العنوان المعارضة الروسية تشتد ضد الحملة العسكرية في الشيشان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000
مشاهدات 60
نشر في العدد 1385
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 25-يناير-2000
• أمهات الجنود: 3000 قتيل و 6000 جريح.. لماذا؟!
تواصلت في الأيام الماضية عمليات الهجوم الروسي الوحشي على الشيشان من جانب، وعمليات الكر والفر ونصب الكمائن من جانب المجاهدين الشيشان والتي أوقعت بالروس خسائر فادحة، كما تواصلت بالمقابل الحرب الإعلامية بين الجانبين، ففيما يزعم الروس تحقيق تقدم في بعض جبهات القتال، والقول إن قواتهم سيطرت على بعض ضواحي جروزني ووصلت إلى وسط المدينة، أكد المجاهدون من جانبهم كذب الكثير من ادعاءات الروس، وأن تحركات المجاهدين لا تخضع لضغط الروس بقدر ما تنشأ عن طبيعة المعركة التي يحددها المجاهدون أنفسهم.
ويبدون أن القوات الروسية قد دخلت فعلًا صراعًا طويلًا مع المجاهدين الشيشان، وأضحت هذه الحرب تنذر بعدم انتصار طرف على الآخر، طالما أن الطرفين أحدهما قوي بعتاده العسكري وهو الروسي، والآخر مجاهد عنيد بتصميمه وهو الشيشاني، الذي يصر على مواصلة القتال حتى النهاية.
وهكذا، فإن استمرار الحرب لوقت طويل أمر قائم وليس مستبعدًا، كما يقول أحد المراقبين، فالشيشانيون كما ظهر في الحرب الأولى بين عامي 1994 و1996م، والحرب الثانية التي بدأت منذ سبتمبر 1999 م والمستمرة حتى الآن، قد أظهروا إرادة للقتال حتى الموت، إذ لم يعد هناك أي وسيلة أخرى لديهم للدفاع عن أنفسهم.. وأن هذا الشعب أصبح موضوعًا الآن أمام الحائط وليس أمامه سوى أن يدافع عن نفسه ليبقى، وهي الإرادة التي يفتقدها الجيش الروسي في حال شعوره بالهزيمة.
ويقول المراقبون: إن الحرب التي بدأت سهلة تحولت إلى قتال شرس، لتذكر بحرب عام 1994م التي حقق الشيشانيون خلالها انتصارًا عسكريًا واضحًا، مما اضطر الجانب الروسي للموافقة على اتفاق بين الجانبين يمكن له أن يؤدي في نهاية المطاف إلى استقلال فعلي للشيشان عن روسيا.
وتقول مصادر صحفية غربية: إن الحرب في أوساط الشيشان حظيت حتى الآن بتأييد واسع في الرأي العام الروسي، بعد أن نجح الإعلام الرسمي في تصوير الشيشانيين كمجرمين وإرهابيين، ولكن هذا التأييد الكاسح بدأ بالتراجع مع تزايد عدد القتلى في صفوف القوات الروسية، وتشير دلائل قوية إلى وجود ما يشبه الانهيار في هذا التأييد في الآونة الأخيرة، ولا سيما مع تهافت الستار الذي كانت القيادة العسكرية الروسية قد نجحت في فرضه على ساحة المعركة في بداية الأمر، إلا أنه مع نجاح العديد من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية في اختراق هذا الستار ونقل الحقائق مصورة من ساحة المعركة مباشرة، قد يقلب الوضع رأسًا على عقب، ويعيد السيناريو المأساوي السابق عام 1994م.
ولا تستبعد هذه المصادر أن يعمد حلفاء بوتي في ظل ما يجري إلى تمويه التقارير حول سير المعارك وإعطاء صورة أقل مأساوية مما هي عليه مع اقتراب موعد الانتخابات. كما لا يخفي الخبراء الروس أن الدبلوماسية الروسية في مأزق حقيقي، وهي بسبب الحرب في الشيشان تفقد مواقعها على الصعيد الدولي، وبسبب هذا القلق لا ترى روسيا من مخرج إلا الانتهاء بأسرع وقت ممكن من الحرب في الشيشان. وعليه والتحقيق هذا الهدف نجد وزير الدفاع الروسي يصرح بأن القوات الروسية تستعد لاقتحام العاصمة الشيشانية جروزني قريبًا وفي غضون أيام، مشيرًا إلى إعداد فرق هجومية خاصة لهذا الغرض، مدربة على حرب المدن، وتعتبر نخبة الجيش الروسي، حسب تعبيره، ولكن لا يبدو أن هناك ما يدعم هذه التصريحات على أرض الواقع، وبانتظار لحظة هذا الاقتحام المتوقع تواصل القوات الفيدرالية قصفها الجوي والمدفعي العشوائي للعاصمة جروزني، وهو ما يوقع مئات الضحايا بين المدنيين العزل، كان حتى الأسبوع الماضي نحو 50 ألفًا منهم لا يزالون مختبئين داخل منازلهم خوفًا من ملاقاة حتفهم في حال محاولتهم الخروج من المدينة.
وتبدو الأسابيع القليلة القادمة وكأنها الأصعب في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية الروسية، إذ على الكرملين إذا أراد أن يصل بمرشحه فلاديمير بوتين إلى سدة الحكم تلافي أي هزائم عسكرية على الأرض في الشيشان، أو أي هزائم دبلوماسية على الساحة الخارجية، أما بعد الانتخابات فهو مستعد للتفاوض مع القادة الشيشان ومع العواصم الغربية لإيجاد حل لهذه الأزمة النازفة في الخاصرة الروسية الرخوة.
أمهات الجنود يكشفن الحقيقة
وقد اتهمت منظمة عائلات الجنود الروس في الشيشان موسكو بإخفاء العدد الحقيقي للخسائر الروسية في الهجوم ضد المقاتلين.
وتقول المنظمة التي تمثل أمهات الجنود الروس: إن خسائر القوات الروسية بلغت نحو ثلاثة آلاف قتيل وستة آلاف جريح.
وقالت فلانتينا ملنيكوفا، رئيسة لجنة أمهات الجنود الروس، إنه لم يتم حتى الآن كشف الأرقام الحقيقية للخسائر، موضحة أن معلومات استقتها من لجان إقليمية تفيد بأن العدد الحقيقي للقتلى أعلى بكثير مما كانت الأنباء قد تحدثت عنه مؤخرًا.
وتعترف سلطات موسكو بأن عدد القتلى في صفوف الجيش بلغ نحو خمسمائة شخص فقط، غير أن الأرقام الرسمية لا تتضمن عدد الجنود المفقودين أو أولئك الذين يموتون بعيدًا عن ميدان القتال.
بيان من المجاهدين
وقد أصدرت قيادة المجاهدين الأسبوع الماضي بيانًا جاء فيه:
تحاول القوات الروسية المعتدية السيطرة على كل الجبال والمناطق الحدودية بين جمهورية الشيشان وجورجيا، فقد قامت القوات الروسية بشق طريق من جهة جنوب أنجوشيا من وادي جرياغ، متجهة شرقًا إلى منطقة «شتيلا»، ومن داغستان تتجه غربًا إلى منطقة «أوتام قلي»، حتى تلتقي هذه القوات في شاتوي، وبالفعل بدأت فرقة سلاح المهندسين بشق الطريق تحرسها فرقة عسكرية من المشاة حتى يصل الطريق إلى شاتوي.
وبهذا تريد القوات الروسية السيطرة على قمم الجبال والمناطق الحدودية لتبقى الشيشان قضية داخلية، ولا يكون لها حدود مع أي دولة أخرى أو اتصال بالخارج، وقد رأينا أن القوات الروسية عندما وجدت مقاومة عبر الممر الوعر في قرية شهراقون، زحفت إلى الغرب، متجهة إلى منطقة «أوتام قلي» الجبلية لتهيئة مواقع في تلك المناطق لخوض معارك في فصل الصيف القادم، مع العلم أن الحالة النفسية والمعيشية للقوات الروسية سيئة للغاية فهم يواجهون البرد الشديد على تلك القمم وندرة وصول المؤن الغذائية إليهم، فهم بين الجوع والخوف والبرد، ونسأل الله جلت قدرته أن يزيدهم شتاتًا وتمزقًا.
نحن نقول إن الروس بهذا العمل يحفرون قبورهم في هذه المناطق الجبلية وستنتهي أسطورة الجيش الروسي في هذه المناطق، حيث إن المجاهدين يعدون العدة لقتال طويل الأجل في هذه الجبال الوعرة، ويحتاج هذا القتال إلى استعدادات من نوع خاص وقد بدأ المجاهدون بهذا الإعداد فعلًا وسوف يفاجئون الروس - إن شاء الله- بضربة قاضية على قمم وأودية تلك الجبال كما فعلوا بهم في داخل المدن التي تحصنوا بها.
بعد اجتماع بوتين الفاشل بجنرالات الحرب الروس واعتماد خطة الزحف على مواقع المجاهدين الجبلية، فوجئ الجنرالات بترتيبات المجاهدين التي أذهلتهم في تلك المناطق، حيث وجدنا مع أحد قادتهم والذي تم قتله في معارك الأسبوع الماضي خرائط عسكرية لمواقع المجاهدين تم التأشير عليها باللون الأحمر لتكون أهدافًا لحملتهم العسكرية الجديدة، ونحمد الله تعالى أن مكننا من التصدي للمجموعتين اللتين أرسلتا لهذه المهمة والقضاء عليهما تمامًا، فالمجموعة الأولى التي كان يقودها ضابط برتبة رائد وتسمى فرقة «الديسانت الخاصة» والمجموعة الثانية وهي من القوات الخاصة والقناصة والذين كانوا يحاولون السيطرة على القمم وكان يقودها ضابط برتبة عالية.
