العنوان رحلة مع "الحركة"
الكاتب د. ماهر حتحوت
تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1971
مشاهدات 94
نشر في العدد 46
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 02-فبراير-1971
أمسك طرف الصحيفة.. وأقلب الصفحة ثم أعدها مرة أخرى لو سمحت حركة بسيطة لم تجشمك التعب ولا هي أرهقتك من أمرك عسرًا.. غير أنه وراء هذه الحركة البسيطة آيات من الإعجاز لا تنتهي.. وصور من الروعة يصعب في ذلك المقام إحصاؤها ولا تكاد توصف.
لكي تؤدي حركة ما بيديك نشط لحاء المخ نشاطًا أمكن الآن حسابه وقياسه.
واستحضر من مخزن الذاكرة المعجز.. صورة للحركة التي تريد من بين ملايين الصور في أرشيف غير منظور.. ثم أرسل المخ إشارة في قنوات مخصصة تتفرع منها إلى العضلات فروع؛ فأمرت يدك أن تؤدي حركة ما.. فإذا يدك تنقبض وتنبسط على الشكل المطلوب بما يؤدي الوظيفة التي تروم.
تری.. هل المسألة على هذا القدر من اليسر والبساطة؟
لكي تتحرك يدك جزءًا بسيطًا من ذلك الشكل الذي تحركت عليه.. مرت خلال عشرات الانقباضات والانبساطات.
ولكي تؤدي جزئية واحدة، انقباضًا أو انبساطًا فإن ثلاثة أنواع من العضلات توظف فورًا وبسرعة لإنجاز هذه المهمة... فلو قبضت إصبعك مثلًا.. فأول نوع من العضلات تكون وظيفته أن ينقبض ليؤدي الحركة.. أما النوع الثاني فهو نوع من العضلات يكون مهمته أن ينبسط، ولكن بمقدار.. يعاكس الحركة الأولى لكيلا تنطلق بغير ضابط.. متجاوزة الغاية من الأمر الذي وصلها من المخ عبر الأعصاب؛ لأن كل شيء موزون.. وفي ناموس الله كل شيء يجري بمقدار.. فطرة يتجاهلها الذين يتصورون الحرية نوعًا من الانفلات من كل عقال. أما النوع الثالث من العضلات الذي يستنفر على الفور فهو نوع العضلات المثبتة.. تلك التي تثبت العضو.. وهو اليد في مثالنا الذي نعطي.. في وضع ملائم لأداء الحركة بأقل جهد وفي أحسن شكل وفي أنسب الحدود.
عشرات من الحركات أتيتها أنت حيث قلبت الصفحة وعدلتها.. أديت فيها على مستوى العضلات فقط مئات الوظائف.. أخذت فيها عشرات العضلات عشرات المهمات والدوامات.
هل نمضي الآن إلى التأمل أم أن قوة الإعجاز الحقيقية لم نطل منها بعد؟
فلکي تؤدي كل هذا الجزئيات بالليونة والانسيابية والتوقيت الذي نؤدي به كل الحركات... فلا بد من تدخل آخر، ترى كيف يكون الحال لو تأخر انبساط العضلات المعاكسة عن انقباض العضلات المؤدية للانقباض في حركة معلومة... ولو أجزاء من الثانية.
ماذا يحدث لو أديت الحركة من غير أن يأخذ الجسم أهبته ووضعه الثابت الملائم وأنت تؤدي في اللحظة مئات الحركات؟ يختل الميزان.. وتتحرك اليد فجاءة واضطرابًا.. وتظل أطول من الوقت مغلولة إلى عنقك أو مبسوطة كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا... وترتعش وترتعد وتتجاوز المطلوب أو تقتصر عنه في الكليات والجزئيات.. مع أن العضلة سليمة غير مشلولة...والأعصاب سليمة غير مبتورة والعضو سليم لا مصاب ولا ممروض.
أين ذلك المايسترو العجيب الذي لا يأمر، ولكن ينظم وصول الأوامر وتنفيذها... يحدد لكل مجموعة وقت الأداء ووقت الانتهاء لتواكب المجموعة الأخرى في صبر وليونة واتساق. المايسترو الذي لم يؤلف السمفونية، ولكنه يقود الفريق.. ليخرج اللحن في آخر الأمر رائعًا شجيًا متناسقاً له بداية ونهاية وليس فيه نشاز.
ذلك المايسترو العجيب.. اسمه المخيخ.. أودعه العليم الخبير في قعر الجمجمة... تحت مستوى الشعور، يؤدي مهمته أوتوماتيكياً... بغير انتظار لتعليمات الشعور.. هو ليس قيادة الحركة.. ولا منظمها، ولكنه ضابط اتصالها الذي ليس عنه غناء. يؤدي مهمته المحفوظة... أما كيف قرأها وما هو بقارئ وكيف حفظها.. وما هو بحافظ.. فتلك رحلة كبرى وريادة تهون إلى جانبها ريادة القمر والأجواء. وهل هذه كل مهمة المخيخ...
هذه إحدى مهماته.. من أعظمها، ولكن لا تقل عنها بقية المهمات في الإعجاز ذلك العضو في حجم الترانزستور الصغير يؤدي وظائفه في حفظ توازن ويبقى للعضلات حالة التوتر الجسم في الحركة والسكون تجهیزًا لمرحلة الأداء... ويواكب الجهاز الحركي منظمًا وموجهًا للحركة إرادية أو بغير إرادة... ترى.. لو أن الحركة في الدنيا وفي المجتمع كالحركة في جسم الإنسان.. ولو أن المجتمع تمثل في شكل جسم كبير... ولو كان ذلك المجتمع يؤدي حركة ما.. تحمل رسالة معينة أو تؤدي إلى صورة مطلوبة... ترى لو أن ذلك كذلك...وإنه لكذلك... فهل يصلح بغير المخيخ... تجارب البشرية كلها قالت لا.... لإنك لن تجد لسنة الله تبديلاً.
ماهر حتحوت