العنوان المسلمون في "تركستان الشرقية"
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1985
مشاهدات 93
نشر في العدد 701
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 22-يناير-1985
المخططات الرامية للقضاء على الإسلام والمسلمين تنفذ في كل مكان من أرض الإسلام وهي تتخذ شكلًا تذويبيًا احتوائيًا في البلاد التي يشكل فيها المسلمون أقلية بالنسبة لباقي السكان وهو ما يحصل اليوم في كثير من بلدان "آسيا وأفريقيا" التي يسيطر عليها الشيوعيون أو الصليبيون وإذا كنا قد سلطنا الضوء في أعداد سابقة على بعض هذه المأسي الدامية التي تعيشها الأقليات المسلمة إلا أن قضية مسلمي "تركستان الشرقية" لا تزال منسية أو غامضة في أذهان كثير من المسلمين فما جوهر هذه القضية؟!
تآمر روسي صيني
"تركستان" كلمة تركية ومعناها أرض الأتراك وتقع وسط "قارة آسيا" بين مجموعة من الدول «باكستان والهند، وأفغانستان، وروسيا، والصين، ومنغوليا» وكان الإسلام قد دخل "تركستان" في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ٨٦هـ / ۷۰۰م. ونظرًا لموقع "تركستان" الاستراتيجي وغناها بالثروات المعدنية قامت "الصين وروسيا" بالتآمر على شعب "تركستان" المسلم وقسَّمته إلى قسمين قسم يعيش في "تركستان الغربية" وهو اليوم تحت الاحتلال الروسي وقسم يعيش في "تركستان الشرقية" وهو اليوم يعاني من نيران الاحتلال الصيني الشيوعي، وتبلغ مساحة "تركستان الشرقية" وحدها حوالي ميليوني كم في حين يبلغ عدد سكانها المسلمين ١٥ مليون نسمة.
متى بدأت القضية؟
قامت الصين باحتلال "تركستان الشرقية" عام ١٧٦٠م بعد أن قتلت أكثر من مليون مسلم ومنذ ذلك التاريخ والصين تتبع سياسة تصيين "تركستان الشرقية"، باستقدام مهاجرين صينيين بأعدادٍ ضخمةٍ في عملية احتلال استيطاني واسعة بهدف التقليل من عدد أهل البلاد المسلمين، لكن عملية الاستعمار الاستيطاني الصيني قوبلت من أهل البلاد المسلمين بمقاومة عنيفة أدَّت إلى استقلال البلاد عام ١٨٦٥م ولمدة عشر سنوات فقط وفي عام ۱۹۳۳ تمكن مسلمو "تركستان الشرقية" من طرد المستعمر وإعلان الجمهورية الإسلامية فما كان من روسيا إلا أن قامت هي باحتلال "تركستان الشرقية" أيضًا وإسقاط الجمهورية الوليدة.
وخلال الحرب العالمية الثانية تمكن المجاهد "علي خان" عام ١٩٤٤م من تحرير "تركستان الشرقية" مستغلًا انشغال "روسيا" في طرد الألمان من أراضيها لكنَّ "روسيا والصين" تعاونا على إحباط هذا الاستقلال واختطاف علي خان وإرغام المسلمين على الاعتراف بالسيادة الصينية مقابل نوع من الحكم الذاتي.
وفي عام ١٩٤٩ وبعد استيلاء الشيوعيين على الحكم في "الصين" اجتاحت القوات الشيوعية "تركستان الشرقية" واحتلَّتها.
عملية التذويب
يفتخر الصينيون أنهم لا يذوبون في أي جنس قَط بل إنهم يذيبون الأجناس الأخرى.. هذا الاعتقاد عرَّف الصينيين أن الإسلام هو أكبر حائل يقف أمامهم في البلاد فبدأوا في آنٍ واحد عملية سحق وتذويب للشعب التركستاني وكانت الوسائل التي اتبعوها في عملية السحق الجماعي للفرد المسلم كثيرة ومتنوعة يكفي أن تذكر بعضًا منها ليعرف المسلمون أولًا والعالم أجمع همجية الشيوعية وبربريتها فقد قاموا بإجبار المسلم التركي على السير حافي القدمين على جمرات فحم مشتعلة وغرسوا المسامير في أظافره وسكبوا الزيت المغلي على جسمه وعلَّقوا المسلم وهو عارٍ داخل كيس مبلل على الأشجار وأدخلوه وهو عارٍ في ثلاجات مملوءة بالثلج أيام الشتاء.
هذا من جانب ومن جانب آخر أراد الصينيون أن يزيلوا فكرة الإسلام من النفوس فأعدُّوا كتبًا إلحادية وجعلوا تعليمها إجباريًّا في مدارس "تركستان الشرقية" ونظَّموا المعارض الإلحادية وطافوا بها في أرجاء "تركستان الشرقية" وقاموا بمصادرة كل الكتب الإسلامية وأتلفوها وأغلقوا المدارس الدينية والمساجد وحوَّلوها إلى نوادٍ و دور للسينما وثكنات للجيش وأجبروا الأتراك المسلمين على تربية الخنازير، والفتيات المسلمات على التزوج من صينيين.
