العنوان المجتمع التربوي (1162)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1995
مشاهدات 82
نشر في العدد 1162
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 15-أغسطس-1995
وقفة تربوية
الحوافز الإيمانية (2)
إننا وقبل أن نلجأ إلى شماعة التبريرات التي نعلق عليها ضعفنا عندما نفتضح بذكر نماذج من عبادة التابعين ونستبعد إمكانية بروز نماذج مثلهم بسبب عدم توفر الأجواء المساعدة، لا بد أن نكون في غاية الصراحة والصدق مع أنفسنا، عندما نسألها «هل نحن منظمون لأوقاتنا، أم أننا نعيش في فوضى لا حدود لها، ولذلك لا نجد الوقت لأي شيء، لا نجد وقتًا لدعوتنا ولا لأبنائنا، ولا لوالدينا ولا لعبادتنا، ولا لثقافتنا، ولا لأقربائنا، ولا حتى لأعمالنا الشخصية».
إننا أسرى لبعض الأوهام التي جعلنا منها مسلمات يصعب علينا التخلص منها، ومثال ذلك عدد الساعات التي يجب أن ننام فيها يوميًا، فلا أدري من أين جاءت تلك القناعة الزائفة بأن الجسم يحتاج إلى سبع ساعات نوم حتى يؤدي وظائفه كما ينبغي، بينما نسأل الأطباء عن ذلك، فيثبتون لنا خطأ هذه النظرية، وأن عدد ساعات النوم يعتمد على طبيعة كل إنسان على حدة، فالبعض يكفيه خمس ساعات، والبعض أربع، والبعض ثمانٍ، والبعض تسع، وهكذا، فكل إنسان يستطيع أن يكيف نفسه بعدد الساعات التي يحتاجها.
فلو أن شخصًا عود نفسه على أن يؤخر نفسه عن النوم نصف ساعة كل يوم يقوم خلالها ببعض الركعات لله، أو قراءة بعض كتب العلم، لحصل على كم كبير من العلم والإيمان، أو أنه عود نفسه على الوضوء قبل مغادرة المنزل والصلاة ركعتين في وقت الضحى، لنال من الإيمان الشيء العظيم، وهكذا في باقي الأمور نحتاج إلى تنظيم لأوقاتنا حتى نستطيع أن نعطي لكل ذي حق حقه، ثم إننا لا ننسى أن هذه النماذج الفذة لم تكن مقصورة على فترة التابعين، بل إنها تظهر في كل جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن البصير هو من يبصرهم.
أبو بلال
مفاهيم دعوية
الاستئذان والاستشارة
إن خير ما يحفظ الإنسان من الخطأ والزلل اتباع أسلوب «الوقاية خير من العلاج» ومن الوقايات التي تعين الأخ المسلم على تلافي الخطأ، هو كثرة استشارته واستئذانه من أخيه المربي أيًا كان وضعه في العمل، فالناس أصناف، رجل، ونصف رجل، ولا شيء.. فالرجل من له رأي صائب ويشاور، ونصف رجل من له رأي صائب ولا يشاور، أو لا رأي له ويشاور، ولا شيء من لا رأي له ولا يشاور، وهذا ليس بدعًا من الأمر وإنما هو منهج الصحابة -رضوان الله عليهم- أملاه عليهم قائدهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عملًا بقوله تعالی: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ﴾ (آل عمران: 159) ولأخذهم هذا المبدأ العظيم امتدحهم الله -عز وجل- فقال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38).
ولننظر جميعًا معشر الدعاة إلى الله إلى هذه الآية العظيمة التي بينت حال المؤمنين مع رسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم يقول الله -عز وجل- : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: 62).
يقول الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- «والأمر الجامع هو الأمر الهام الذي يقتضي اشتراك الجماعة فيه، لرأي أو حرب أو عمل من الأعمال العامة، فلا يذهب المؤمنون حتى يستأذنوا إمامهم، كي لا يصبح الأمر فوضى بلا وقار ولا نظام».
(في ظلال القرآن)
وفي قصة الصحابي الجليل الذي أتى إلى قائده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خير دليل على أهمية هذا الأمر، فقد جاءه الصحابي الجليل يستئذنه في أمر خاص ألا وهو الطلاق، فكان من نتائج هذه الاستشارة أن يبين له القائد حقيقة قد غفل عنها هذا الصحابي عندما قال له: «ويحك وهل كل البيوت تبنى على الحب إن كرهت منها خلقًا أحببت خلقًا آخر» فرجع الرجل إلى زوجته فكانت السعادة.
أخي في الله.. احرص على الاستشارة في أمورك كلها حتى تكون أعمالك موفقة وحقق ما قاله ابن تيمية -رحمة الله عليه- «ما ندم من استخار الخالق وشاور المخلوقين» وما قاله قتادة -رضي الله عنه- «ما شاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم» وما قاله الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه «ما هلك امروء عن مشورة».
خالد يوسف الشطي
آلام وآمال من شعب الإيمان «الحياء»
بقلم: جاسم المهلهل الياسين
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
والمراد من شعب الإيمان مظاهره في السلوك لا أركانه، لذلك أبان الرسول أن أعلاها وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأن أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأن الحياء شعبة من الإيمان، والحياء ظاهرة من السلوك النفسي نابعة من قاعدة الإيمان.
وحين يكون الإيمان صحيحًا صادقًا فلا بد أن تكون له آثار ومظاهر في السلوك من جميع الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية.. وغيرها على مقدار قوة الإيمان ورسوخه وهيمنته على الفكر والنفس، وهذه الآثار والمظاهر بمثابة فروع مشهودة في السلوك الإنساني لشجرة الإيمان المتغلغلة جذورها في القلب.
معنى الحياء
فالحياء ظاهرة تعبر عن الخوف من الظهور بمظاهر النقص، وتعبر عن ترفع النفس عنه، وحذرها من أن تظهر أمام الناس ببعض مظاهرها، من أجل هذا قرر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الحياء من الإيمان، وأنه خير كله فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «دعه فإن الحياء من الإيمان» وروى البخاري ومسلم عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، وفي رواية: «الحياء خير كله»، ومن المشاهد أن خلق الحياء يمنع صاحبه عن ارتكاب النقائص والقبائح والمنكرات، أما حينما ينعدم خلق الحياء، فإنه يهون على الإنسان أن يفعل من النقائص والقبائح والمنكرات ما يشاء، وإعلانًا عن هذه الحقيقة جاء في الحديث «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فأصنع ما شئت». (رواه البخاري)
فهذا هو واقع الناس اليوم.. نشاهد انعدام الحياء بينهم بحيث يجعل الإنسان وقحًا، وماجنًا يجاهر بقبائح فعاله دون أن يبالى أحدًا، ودون أن يكترث بما يقوله الناس فيه، وبما يعيبونه، ومن الوقاحة والمجانة أن يتحدث الإنسان بما فعل من القبائح التي سترها الله عليه، ولذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملًا بالليل ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه». (متفق عليه)
أما الحياء فيحجز صاحبه عن الفواحش، ويجعله يتستر بها إذا سقط في شيء من أوحالها، ويجعله بعيدًا عن فحش القول والبذاءة، والحياء يدفع المرء إلى التحلي بكل جميل محبوب، والتخلي عن كل قبيح مكروه.
أثر فقد الحياء
لكل ذلك حث الإسلام على التحلي بخلق الحياء، والبعد عن كل وقاحة ومجانة وفحش وبذاء.. عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الحياء والإيمان قرناء جميعًا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر»، وفي رواية ابن عباس فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر. (رواه البيهقي في شعب الإيمان)
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحياء من الإيمان والإيمان من الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار».
(رواه أحمد والترمذي)
وقال صالح بن عبدوس:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه * ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
حياؤك فاحفظه عليك فإنما * يدل على فعل الكريم حياؤه
وقال الناظم:
إذا لم تخش عاقبة الليالي * ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير * ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير * ويبقى العود ما بقي اللحاء
فذو الحياء الخلقي يمنعه حياؤه من العدوان على المخلوقات.. ذو الحياء لا تبدر منه بادرة بينها وبين الفضائل.. ذو الحياء لا يقدم على الزنا ولا على مغازلة النساء التي هي مفتاح الفسوق.. ذو الحياء لا يقدم على معاملة في الربا لعلمه أنه محارب الله ورسوله.. ذو الحياء لا يغش أخاه المؤمن لعلمه بتحريم الغش وأن من غشنا فليس منا.. ذو الحياء لا يعثو في لحوم الغوافل.. ذو الحياء لا ينقل كلام مؤمن إلى أخيه لقصد الإفساد بينهم.. ذو الحياء لا يعق والديه ولا يقطع ما أمر الله به أن يوصل، ولا يشهد بالزور، ولا يؤذ جيرانه.
ومن الأسف أن المجاهرة بالمعاصي قد فشت في زماننا بدون حياء من الله ولا من الناس، فلا شاب ينزجر، ولا شيخ يرعوي، ولا رجل تدركه الغيرة، ولا امرأة يغلب عليها الحياء فتتحفظ وتتستر، وهذا مؤذن بعقوبة والله أعلم، لأن الأمم تحيا حياة طيبة بالتمسك بالفضائل، وتعيش عيشة سعيدة باجتناب الرذائل، فإذا انتهكت المحارم، وغلبت الشهوات، وضاع الحياء، فماذا يرتجى بعد ذلك من عيش وراءه سخط الله وعقابه ومقته وعذابه؟!.
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وعقل المرء أحسن حليتيه * وزين المرء في الدنيا الحياء.
فن كسب القلوب عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
بقلم: شوقي محمود الأسطل
ما أعجب القلب البشري في سرعة تقلبه ودوام تبدله من الضد إلى الضد بقدرة وتقدير خالقه، وإلى هذا المعنى أشار طبيب القلوب محمد -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه البخاري «ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه».
إن التعامل مع القلوب والوصول إلى مغاليقها ندر من يحسنه، وقل من يتقنه، فهو من الحكمة التي يهبها الله لمن شاء من عباده، وقد أوتي أنبياء الله وعلى رأسهم نبينا -صلى الله عليه وسلم- قسطًا وافرًا منها جعلت من أعدائهم في كثير من الأحيان أتباعًا، ومن خصومهم أصدقاء وأحبابًا يبذلون كل مستطاع في سبيل نصرتهم والذب عن دعوتهم، وإن الناظر المتفحص في سيرة السراج المنير والنذير عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ليجده قد أتقن التعامل مع القلوب بعد أن فقه كنهها وخبر أحوالها ففتح الله به قلوبًا غلفًا، وأعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، فانتقلت من الظلمات إلى النور، ومن خندق البغض والعداء إلى خندق المحبة والولاء، وسخر أصحابها كل طاقاتهم نصرة لدعوته ودفاعًا عن شريعته، وأدعوك أخي المسلم لنتدبر سويًا بعض الأمثلة الحية من واقع سيرته -صلى الله عليه وسلم- تدلل على ما قلنا، وتبرهن على ما قررنا.
تعامله مع المتأثرين بالدعايات المضللة:
روى مسلم عن ابن عباس قال: «قدم ضماد مكة وهو رجل من أزد شنوءه فكان يرقي من هذه الرياح فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: أين هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي، فلقيت محمدًا، فقلت: إني أرقى من هذه الرياح وإن الله يشفي على يدي من شاء فهلم، فقال: إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له -ثلاث مرات- فقال والله لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات فهلم يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم: فقال له وعلى قومك، فقال: وعلى قومي».
إن الدعايات المضللة تكون في كثير من الأحيان من التفاهة، بحيث لا تحتاج إلى اجتهاد في نقضها، وبيان زيفها فيكتفي الداعية هنا بإظهار ما لديه من الحق ليدفع به الباطل فإذا هو زاهق بإذن الله كما فعل سيد الدعاة عليه الصلاة والسلام في هذه القصة، إذ لم يلجأ إلى الرد المباشر والهجوم الكاسح على افتراءات المشركين المتعلقة بشخصه، بل تجاهلها تمامًا وأظهر ما لديه من الحق وكان هذا كافيًا لكسب قلب رجل مضل خدع بدعايات أهل الباطل، ثم تغيرت قناعته بقدر الله، ثم بحكمة الداعية العظيم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
الإحسان إلى الخصوم وعدم فتح صفحات الماضي:
ورث عكرمة بن أبي جهل عداوة الإسلام عن أبيه، فقاتل المسلمين في كل موطن، وكان من قادة المقاومة للفتح في الخندق إذ تصدى للمسلمين في جمع من أهل مكة يوم فتحها، ثم فر إلى اليمن خوفًا من سيوف المسلمين، إذ كان من الذين أهدر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دمهم يوم فتح مكة.
وتجيء زوجه أم حكيم بعد أن أسلمت إلى رسول الله تطلب لزوجها الأمان فيقول عليه الصلاة والسلام: هو آمن، وتخرج في أثره لتعود به فيقول رسول الله لأصحابه «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت» صدقت يا سيدي فما كان السب والشتم يومًا طريقًا للإصلاح فقبيح الكلام هو سلاح اللئام كما يقول الإمام الباقر -رضي الله عنه- وقد جاء في الحكمة: «أوقد شمعة خير من أن تلعن لون العتمة».
وها هو عكرمة يقف بين يدي صاحب الخلق العظيم قائلًا: «أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله وأنت أبر الناس وأصدق الناس، وأوفى الناس، أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالًا في الصد عن سبيل الله إلا أبلیت ضعفه في سبيل الله».
إن لمسة حانية من نبي الرحمة قد نقلت ابن فرعون هذه الأمة إلى صف أولياء الرحمن، وجعلته يصرح بندمه على ما بدر منه، ويصمم على تدارك ما فاته من مواطن الخير ببذل الجهد المضاعف وتخير كل الإمكانات -التي سخرت يومًا للصد عن سبيل الله- من أجل إعلاء راية الحق وصدق -رضي الله عنه- فيما عاهد عليه حتى اختاره الله شهيدًا في موقعة اليرموك فكسبه الإسلام جنديًا من جنوده وكسب هو الشهادة وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).
بذل المال في كسب القلوب:
إن لكل قلب مفتاحًا، ولكل مفتاح فاتحًا، والموفق من وفقه الله، فبعض الناس قد يقادون من بطونهم في البدء قبل زوال الغشاوة عن قلوبهم وامتلائها بأنوار الهداية، وقد تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع هذا الصنف من الناس حتى كسب كثيرًا منهم، وكان من أولئك صفوان ابن أمية الذي فر يوم الفتح خوفًا بعد أن استنفد كل جهوده في الصد عن الإسلام والكيد لنبيه وهو من الذين تآمروا على حياة النبي يومًا بالاشتراك مع عمير بن وهب في القصة المشهورة.. ويبذل له النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمان فيجيء والرسول يصلي بالناس العصر فلما فرغ قال صفوان: يا محمد إن عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني للقدوم عليك، فإن رضيت أمرًا وإلا سيرتني شهرين، قال: انزل أبا وهب، قال: لا والله حتى تبين لي، قال: بل لك تسير أربعة أشهر، وقد استعار منه عليه الصلاة والسلام يوم حنين أدراعًا وخرج معه إلى حنين والطائف كافرًا.. وبعد انتهاء حصار الطائف وبينما رسول الله ينظر في الغنائم رأى صفوان يطيل النظر إلى وادٍ قد امتلأ نعمًا وشاه ورعاة فجعل عليه الصلاة والسلام يرمقه ثم قال: يعجبك هذا يا أبا وهب؟ قال: نعم، قال: هو لك وما فيه، فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
لقد استطاع سيد الدعاة ومن خلال هذه اللمسة التي صادفت مكانها أن يحرك هذا القلب فإذا بكل نوافذه تفتح أمام أنوار الحق وشمس الحقيقة.
الصبر على استفزازات الأعداء رجاء تحولهم إلى أصدقاء:
بعد الاتفاق على قواعد صلح الحديبية بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسهيل بن عمرو جاء عليّ ليكتب فأملى عليه النبي «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا بذلك، ثم أملى «هذا ما صالح عليه رسول الله»، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: إني رسول الله وإن كذبتموني، وأمر عليًّا أن يمحو لفظ رسول الله فأبى فمحاه -صلى الله عليه وسلم- بيده.
وأي حكيم كان عليه الصلاة والسلام في تصرفه هذا! إذ علم أن هناك مصلحة تفوق هذه الأمور المشكلية التي لا تغير من الواقع شيئًا فقبل ما أنف منه علي -رضي الله عنه- وغلّب العقل على العاطفة ولم يرض لنفسه أن يستخفه الذين لا يوقنون.
وعندما يغضب عمر ويتمنى لو تمكن من سهیل، يبشره -صلى الله عليه وسلم- بأنه سيشهد منه موقفًا يسره في يوم من الأيام، ويدور الزمن دورة وينتقل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى، ويسقط في أيدي المسلمين فيقوم أبو بكر في أهل المدينة مثبتًا، ولكن من لأهل مكة وقد خرج أميرها عتاب بن أسيد حزينًا إلى شعب من الشعاب، لقد كان سهيل بن عمرو، الذي وقف فيهم خطيبًا لتتحقق نبوءة الذي لا ينطق عن الهوى، روى صاحب صفة الصفوة عن قمادين: «لم يكن أحد من كبراء قريش الذين تأخر إسلامهم أكثر صلاة ولا صومًا ولا صدقة ولا أقبل على ما يعنيه من أمر الآخرة من سهيل بن عمرو، وحتى لقد شحب لونه وكان كثير البكاء رقيقًا عند قراءة القرآن» ويخرج -رضي الله عنه- مجاهدًا في سبيل الله ويختار الرباط في أرض الرباط «الشام» حتى يقضي نحبه في طاعون عمواس زمن عمر.
النافذة التربوية
دراستك .. دعوة
«يقول على بن أبي طالب -رضي الله عنه-: لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسنه» «الكفاءة الإدارية في السياسة الشرعية د. عبد الله قادري ص 24».
لقد كرم الله صاحب العلم المتقن لفنه ورفعه فوق الجاهل درجات إذا سخر العلم لصالح دينه وأمته، وذلك بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، بل تجاوز سبحانه بني البشر ليرفع الكلب وما شابهه من سباع الوحوش المعلمة على غيرها من بني جنسها فيقول جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (المائدة: 4).
إن تأثير الجاهل محدود إن لم يكن معدومًا، والناس في زماننا تقدر صاحب الشهادة على غيره، حيث يكون لكلامه تأثير في نفوسهم، ولقوله وزن عندهم، وما كان ذلك ليحصل لولا أهليته لذلك بما يحمل من علم وشهادة.
إياك أقصد أيها الداعية، يا أمل الأمة ونبراسها المضيء، أنت مدعو اليوم لتدير الدفة إلى بر الأمان، يجب عليك أن تحرص على طلب العلم بكل فنونه شرعية، وأدبية، وعلمية، وهندسية، وطبية،.. وغيرها من شتي العلوم والتخصصات، لأن البلد محتاج لك ولأمثالك من أصحاب المبادئ الربانية السامية الذين يحملون هم الأمة أينما كانوا، وحيثما حلوا.
وها هو الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب يقول للملك ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 55)، فلم يكتف بأن ذكر له بأنه أمين صاحب خلق وورع عن الأموال العامة فقال إنى على خلق وأمانة و«علم» بما سيسند إلي من مسئولية ومهمة، وفعلًا كان عند وعده فأتقن عمله، وأنقذ قومه من هلاك محقق.
أخي الداعية.. إن دراستك واجتهادك فيها دعوة إلى الله، فالناس ستتأثر بك ولا شك إذا رأتك من المتفوقين البارزين، فلماذا لا تعطيها اهتمامًا أكبر مما أنت عليه الآن، إن شهادتك هي التي ستحدد مستقبلك وكلما ارتقيت في درجتك العلمية عظم أثرك، واتسعت دائرتك.
إخوتي.. لقد سبقنا إلى ذلك بعض المنحرفين، فتصدروا ليوجهوا الناس إلى ما يريدون، فكان لهم ما أرادوا، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).
فانهض اليوم، وانفض عنك غبار الكسل، وتسلم دفة السفينة بما تحمل من علم حتى تقود المجتمع إلى شاطئ الإيمان والإسلام.
عبد اللطيف محمد الصريخ