العنوان المرجعية الإسلامية.. معناها وضرورتها
الكاتب محمود غزلان
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2011
مشاهدات 67
نشر في العدد 1953
نشر في الصفحة 42
السبت 21-مايو-2011
المرجعية الإسلامية العليا تكون للقرآن والسنة.. ثم بعد ذلك تكون للاجتهاد القائم عليهما
● حقيقة وجوب المرجعية الإسلامية للمسلمين في كل أمورهم نجدها متواترة في آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة وإجماع الصحابة
● المجتمع المسلم يتفق مع المجتمعات العلمانية في مجال المرجعية المادية.. أما جانب الاعتقاد والقيم المعنوية والنظم والقوانين فيستمدها من هداية السماء
● المرجعية ضرورة بشرية على المستوى الفردي والجماعي.. فكل إنسان له مرجعيته الخاصة المستمدة من عقيدته وقيمه وثقافته
(*) عضو مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين
إن الله عز وجل خلق الإنسان وأمده بكل أسباب الحياة الدنيا ومقوماتها : ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾ (الجاثية : ١٣) وأمده بأسباب الهداية والنور فأرسل له رسله وأنزل عليهم كتبه ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾ ( البقرة : ۲۱۳)، ووعدهم بالحياة السعيدة الطيبة في الدنيا ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾ (طه)، وبالفوز والسعادة في الآخرة إن استجابوا لهدايته﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾ (البقرة).
ونظرا لأن الحياة فترة ابتلاء من الله لعباده ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ (الملك :٢)، فإن الله سبحانه ترك الناس أحرارا مختارين فيما يعتقدون وفيما يقولون وفيما يفعلون، وكانت النتيجة أن منهم من أعجبه عقله وتفكيره أو أعجبه عقل غيره فاتبعه وترتب على ذلك الاختلال الشديد فيما بينهم، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم في أكثر من موضع فقال تعالى : ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) ﴾ (يونس)، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾. (هود).
● فكرة المرجعية
ولما كان الإنسان مدنيا بطبعه - كما يقول علماء الاجتماع - أي لابد أن يعيش في جماعة نشأت الحاجة إلى حسم الخلافات بين الأفراد حتى يستطيع المجتمع أن يعيش في سلام، ومن ثم نشأت فكرة المرجعية وكان الأمر سهلا في عالم الماديات فابتدعوا مقاييس مرجعية يرجعون إليها في تعاملاتهم المادية حتى لا ينشب خلاف مع كل تبادل وكل تعامل فابتدعوا القدح والكيلة والأردب في عالم المكيلات والرطل والكيلوجرام والطن في عالم الموزونات والسنتيمتر والمتر والكيلومتر في عالم الأطوال، وكذلك مقاييس أخرى في عالم المساحات والحجوم والكثافات والحرارة وما إليها، وكذلك قسموا الزمن إلى الثانية والدقيقة والساعة، ثم ابتدعوا القيمة في عالم التبادل؛ فابتدعوا النقود في مجال الأثمان. وأصبحت التجربة والمشاهدة والاستنتاج هي الفيصل في مجال العلوم المادية وتقرير القوانين والحقائق العلمية، ولذلك لم يختلف الناس في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوبفي الكيمياء أو الفيزياء أو الأحياء أو الفلك أو الطب.. وذلك لاتفاقهم على مرجعيات حاكمة في عالم المادة، وإذا حدث خلاف فسرعان ما يرجعون إما إلى التجارب أو المقاييس أو الكتب أو العلماء لحسم الخلاف.
بيد أن هناك مجالا لا يستطيع العقل بمفرده أن يستقل بالعلم الكامل به والانفراد بالقرار فيه ألا وهو عالم الغيب وما يترتب عليه من عقيدة وتصور وقيم، وما ينبثق عنها من معرفة وثقافة بالكون والإنسان والحياة في الجانب المعنوي لا المادي الأمور التي تحدد طبيعة النظم والعلاقات الإنسانية التي يفرضها الاجتماع الإنساني، والتي تخرج في صورة الدساتير والقوانين التي تحكم حركة الحياة اليومية في المجتمع.
● هداية ونور
ولقد كان الناس في غنى عن الضرب في التيه والإبحار في المجهول بما أنزل الله لهم من هداية ونور في هذا المجال، إلا أن كثيرا منهم تمردوا على هذه الهداية وألهوا عقولهم أو عقول أفراد منهم، ومن ثم رأينا اختلافا كبيرا في هذا المجال، رأينا اختلافا كبيرا في مجال المذاهب الفكرية والفلسفية، وفي مجال المذاهب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ... ومن ثم تعددت المرجعيات كل مذهب يرجع إلى مفكر أو فيلسوف أو أكثر، ثم يؤمن بهذه الفكرة عدد من القادة ويسعون لنشرها أو فرضها حتى تكون نظاما لمجتمع أو أكثر، ولذلك رأينا مجتمعات اشتراكية، وأخرى شيوعية ماركسية ورأسمالية، وليبرالية وديمقراطية شعبية وديمقراطية طبقية .. المهم أن القاسم المشترك بينها جميعا هو المرجعية البشرية، وهي إما مجتمعات ملحدة أو مجتمعات علمانية بمعنى أنها تفصل الدين عن أنشطة الحياة.
والمجتمع المسلم يتفق مع هذه المجتمعات في مجال المرجعية المادية، فالأمر بالنظر في الكون والتفكير فيه والبحث عن خفاياه واستكشاف مجاهل علومه المختلفة مبثوث ومتكرر في القرآن الكريم الأمر الذي أثمر الوصول للمنهج العلمي للبحث والتجريب لاستخلاص النتائج والقوانين عند علماء المسلمين قبل أن يقتبسه منهم علماء الغرب.
● قيم معنوية
أما جانب الاعتقاد والتصور والقيم المعنوية والنظم والقوانين، فلم يسع المسلمين إلا أن يستمدوها من هداية السماء؛ وذلك لأسباب كثيرة منها أن العقول إذا كانت تختلف إلى هذا الحد، وتقف على طرفي النقيض، وكل منها يدعي أنه الحق الذي لا يأتيه الباطل. فقد أثبتت كلها أنها بحاجة إلى مرجعية تحسم هذا الخلاف، وتضع حدا لهذا النزاع، ولا يتأتى ذلك إلا من جهة من خلق العقول: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) ﴾ (الملك). الأمر الثاني: أن طبيعة الإسلام نفسه تقطع بانه دين يشمل كل جوانب الحياة وينظمها جميعا .. فهو يشمل الاعتقاد والعبادة والأخلاق والتشريع لتنظيم مجالات الحياة كلها، وهذا هو الكفيل بإسعاد البشر إن اهتدوا به وامتثلوا له﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) ﴾ ( الأنعام).
فهذه الحقيقة حقيقة وجوب المرجعية الإسلامية للمسلمين في كل أمورهم، نجدها متواترة ناصعة في آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة وإجماع الصحابة .. ففي معرض حسم التنازع بالرجوع إلى الله والرسول صلي الله عليه وسلم ، أي إلى القرآن والسنة، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) ﴾ (النساء)، ويقول الإمام ابن القيم: إن كلمة شيء جاءت نكرة في سياق الشرط وذلك يعني أنها تعم كل ما يمكن أن يقع فيه التنازع، ثم يعقب القرآن مستنكرا على أقوام ادعوا الإيمان، ثم يريدون أن يتحاكموا إلى غير الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) ﴾ (النساء).
وفي هذا المعنى أيضا يقول سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) ﴾ (الشورى).
وفي أسلوب الاستفهام الإنكاري يقول تعالى على لسان رسوله صلي الله عليه وسلم : ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴾ (الأنعام : ١١٤)
ويقول في معرض وصف ومدح المؤمنين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) ﴾ (النور)، وفي معرض الأمر بالالتزام بشرع الله وحكمه يقول تعالى : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) ﴾ (الجاثية)، ويقول: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ ( المائدة : ٤٩ ) . ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم : تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي وهذا يعني أن المرجعية الإسلامية العليا تكون لله وللرسول صلي الله عليه وسلم أي للقرآن والسنة، ثم بعد ذلك تكون للاجتهاد القائم عليهما والمستمد منهما، والذي وضح سبله ومسالكه علماء أصول الفقه في كتبهم.
● ضرورة بشرية
والمرجعية ضرورة بشرية على المستوى الفردي والجماعي، فكل إنسان له مرجعيته الخاصة المستمدة من عقيدته وقيمه وثقافته وهي عبارة عن مقياس شخصي معنوي يوجد في أعماق ضميره أو خلفية ذهنه، فإذا ما عرض له أمر يستوجب اتخاذ موقف بشأنه فسرعان ما يعرضه على مقياسه المرجعي الداخلي، فإن كان الأمر يحتمل الصدق والكذب فالإنسان صاحب المبدأ ينحاز للصدق ولو فاتته منفعة. ويعزف عن الكذب ولو تحققت من ورائه مصلحة، والعكس في حالة الإنسان المادي النفعي وهكذا .. وهي ضرورة على المستوى الجماعي لحسم النزاعات بين أفراد المجتمعكما أسلفنا ..
و المرجعية جزء من عقيدة الإنسان، وحرية الاعتقاد حق مصون بمقتضى الشرع والدستور والوثائق الحقوقية الدولية للإنسان، ومن ثم لا يحق لأحد أيا كان ولا لنظام حكم أن يحظر هذا الأمر أو يصادر هذا الحق، وخصوصا إذا كانت هذه المرجعية مستمدة من عقيدة الأمة وهويتها وثقافتها التي ينص عليها دستورها في عديد من مواده، والتي ارتضاها معظم أفراد الشعب كما أنه لا يجوز أن يستفتى على حظر مرجعية الإسلام لأي نشاط من أنشطة الحياة، كما أنه من التناقض البين أن تحظر مرجعية الإسلام في نشاط من أنشطة الحياة في الوقت الذي يسمح لمرجعيات ماركسية ملحدة أو علمانية مفرطة أن تنتشر وتصان.
إن الأمر في حقيقته بحظر النشاط السياسي على أساس أو مرجعية إسلامية لا يعدو أن يكون عزلا سياسيا لقطاع كبير من الشعب، تعجز النظم المستبدة أن تتنافس معه تنافسا شريفا على خدمة الشعب وتحقيق أهدافه فتلجأ إلى تقييده وإقصائه حتى يخلو لها الجو، فتستمر في استبدادها وفسادها الأمر الذي يكرس التخلف والضعف والفقروالتبعية والهوان...
وإذا كان جائزا في عرف هذه النظم وهذه الآراء العلمانية التي تنادي به حظر المرجعية الإسلامية، في مجال السياسة؛ فما المانع بعد قليل من حظرها في مجال الاقتصاد والاجتماع والتعليم والإعلام.. لتصبح مصر - لا قدر الله - دولة علمانية بحتة، كتلك الدول التي تخلت عن دينها خطوة خطوة إرضاء الأعداء الإسلام ؟! وقى الله مصرنا، ووقانا من أصحاب الشهوات والشبهات وأرباب الفساد والاستبداد .