَ)، فقال: أخُلُقَينِ تَخلَّقتُ بهِما؟ أم خُلُقينِ جُبِلتُ علَيهِما؟ فقال: (بل خُلقَينِ جُبِلتَ عليهما) فقال: الحمدُ للهِ الَّذي جبَلَني على خُلقَينِ يُحِبُّهما اللهُ [ورسولُه]. رواه مسلم.(أبو داود:5225)
فالحلم كما يقال سيد الأخلاق، ولنا في رسول الله أسوة حسنة فمواقفه في الحلم كثيرة، ومواقف الصحابة والتابعين والعلماء والفقهاء أكثر من أن تحصى بالدفاتر في حلمهم على الناس على اختلافهم، فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له الأعرابي: اعدل یا محمد، ثم يعطيه من ماله الخاص حتى يرضى.
وهذا عمر بن عبد العزيز يدوس رجل أعرابي في المسجد فيصيح الأعرابي: أنت أعمى؟!! فيرد عليه بكلمة واحدة: كلا، فيقول الجندي: لقد شتمك يا أمير المؤمنين فيقول: بل سألني وأجبته.
لقد كان في قصصهم عبرة
من سور القرآن سورة هود، وهي من السور التي نزلت بجملتها في فترة هي من أحرج الفترات في تاريخ الدعوة بمكة سبقها موت أبي طالب وخديجة، وتجرأت فيه قريش على رسول الله وعلى دعوته، وبلغت الحرب المعلنة عليه وعلى دعوته أقسى وأقصى مداها، وتجمدت حركة الدعوة حتى ما يكاد يدخل الإسلام أحد من مكة وما حولها، وذلك قبيل أن يفتح الله على رسوله والقلة المسلمة معه ببيعة العقبة الأولى ثم الثانية، فكانت هذه السورة تثبيتًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه على الحق، وتسرية عنه مما يساور قلبه من الوحشة والضيق والغربة في المجتمع الجاهلي. عرضت صورًا من مواقف الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهم يتلقون الإعراض والتكذيب والسخرية والاستهزاء والتهديد والإيذاء بالصبر والثقة واليقين بما معهم الحق، وفي نصر الله الذي لا شك آت.
فما أحوجنا اليوم لهذا التثبيت ونحن نواجه انحرافات النفوس وأعباء الدعوة وسخرية الناس وجهلهم خلال هذا الطريق الشاق الطويل بهذه القصص التي تكشف لنا، ونقوم بكشفها نحن لإخواننا عن نهاية الطريق ورؤية معالمه ومراحله؛ حتى لا نستوحش ونعلم أننا أتباع ركب كريم، وليكون لنا بمن مضى أسوة وبذلك قال الإمام إبن القيم في مدارجه: «ويمر السالك إلى الله بمشهد الإسوة وهو مشهد شريف لطيف جدًا، فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له إسوة برسل الله وأنبيائه وأوليائه، وخاصته من خلقه فإنهم أشد الخلق امتحانًا بالناس، وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور، ويكفي تدبر قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم وشأن نبينا _صلى الله عليه وسلم_ وأذى أعدائه له بما لم يؤذ من قبله وقد قال ورقة بن نوفل: لتكذبن ولتخرجن ولتؤذين، وقال له: ما جاء أحدٌ بمثل ما جئت به إلا عودى. وهذا مستمر في ورثته كما كان في مورثهم صلى الله عليه وسلم، أفلا يرضى العبد أن يكون له إسوة بخيار خلق الله وخواص عباده إلا مثل فالأمثل».
وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «يوسف:111» لهذا نرى الإمام مالك يقول: «القصص جند من جنود الله يثبت بها قلوب أوليائه» ويقول سفيان بن عيينة :«عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة» وقال بعض السلف: «ومن ذلك أنهم جعلوا النظر جل اشتغالهم ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة قرآن وسماع الحديث وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة... ومن لم يطلع على أسرار سير السلف لم يمكنه سلوك طريقهم، وينبغي أن يعلم أن الطبع لص فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طبائعهم فصار مثلهم، فإذا نظر في سير القدماء زاحمهم وتأدب بأخلاقهم، وقد كان بعض السلف يقول: حديث يرق له قلبي أحب إلى من مائة قضية من قضايا شريح، وإنما قال هذا لأن رقة القلب مقصودة ولها أسباب».
فعليك أخي المربي أن تمزج حديثك مع إخوانك بما يرقق قلوبهم ويثبتها وينهضها للتشبه بأخلاق الرسل والسلف الصالح رضي الله عنهم، وتدير هذه الآية التي تحثك على ذلك ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ «هود:120».