من يمول حرب الشيشان؟
بعد مرور أربعة أشهر على الحرب الروسية في الشيشان بتكلفتها العالية ماديًا وبشريًا، كان لا بد أن يثور التساؤل: كيف تمول روسيا المثقلة بالديون حربًا تكلفت في الأشهر الثلاثة الماضية 50 بليون روبل روسي أي ما يوازي بليوني دولار؟
يقول تشارلز هيمان محرر الشؤون العسكرية في هيئة الإذاعة البريطانية: إنه من المحتمل أن يكون الروس لا يزالون يستخدمون الخزين الضخم من المعدات العسكرية التي تراكمت في فترة الحرب الباردة.
ويضيف: أن تكلفة المعدات العسكرية المستخدمة تبلغ نحو 50 مليون دولار يوميًا، ولكن من حسن حظ الروس أن الجزء الأكبر من هذه التكلفة قد تم دفعه أيام الاتحاد السوفييتي السابق، أما المحلل العسكري الروسي بافيل فيلجينجور فيرى أن التكلفة الرئيسة بالنسبة للقوات الروسية تتمثل في الوقود والانتقالات، ونفقات تكريس الوضع القائم في المناطق المحتلة، وهذه كلها أمور مستجدة، وبالإضافة إلى تلك النفقات، فهناك عنصر لا يمكن تجاهله، وهو اضطرار الحكومة الروسية إلى دفع الرواتب المستحقة لأفراد الجيش.
يرى تشارلز هيمان أن الغرب يسهم في دفع الفاتورة ويفسر ذلك قائلًا: إن قدرًا ضخمًا من المال يدفعه الغرب نقدًا إلى روسيا في صورة قروض ومنح، وقد تسلمت روسيًا مؤخرًا قرضًا من البنك الدولي قيمته مليون دولار لغرض تحديث قطاع الفحم، وهناك دفعة مالية تسلمتها روسيا من صندوق النقد الدولي في شهر يوليو الماضي وبلغت قيمتها 640 مليون دولار.
ويرى المحلل الروسي بافيل فيلجينجور أن مصدر الفائض في الميزانية الروسية هو الارتفاع الحاد في سعر البترول، والمعروف أن الدول الغربية لا تبدي حماسًا كبيرًا لوقف ارتفاع أسعار البترول عالميًا، بل يشير البعض إلى أن عرقلة اتفاق النفط مقابل الغذاء الخاص بالعراق لأسباب غير مبررة كان أحد أسباب ارتفاع أسعار النفط والتي استفادت منها روسيا لتمويل حملتها في الشيشان، كما أن التضخم قد ساعد على تحصيل قدر أكبر من الضرائب مما كان متوقعًا في ميزانية عام 1999م.
وتؤكد وزارة الضرائب الروسية أن عوائد الضرائب في شهر ديسمبر الماضي كانت أكثر من ضعفي ما كان متوقعًا في الميزانية، مما ساهم بصورة محدودة في نفقات الحرب.
على أي حال فإن بافيل فيلجينجور يعتبر أن الحقيقة ستظهر عندما ترتفع تكاليف الحرب بشكل
مفاجئ.
أما الرئيس الروسي بالوكالة فلاديمير بوتين فيرى «أن الحرب ضد الشيشان أقل تكلفة من عدمها، وهو يزعم أن الشيشان هي الفجوة السوداء التي طالما اختفت فيها الأموال الروسية أو تسربت إلى الخارج، وأن الحرب ستكلفنا أقل من تلك الفجوة التي تستنزفنا».
ومعلوم أن تطور الأحداث في الشيشان، كما يقول المحللون، يهدد السيناريو الهش القائم حاليًا والقائل إن بوتين سيفوز في الانتخابات الروسية في مارس القادم على خلفية حرب هو بطلها، فالهجوم على جروزني، والذي بدأ في الخامس والعشرين من ديسمبر الماضي، ترك مضاعفات سيئة على الروس.
بعد الاعتراف: طالبان تدعو لدعم الشيشان
طالب وزير الخارجية الأفغاني العالم، والعالم الإسلامي على وجه الخصوص، بأن يعترف بحكومة الشيشان والوقوف معها ضد العدوان الروسي، وصرح بذلك وزير خارجية أفغانستان مولوي وكيل أحمد متوكل.
وعن المساعدات العسكرية للقوات الشيشانية قال متوكل: إن مساعدة أهل الشيشان فريضة شرعية يجب على المسلمين أن ينهضوا للقيام بها، لكن ظروف أفغانستان لا تسمح بذلك، وأشار وكيل أحمد متعجبًا إلى أن الروس يستعملون مصطلح «الإرهاب» بوقاحة مخزية لوصف مجاهدي الشيشان الذين يخوضون حرب حريتهم.
وأضاف وكيل أحمد أن حكومة أفغانستان قد ناقشت مع الوفد الشيشاني العلاقات الدبلوماسية ومسائل التعاون الثقافي بين البلدين.