عودة التنافس الروسي- الصيني
هذا وعلى الرغم من أن "روسيا" هي التي مكَّنت "للصين" تثبيت أقدامها في "تركستان الشرقية" إلا أنَّ "روسيا" بدأت في السنين الأخيرة تغییر سیاستها هذه بعد أن بدأت "الصين" بإنتاج صواريخ نووية في المركز الذري القائم في "تركستان الشرقية" في أعقاب اكتشاف كميات هائلة من اليورانيوم تقدر بـ اثني عشر بليون طن، إضافة إلى وجود احتياطي هائل من البترول يقدَّر بـ ١٦٠ مليون طن ورصيد من الفحم يقدَّر بـ ٦٠٠ مليون طن.
لذلك تستعد "الصين الشيوعية" لحرب ساخنة وحتى نووية مع "روسيا السوفيتية"، فكلٌّ منهما طامعة في الأخرى، فالصين تطمع في "تركستان الغربية" التي يحتلُّها الروس، و"روسيا السوفيتية" تطمع في "تركستان الشرقية" التي تحكمها "الصين"، وكل من هاتين الدولتين الشيوعيتين تصف الأخرى بالأمبريالية والاستعمار واحتلال الشعوب واستغلالهم وتُحرِّض شعوب مستعمراتها على الثورة عليها وتعدهم بالدعم والمساعدة، ووعودٍ أخرى معسولة ومعطوفة إلى المستقبل، وإن وقعت حرب بين "الصين الشيوعية" و"روسيا" في المستقبل فلا بدَّ أن تكون "تركستان الشرقية" إحدى المسائل الرئيسية المؤدِّية إليها و"تركستان الغربية" أخراها.
إجراءات متبادلة
إنَّ "الصين الشيوعية" التي تُولِي اهتمامًا كبيرًا "لتركستان الشرقية" قامت باتخاذ بعض التدابير الإدارية الاقتصادية من أجل إبعاد الغول الروسي عن "تركستان الشرقية" فألغت اتفاقيات الاستثمارات المشتركة في مجال الثروات الطبيعية الغنية "لتركستان الشرقية" وأُغلقت القنصليات الروسية في "تركستان الشرقية" وطردت المهاجرين القادمين من "تركستان الغربية"، ومناطق أخرى من "الاتحاد السوفيتي" وقامت بسحب الأتراك المسلمين المحليين في مناطق الحدود مع "الاتحاد السوفيتي" وتهجير وتوطين الصينيين بها بُغيةَ قطع كل علاقة واتصال لشعب "تركستان الشرقية" "بالاتحاد السوفيتي".
من جانب آخر قام الروس باتخاذ إجراءات مضادة من بينها أنه بدأ ينهج منهج التسامح واللين نحو مسلمي "تركستان الغربية" تكذيبًا للادعاءات والدعايات الصينية مع اتخاذ تدابير عسكرية مختلفة على طول حدوده مع "الصين الشيوعية"، كما قدَّم الروس تسهيلات للاجئين التركستانيين الشرقيين في "تركستان الغربية" لاستخدامهم كمصدر إزعاج دائم ضد "الصين الشيوعية" في الوقت المناسب.
انتفاضات مستمرة
وبين وحشية الصينيين وبربرية الروس يقف الشعب التركستاني المسلم بكل فئاته شامخ الرأس معارضًا لكل ما من شأنه طمس هويته الإسلامية التي يعتز بها مهما كلَّفه الثمن وقد قام بالفعل بثوراتٍ عديدةٍ ذهب ضحيتها لآلاف من الشهداء سنويًا بينما تعمل "الصين" على إخفاء أنباء هذه الثورات عن الرأي العام العالمي، إن الشعب التركستاني المسلم لم يتراجع عن جهاده منذ ستٍّ وثلاثين عامًا، وقد قدَّم أكثر من مليون شهيد، ففي عام ١٩٦٦ م تجمع المسلمون في يوم عيد الأضحى المبارك لتأدية الصلاة في الجامع الكبير في مدينة "كاشفر" فاعترضتهم قوات الاحتلال الصيني الشيوعية وحدث الصدام الدموي واستشهد في تلك الثورة أكثر من خمس وسبعين ألف شهيد.
واجب المساندة
يتضح من ذلك كله أنَّ قضية "تركستان الشرقية" ليست قضية محلية لا تهم إلا التركستانيين الشرقيين وحدهم بل هي قضية إسلامية يجب أن تلقى كل دعم وتأييد من جانب المسلمين أينما كانوا انطلاقًا من قوله - صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يَشُدُّ بعضه بعضًا»، كما أنَّ على جميع الحكومات والهيئات والمؤسسات الإسلامية أن تبادر للوقوف إلى جانب مسلمي "تركستان" في جهادهم وكفاحهم العادل من أجل تحرير أرضهم والحفاظ على عقيدتهم.