«الاستئذان والاستشارة»
خير ما يحفظ الإنسان من الخطأ والزلل إتباع أسلوب «الوقاية خير من العلاج».. ومن الواقيات التي تعين الأخ على تلافي الخطأ هو كثرة استشارته واستئذانه من إخوانه العاملين أيًا كان وضعه في العمل... «فالناس أصناف رجل، ونصف رجل، ولا شيء... فالرجل من له رأي صائب ويشاور، ونصف رجل من له رأي صائب ولا يشاور، أو لا رأى له ويشاور، ولا شيء من لا رأى له ولا يشاور».
وهذا ليس بدعًا من الأمر وإنما هو منهج الصحابة رضوان الله عليهم أملاه عليهم قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عملًا بقوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ﴾ «آل عمران:159» ولا خذهم المشاورة وصف الله المؤمنين وامتدحهم فقال سبحانه :﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ «الشورى:38».
وليست الاستشارة والاستئذان مقتصرة على أمور العمل الإسلامي بل وحتى في الأمور الخاصة، فإن ذلك أدعى إلى استكمال السعادة... وطرد ما يعكر صفاء الإخوة لذلك قال قتادة «ما شاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم».
وها هو الصحابي يأتي إلى قائده عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليستأذنه في أمر خاص وهو أمر الطلاق، فكان من نتاج هذه الاستشارة أن بين له عمر القائد حقيقة قد غفل عنها هذا الرجل عندما قال له: «ويحك وهل كل البيوت تبنى على الحب، إن كرهت منها خلقًا أحببت منها خلقًا آخر» فرجع الرجل إلى زوجه فكانت السعادة، وانظر إلى المؤمنين كما تبين حالهم سورة النور في هذا الموضوع ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ «النور:62»..
نعم {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ}(الفرقان :62) والأمر الجامع، الأمر الهام الذي يقتضي اشتراك الدعاة فيه كالحرب مثلًا، فلا يذهب المؤمنون حتى يستأذنوا إمامهم فإن ذلك أدعى إلى حياة النظام والانضباط.
فاحرص أخي المربي على الاستشارة، وحث إخوانك على مثل هذا الأمر الدقيق... وبين لهم من واقع حياة الدعوة نتيجة عدم الإستشارة... وما تؤول إليه عملية التفرد في الرأي.
وحقق ما قاله إبن تيمية: «ما ندم من ستخار الخالق وشاور المخلوقين» وما قاله الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من قبله: «ما هلك امرؤ عن مشورة».
ثبات المؤمن
«لا يكن قلبك كالإسفنجة تتشرب كل شيء، وليكن قلبك كالزجاجة تدرك الأشياء بصفائها وترد الأشياء بصلابتها» ابن القيم الجوزية.
إن المؤمن صاحب الإيمان العميق الواعي، هو الذي يستطيع الثبات أمام المغريات الدنيوية والتيارات الفكرية ؛لأن إيمانه قائمٌ على العقيدة الصحيحة، وقد تشرب قلبه من أسس العقيدة الصحيحة ونما عليها. فتشربه ونموه هذا يجعله لا يقبل إلا ما يوافق شريعته وعقيدته ومبادئه فيستسيغه ويقبله، أما غير ذلك فيلفظه ويرفضه، فقلبه بذلك كالزجاجة يؤمن بالذي يوافق صفاء معتقده، ويرد ما يعارض صفاء معتقده بقوته وصلابته التي اجتناها من التربية العقدية الصحيحة، أما القلب المريض الذي سيطرت عليه الشبهات وستحكم وتغلغل فيه كل ما هو غير صالح، فتراه بعد ذلك ينمو نموًا ضعيفًا صفاؤه مشوب بالمبادئ والعقيدة المنحرفة؛ لذا تراه يقبل كل ما عرض عليه، فهو بذلك كالإسفنجة لا يستطيع رد ما يرد عليه لوهنه وضعفه.
ضرورة الصبر للمؤمنين
وإذا كان الصبر ضرورة للناس عامة فهو للمؤمنين ضرورة خاصة إن لم يكن صفة من صفاتهم الإيمانية؛ لذلك هم أشد الناس تعرضًا للأذى والابتلاء، وعلى قدر الإيمان يكون الابتلاء، فالأنبياء والرسل هم أكثر أهل الأرض ابتلاءً ثم أتباعهم ثم الذين يلونهم وصدق الله حين قال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ «العنكبوت:2-3».
ضرورة المحن لأهل الإيمان
- تطهير الصف المؤمن من أدعياء الإيمان من المنافقين والذين في قلوبهم مرض يقول تعالى: { مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ }(آل عمران:179)
۲- تربية المؤمنين وصقلهم عادتهم وتمحيص ما في قلوبهم يقول تعالى تعقيبا على معركة أحد :﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ «آل عمران:140-141»
٣- زيادة رصيدهم ومقامهم عند الله فهو يرفع درجاتهم ويضاعف حسناتهم ويكفر خطاياهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل